logo.jpg (8514 bytes)نشرة مركز بديل غير الدورية رقم 7. أيلول 2001

تهدف مجموعة الأوراق التي يقدمها مركز بديل إلى دعم وإثراء النقاشات الفلسطينية العربية والدولية حول الاستراتيجيات المتعلقة بإثارة قضية استعادة الحقوق الفلسطينية المشروعة وعلى رأسها حق العودة إلى الديار والممتلكات والتعويضات في إطار حل دائم لصراع العربي / الفلسطيني الإسرائيلي.

يمنع إعادة طباعة أي جزء من هذه النشرة أو الاقتباس منها دون إذن صريح من المؤلف وبدون إشارة مناسبة إلى أنها لم تنشر بعد، ترجمة المواد المقتبسة من مصادر غير عربية في هذه النشرة هي ترجمة غير رسمية.


المؤتمر الدولي لمكافحة العنصرية:

"متحدين لمقاومة العنصرية: المساواة، العدالة، والكرامة" لمحـة عـامــة وتحليـل للأحداث

انعقد المؤتمر الدولي الثالث لمكافحة ومناهضة التمييز والتفرقة العنصرية في ديربان في جنوب أفريقيا ما بين 26 آب و9 أيلول من العام 2001، وجمع هذا المؤتمر نخبة من الشباب، منظمات حقوق الإنسان، وممثلي الحكومات من مختلف دول العالم في حملة متوازية للخروج ببيان وبرنامج عمل مناهض للعنصرية. وقد عقد المؤتمر لأول مرة خارج أوروبا، وكانت جنوب أفريقيا البلد المستضيف والمنظم تكريماً لها ولنضالها الذي قاوم وانتصر على النظام العنصري (بالرغم من أن بقايا لجيوب النظام العنصري هذا، لا تزال موجودة في اقتصاد البلد وملكيته للأراضي.

وتسعى هذه النشرة، إلى تقديم خلفية عامة موجزة حول مؤتمر مكافحة العنصرية 2001، كما وتلقي الضوء على القضايا التي طرحت على جدول أعمال المؤتمر، إلى جانب التحاليل العملية حول تأثير المؤتمر وآثاره المستقبلية على العديد من القضايا ذات الصلة بالقضية الفلسطينية بشكل عام، وقضايا حقوق اللاجئين بشكل خاص.

خلـفـيـة عـامــة

عقد المؤتمر الدولي الأول لمناهضة العنصرية في جنيف عام 1978، أي ما يقارب عشرة أعوام من سريان الاتفاقية الدولية للحد من جميع أشكال العنصرية والتمييز العنصري. جاء ذلك المؤتمر بعد حوالي عقد من الزمن من "الأعمال والخطوات المناهضة للعنصرية والتمييز العنصري" كما كان مخططاً من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني من العام 1972. وبعد حوالي خمسة أعوام، عقدت الأمم المتحدة مؤتمراً دولياً ثانياً ليتزامن مع بداية العقد الثاني لمناهضة العنصرية. وكان الهدف من وراء هذه المؤتمرات هو تطوير برنامج عمل مشترك يناهض العنصرية تلتزم به الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

وبينما كان تركيز المؤتمر على مدىً من المواضيع المتعلقة بالعنصرية والتمييز العنصري، التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا، والحد من توسع الاحتلال العسكري الإسرائيلي، وهي المواضيع التي استحوذت على معظم النقاط المطروحة على جدول أعمال المؤتمرين الأوليين. وفي كلا هذين المؤتمرين 1978 و1983، عارضت الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي والعديد من الدول الغربية، اشتمال البيانات الختامية على لغة تعبيرية تتعلق بجنوب أفريقيا وإسرائيل. كما عارضت هذه الدول وصوتت ضد الإجراءات (مثل عزل جنوب أفريقيا "والدول التي تدعمها"، الحصار، ودعم حركات التحرر الوطنية في جنوب أفريقيا)، وتسبب ذلك في مقاطعة الولايات المتحدة لمؤتمر عام 1978. وتضمنت الإعلانات الختامية لكلا المؤتمرين أيضاً، لبيانات داعمة لحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، ودعمت "نضالهم للتحرر والمناهض للتفرقة العنصرية"، ولكن الإعلانين لم يتضمنا تفصيلات لخطوات العمل التي يجب القيام بها لتنفيذ ما نص عليه الإعلانين.

التحضيرات التي تمت للمؤتمر الأخير في ديربان بدأت منذ أكثر من عام، وتضمنت عقد لقاءات تحضيرية إقليمية إلى جانب جلسات تحضيرية في جنيف حيث شكلت الأطراف المشاركة مسودة إعلان وجدول الأعمال من أجل إقراره من قبل ملتقى المؤسسات الأهلية وممثلي الحكومات المؤتمرين في ديربان. قبيل المؤتمر، ساد الجدل العام وتغطية إعلامية ركزت بشكل خاص على الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، تعويضات عن تجارة الرقيق بين دول المحيط الأطلسي، وقضايا أخرى عامة، وحول ما إذا كان سيذكر مرتكبي جرائم التمييز والتفرقة العنصرية بالاسم في الإعلان الختامي للمؤتمر.

وأثناء عملية التحضير الطويلة، وكما حدث في العامين 1978 و1983، حاولت الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، إسرائيل ودول أخرى عديدة (مثل كندا) العمل على إقصاء بعض القضايا المعينة من على جدول أعمال المؤتمر، مثل تسمية إسرائيل كدولة عنصرية، والتعويضات عن تجارة الرقيق، وبذلت (أمريكا وإسرائيل) جهود مضاعفة تضمنت الضغط والتهديد بالانسحاب من المؤتمر. بينما عارضت الدول الغربية الأخرى اللغة الحادة (كما وصفتها) والمتعلقة بإسرائيل والفلسطينيين، وأعربوا عن دعمهم لصيّغ عامة بدلاً من ذلك. بقيت هذه القضايا بدون حلول قبيل افتتاح أعمال المؤتمر الدولي الثالث لمكافحة العنصرية.

ملتقى المنظمات الأهلية - "استحضار القضايا على جدول الأعمال"

ملتقى المنظمات الأهلية، والذي سبق في انعقاده مؤتمر الحكومات، كان قد نظّم حول سلسلة من القضايا المحددة ذات الأهمية، المرفوعة من قبل ضحايا العنصرية حول العالم من خلال ورش عمل مختلفة، تظاهرات وأحداث يومية. ولقد أبرز ملتقى المنظمات الأهلية على جدول أعماله نطاقاً واسعاً من القضايا تشمل تجارة الرقيق والتعويضات المستحقة، الطبقية والتمييز العنصري، الجرائم، اللاسامية، الأشخاص ذوي الإعاقات، التعليم، الاستعمار والاحتلال الأجنبي، الأقليات العرقية والقومية، الجنس، العولمة، التمييز البيئي، الصحة واستلاب ملكية الأراضي، نقص المناعة/الأيدز، جرائم الكراهية، العمال، الإعلام والاتصالات، المهاجرين والعمالة المهاجرة، التعصب الديني، التوجيه الجنسي، الشباب والأطفال ويشمل الفتيات، اللاجئين وبالباحثين عن ملجأ، والمتاجرة بالجنس.

أكّد مضمون البيان الختامي الصادر عن ملتقى المنظمات الأهلية وبرنامج عملها، بأن الملتقى قد أنجز بالضبط ما أسس من أجله -المنصة الخاصة بضحايا العنصرية والتي تمكنهم من وضع قضاياهم على جدول الأعمال، إذا ما كانوا أفريقيين أو أحفادهم، سكان أصليين، أو شعوب سامية (وتشمل اليهود والعرب)، أسيويين وأحفادهم، أو دالتيين (أقلية عرقية وضحايا التفرقة العنصرية في الهند)، فلسطينيين، تبتيين، بوتانيين، أكراد، وأخرين كثر. ومن ناحية عملية، جسّد الملتقى شعار المؤتمر، "متحدين لمقاومة العنصرية: المساواة، العدالة، والكرامة"، نوع من تضامن الجنوب-الجنوب، مع تطور مفترض لحركة تضامن عالمية جديدة ما بين الجنوب والشمال.

لمدة خمسة أيام، استمع ممثلي حوالي 3.500 منظمة أهلية من مختلف دول العالم إلى تجارب ووظروف بعضهم البعض، وشكّلوا نقاط تواصل، ومجموعات ضغط، دعمت بعضها البعض من أجل ضمان وصول أصوات ضحايا العنصرية ومطالبهم بتحقيق حقوقهم إلى العالم كلّه. وفي الاجتماع الختامي لملتقى المنظمات الأهلية، وبعد يوم طويل من ممارسة الضغط للتوصل إلى التعديلات النهائية، تبنت المنظمات الأهلية الممثلة لأربعة واربعون تجمعاً مهنياً إقليمياً، الإعلان وبرنامج العمل الخاص بها. هذه الوثيقة الشاملة المبنية على أسس من العدل والحق والقانون الدولي، أبرزت بوضوح أسماء المجرمين والعنصريين، ووضعت برنامجاً واضحاً للعمل على مكافحة الاستعمار والعنصرية بجميع أشكالها. وقد دعا برنامج العمل هذا إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتقوية وتفعيل القوانين الدولية، وذلك يشمل توسيع مدى الإجراءات للدعاوى الفردية المرفوعة لهيئات حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وفرض الحصار على الدول التي تنتهك حقوق الإنسان.

أما بالنسبة للفلسطينيين، فقد دعا برنامج العمل إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز القوانين الدولية ذات الصلة بهم، وإنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي، وإلى حين ذلك نشر قوات الحماية الدولية في تلك الأراضي المحتلة. وبشكل واضح، أبرزت وثيقة المنظمات الأهلية التمييز والتفرقة العنصرية ذات الصلة بجذور الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بما فيها إنكار حق العودة للاجئين والمهجرين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم، ودعت الوثيقة إلى إلغاء القوانين العنصرية الإسرائيلية الخاصة بالعودة وأملاك الغائبين، والتي تعد تمييزاً عنصرياً ضد الفلسطينيين. ودعا برنامج العمل الأمم المتحدة إلى تحضير مواد تعليمية وتأسيس لجنة خاصة بالنظام الإسرائيلي العنصري؛ وإلى برامج للأمم المتحدة لمكافحة الإعلام العنصري المحرّف والمشوّه، وصد الدعاية الإعلامية التي من شأنها الانتقاص من إنسانية الشعب الفلسطيني ونسبه إلى الشيطان بصفته إرهابي وعنيف؛ بالإضافة إلى ذلك، البدء بحملة دولية مناهضة للعنصرية الإسرائيلية. كما ودعا برنامج العمل أيضاً المجتمع الدولي إلى فرض سياسة عزل كاملة وشاملة لإسرائيل باعتبارها دولة عنصرية، تماماً كما تم عزل دولة جنوب أفريقيا العنصرية من قبل. وبدعم شبه كامل من التجمعات الإقليمية والمهنية للمنظمات الأخرى، نجحت التجمعات الأهلية الفلسطينية والعربية في إزالة فقرة مثيرة للجدل أدخلها التجمع الحزبي اليهودي (الصهيوني) والذي مثّل المنظمات الأهلية الصهيونية مثل (العصبة ضد القذف والتشهير، الحلفاء، المنظمة النسوية الصهيونية، ومركز ملاحقة النازيين في العالم)، وكان قد قيل في هذه الفقرة: "الاتهام بجرائم الإبادة الجماعية، جرائم الحرب، جرائم ضد الإنسانية، جرائم التطهير العرقي والتفرقة العنصرية الموجهة ضد إسرائيل، هو أحد الأشكال المعاصرة الخبيثة من اللاسامية". ولو جرى تبني هذه الفقرة، فهذا يعني أن أي نقد لإسرائيل يتعلق بانتهاكها لحقوق الإنسان سوف ينعت باللاسامية.

الوحدة والتضامن أدتا إلى إسماع أصوات ضحايا العنصرية من على المنصة التي أقامها ملتقى المنظمات الأهلية. الموقف الموحد للمنظمات الأهلية الفلسطينية والعربية تم تسهيله من خلال التحضير المسبق ما بين المناطق المحتلة عام 1967، والفلسطينيين داخل الخط الأخضر، والعالم العربي. من خلال وضع جدول أعمال مشترك فلسطيني-عربي قبيل المؤتمر من خلال ورقة الموقف التي أنجزتها المنظمات الأهلية الفلسطينية، وإعلان القاهرة لمكافحة العنصرية وتم تداول جدول الأعمال هذا مع المنظمات الأهلية التي تمثّل ضحايا العنصرية في مواقع أخرى حول العالم. تعبيرات التضامن مع الفلسطينيين بالتحديد، ومع الجنوب أفريقيين أيضاً برزت بوضوح من خلال المهرجانات الجماهيرية والمسيرات، المؤتمرات الصحفية المشتركة، ورش العمل المشتركة التي أبرزت جميع قضايا العنصرية المشتركة، وفي عملية صياغة مسودة البيان الختامي وبرنامج العمل الذي صدر عنها.

وفي اليوم السابق لليوم الختامي لمؤتمر ملتقى المنظمات الأهلية، نظم ملتقى ديربان الاجتماعي بما فيه لجنة التضامن الجنوب أفريقية مع فلسطين، مهرجان ومسيرة جماهيرية ضخمة من أجل إثارة مطالب المقتلعين من أراضيهم  في جنوب أفريقيا وفلسطين. شارك فيها أكثر من 60.000 شخص، وانتهت بمهرجان حيث أعلن الجنوب أفريقيين البدء بالحملة الدولية المناهضة لإسرائيل كدولة عنصرية. "نحن، الجنوب أفريقيين، نمد أيدينا إلى شعب فلسطين البطل. نحيي نضالهم، وحجارتهم، ونحيي يد ديفيد الطفل التي رمت المتغطرس غولياذ بحجر فقتلته. ونحيي رؤيتهم للدولة التي ستلفظ العنصرية. نحيي عاطفتهم للحياة بدون استبداد ولا اضطهاد. نحيي كفاحهم، عرباً ويهود يطمحون للحرية والتخلص من كل أعباء العنصرية والظلم. وكجنوب أفريقيين، فإننا نفهم هذا النضال بجميع أنواعه، المثالية والعاطفية. إننا ندعم المطالبة بعزل دولة إسرائيل العنصرية، ومطلب حق العودة لملايين اللاجئين الفلسطينيين، وندعم تفكيك المستوطنات العنصرية. إننا نعاهد أنفسنا بأن نكون جزء من حركة عالمية جديدة تعمل ضد العنصرية الإسرائيلية". (اقرأ نص البيان الذي وزع أثناء المهرجان والموجود على صفحة بديل الإلكترونية باللغة العربية، الصفحة الخاصة بمؤتمر ديربان: www.badil.org/ Arabic%20Website/Resources/WCAR.

مـؤتـمــر الـحـكـومــات

بينما يصدح صوت ضحايا العنصرية عالياً، في المسيرات الضخمة التي جابت شوارع ديربان، وبالرغم من البيان الختامي الذي صدر عن ملتقى المنظمات الأهلية الممثلة لهؤلاء الضحايا، طغت المصالح السياسية والاقتصادية لبعض الدول التي سبق ونعتت في بيان ملتقى المنظمات الأهلية بالعنصرية، وعملت على تقييد مؤتمر الحكومات. الخطابات السياسية التي سادت في داخل أروقة مؤتمر الحكومات غمرت أصوات ضحايا العنصرية خارجها. وقد تركبت المشكلة وزادت تعقيداً من قبل الإعلام الدولي الذي يقصد على ما يبدو إلى تغطية "الجدل والخلاف" الذي أحاط بإسرائيل والصهيونية وتعويض عن تجارة الرقيق على حساب استثناء القضايا العديدة الأخرى. وبالرغم من الدعاوى المعاكسة التي قامت بها الحكومات والرسميين من الأمم المتحدة، بأن الذي سرق جدول أعمال المؤتمر هو الإعلام وليس أي من الرسميين أو المنظمات الأهلية الفلسطينية والعربية. عملت المنظمات الأهلية الفلسطينية جنباً إلى جنب مع منظمات أهلية أخرى (مثل تلك المنظمات التي تمثّل الداليتيين، والذين يأسوا من محاولاتهم لإثارة الإعلام حول تجارب ومطالب ضحايا آخرين للعنصرية وبنفس الطريقة التي أثارت هواجس الإعلام حول قضية إسرائيل والصهيونية.

وبعيد الانسحاب الأمريكي والإسرائيلي غير المفاجئ من المؤتمر، مستذكرين الدور الذي لعبته أمريكا في المؤتمر السابق، لم ينصب جلّ اهتمام الباحثين عن إنجاح مؤتمر الحكومات على مضمون البيان الختامي وبرنامج العمل الذي سينبثق عنه، بل على إذا ما كانت الدول قادرة على صياغة وثيقة مع نهاية ذلك اليوم. بالنسبة للعديد من المنظمات الأهلية، وليس فقط الفلسطينية ، أصبح من الواضح أن مضمون بيان الحكومات سيكون مقتضباً وعلى نحو خطير، وسيأخذ طابعاً سياسياً خاصة عندما رفضت المفوضة العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، ماري روبنسون، مبدئياً قبول البيان وبرنامج العمل الذي سبق وتبناه ملتقى المنظمات الأهلية والذي يعتبر وثيقة شرعية واضحة وديمقراطية، ومن الواجب عرضه على حكومات الدول المشاركة. وبينما علمت السيدة روبنسون بأن هناك بعض "الأشياء الجيدة في البيان الصادر عن ملتقى المنظمات الأهلية"، إلا أنها أبدت ملاحظة بعدم قدرتها على قبول بعض المصطلحات اللغوية، وعلى وجه الخصوص تلك التي تشير إلى أعمال الإبادة الجماعية. "إنه من غير المقبول، لغة جارحة، لم يكن هناك حاجة إلى أن تظهر على أية وثائق تصدر عن ديربان". ولم تشرح السيدة روبنسون لماذا كان مضمون "أعمال الإبادة الجماعية" فيما يتعلق بمذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982، "شئ في غير محله بالنسبة لمؤتمر دولي مناهض للتمييز والتفرقة العنصرية"، وبالتحديد بوجود حقيقة أن الجمعية العامة للأمم المتحدة في قراراها رقم (أ/مصادر/37/123):، ولجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في قرارها رقم (ج/سي أن.4/مصادر/1985/4): كانتا قد وصفتا المذبحة بأنها أعمال إبادة جماعية، وحملت مسئوليتها إلى دولة إسرائيل. هذا بالإضافة إلى أن أعمال الإبادة والتطهير العرقي كانت من بين القضايا التي أدرجت على جدول أعمال مؤتمر الأمم المتحدة الثالث لمكافحة العنصرية.

وكانت ردود المنظمات الأهلية الفلسطينية والعربية بالتأكيد على أن المراجع الخاصة بأعمال الإبادة الجماعية "لا تنسب الإبادة الجماعية المقصود إلى جميع اليهود أو جميع اليهود الإسرائيليين. ليس هناك من فرد ولا دولة يجب عليه أن يتحمل التهم المنسوبة لغيرهم بارتكاب جرائم إبادة جماعية، حيث أن أعمال الإبادة الجماعية هي انعكاس دقيق لحوادث تاريخية محددة على أسس الاتفاقية المتعلقة بأعمــــال الإبادة الجماعية في العام 1948". وأيضاً، فإنهم يستنكرون بشدة جميع الأعمال المعادية للسامية والأعمال المعادية والمميّزة ضد اليهود، وفي نفس الوقت يؤكدون على أن الانتقادات حول الانتهاكات الإسرائيلية للقوانين الدولية وحقوق الإنسان، أو الممارسات العنصرية التي ترتكب باسم الصهيونية هي انتقادات غير معادية للسامية وغير معادية لليهود.

وقبيل إعلان الصيغة النهائية "البيان الختامي وبرنامج العمل" الصادر عن مؤتمر الحكومات، أقترحت بعض الاقتباسات (بخلاف ما قد ور في بيان المنظمات الأهلية) بأن العديد من أصوات ضحايا العنصرية قد غمرت بالخطابات السياسية التي سادت جلسات المؤتمر. بعض الرسميين الإسرائيليين ادّعوا بأن مؤتمر الحكومات كان ناجحاً بسبب غياب أي مرجعية إلى إسرائيل في البيان الختامي. وببساطه فقد عزت إسرائيل هذا النجاح الرمزي إلى فشل الحكومات في الاعتراف بأصوات ومطالب ضحايا التمييز والتفرقة العنصرية. وكان يجب الاّ يصرف النظر عن وثائق المؤتمر ، بل يجب قراءتها بتمعّن وبنفس المضمون الذي أسسته وثائق ملتقى المنظمات الأهلية.

أما بالنسبة للفلسطينيين، فقد شمل البيان الختامي الذي صدر عن مؤتمر الحكومات القليل من كل شئ. "ملائم للمؤتمر المناهض للتمييز والتفرقة العنصرية" كما قالت المفوضة السامية. بينما عبرت الوثيقة عن "اهتمام" حول "مأزق الشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال الأجنبي" وأقرّت بحق تقرير المصير وبحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، وشملت تصريح عام يدعم "عملية السلام". ولكن لم تعط مرجعية صريحة لمعاناة الفلسطينيين من الممارسات العنصرية والتمييز العنصري الصهيوني الإسرائيلي، كما حدث في البيانات الختامية للمؤتمرين السابقين عامي 1978 و1983. ولم يكن بيان مؤتمر الحكومات أضعف من بيان ملتقى المنظمات الأهلية فحسب، ولكنه أيضاً أضعف من البيانين السابقين الصادرين عن مؤتمرات الحكومات السابقة.

وفي هذا السياق، كانت الرسالة التي حملها مؤتمر الحكومات إلى ضحايا التفرقة والتمييز العنصري من الفلسطينيين واضحة جداً. (فعندما أثار الفلسطينيين الجدل بأن الاحتلال الإسرائيلي يشتمل على ممارسات عنصرية وبأن لهم الحق في مقاومة العنصرية والنضال من أجل تقرير مصيرهم؛ وعندما طرح الفلسطينيين داخل إسرائيل بأنهم يعانون العنصرية الإسرائيلية المستمرة على حساب حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والمدنية؛ وعندما دعا اللاجئين الفلسطينيين إلى إلغاء التشريعات الإسرائيلية العنصرية من أجل السماح لهم بممارسة حق عودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم والعيش بحرية ومساواة)، نظر إلى ذلك على أنه "لغة فظّة" وليس عداءاً لإسرائيل فحسب، وإنما عداءاً لليهودية وعداءاً للسامية. وأيضاً، منع استخدام العديد من المصطلحات مثل أعمال الإبادة الجماعية والتطهير العرقي -بدون ذكر التمييز العنصري- حتى ولو تم تعريفها بمضمون قانوني واضح. لقد كانت محاولة إخماد صوت مجموعات ضحايا العنصرية هذه، خطراً داهماً يحيق بجميع ضحايا العنصرية حول العالم.

الـخــلاصــة

في ظل غياب وثيقة حكومية تعكس مطالب ضحايا العنصرية، وتعرّف بوضوح الممارسات والتفرقة العنصرية، وتحدد بالاسم المجرمين الذين يرتكبون هذه الأعمال، كانت وثيقة ملتقى المنظمات الأهلية بمثابة المنصة لبرنامج عمل شامل غير عنصري، للحد من جميع أشكال التمييز والتفرقة العنصرية. "لقد جئنا هنا بسلام، آملين بأن تفهم مقاصدنا، وبأن تفتح أبواب الأغنياء والأقوياء للفقراء"، "وإن لم تفتح تلك الأبواب، فسوف يقوم الناس بفتحها بأنفسهم". من تصريحات منظمة التضامن مع شعوب اسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية قبيل عقد مؤتمر الحكومات.

سيكون التحدي الأكبر للمنظمات الأهلية حول العالم، هو إيجاد سبل خلاّقة وعملية في استعمال الوثيقة الصادرة عنها، والشبكة التي أسسها الملتقى لتكون نقطة الانطلاق لحركة تضامن دولية لمقاومة العنصرية بجميع أشكالها. المقاومة بالنسبة للعديد من الحكومات لإبراز أشكال العنصرية التاريخية والمعاصرة، ومحاولة من قبل مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة لشرح أجزاء من بين المنظمات الأهلية، وحدة التضامن التي تمثلت بضحايا العنصرية في ديربان سوف تكون حاسمة بالنسبة لنجاح أي حركة تضامن دولية.

بالنسبة للفلسطينيين أيضاً، فإن الحملة المناهضة للتمييز العنصري الإسرائيلي التي ابتدأتها لجنة التضامن الجنوب أفريقية مع فلسطين، تشكل الأساس لمثل تلك الحركة الدولية. تحديات ديربان خلقت المجال لبناء حركة تضامن مفتوحة يشارك فيها الجميع، بناءاً على المبادئ المشتركة التي أقرها القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة؛ حركة يستطيع جميع الأعضاء فيها الاستفادة من خصوصيات تجارب بعضها البعض. ويجب الاّ يعاق الفلسطينيين بانتقادات بعض الجهات الإسرائيلية التي سخرت من المنظمات الأهلية الفلسطينية التي شاركت في "مخيم المتخلفين من شعوب العالم" في ديربان.

حقيقة أن العديد من الحكومات والأمم المتحدة فشلت في الانخراط في تحليل ونقاش ذا معنى بخصوص الممارسات العنصرية والتفرقة العنصرية التي ترتكبها إسرائيل، وبخصوص الهجمات العنصرية التي ترتكب بحق الفلسطينيين والعرب والمسلمين بعيد الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة في أيلول الماضي، فإن ذلك يتطلب جهود دعم حثيثة لفضح إسرائيل كدولة عنصرية لدى العديد من مجتمعات العالم، وتثقيف الرأي العام العالمي حول النكبة والمعاناة الفلسطينية المستمرة جراء ممارسات هذه الدولة العنصرية. وهذا من شأنه أن يشمل بالضرورة اليهود داخل إسرائيل وخارجها. وأيضاً، ومن أجل بناء حركة تضامن فعّالة، فالفلسطينيين سيكونون بحاجة لاجتياز عملية تثقيف-ذاتي حول النضال والتجارب المشتركة مع ضحايا آخرين للعنصرية. ويجب على الفلسطينيين أحياناً الاستفادة من التغطية الإعلامية الموجهة إليهم كمنصة لإثارة قضاياهم ذات الاهتمام المشترك مع ضحايا آخرين للتمييز والتفرقة العنصرية. وكل ذلك يتطلب جهود حثيثة من أجل التوضيح للمجتمع الدولي بأن الانتقادات الموجهة ضد السياسات والممارسات الصهيونية الإسرائيلية في إطار من القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة لا تمثل العداء للسامية أو عداءاً عنصرياً لليهود.

أما بالنسبة للاجئين الفلسطينيين، فالتضامن مع لاجئين آخرين مثلاً من بوتان والبوسنة وغيرهم، والذين ناضلوا للعودة لديارهم وممتلكاتهم، وتحدوا العقبات السياسية والقانونية التي واجهتهم، يعد ملاذاً مبدئياً لتعزيز مبادئ حق العودة، استعادة الحقوق والتعويضات. يجب بذل قصارى الجهود من أجل تأسيس شبكة تضامن مع حركات جماهيرية أخرى للاجئين حول العالم. فهذا النوع من حركات التضامن باستطاعته تشكيل قوة سياسية، قانونية، وإستراتيجية إعلامية جماعية لقضايا عديدة مشتركة؛ جهود ضغط مشتركة مع شعوب شريكة ذات علاقة وفي إطار نظام الأمم المتحدة؛ وحتى القيام بنشاطات مشتركة. جهود تثقيفية يجب تركيزها ليس على النواحي والسياسات والقوانين العنصرية الإسرائيلية التي تمنع الفلسطينيين من ممارسة حقوقهم فحسب، وإنما يجب التركيز أيضاً على الرأي العام الإسرائيلي وجعله يستخلص النتيجة بأن حقوق اللاجئين لا تعني على الإطلاق ممارسة العنصرية ضد إسرائيل، ولكمنها مجرد نضال من أجل نيل الحقوق والعيش على أساس مبادئ الحرية والمساواة والعدالة، تماماً كما بينها ميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية.

*****

للحصول على وثائق المؤتمر الدولي لمكافحة العنصرية، أنظر: صفحة بديل الإلكترونية http://www.badil.org/Resources/WCAR/WCAR2001.htm

ومن خلال نفس الصفحة يمكنك الوصول إلى الصفحة الإلكترونية SANGOCO، التي يرعاها ملتقى المنظمات الأهلية الجنوب أفريقية ومكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة.


© 1999-2004
جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة لمركز بديل

لا يجوز نشر أي جزء من هذا العمل، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع أو نقله على أي نحو، أو بأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو التسجيل أو خلاف ذلك، إلا بالموافقة المسبقة على ذلك (email)، وفي حال الاقتباس من أجل الدراسات والبحوث الأكاديمية أو لأغراضٍ إعلامية، وبشرط الإشارة إلى المؤلف والمصدر على النحو التالي: "المؤلف، بديل/المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، تاريخ النشر".

بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين
ص.ب 728، بيت لحم، فلسطين
بريد إلكتروني:
info@badil.org  - المجلة الإلكترونية:www.badil.org