logo.jpg (8514 bytes)نشرة مركز بديل غير الدورية رقم 14. كانون الأول 2003

تهدف مجموعة الأوراق التي يقدمها مركز بديل إلى دعم وإثراء النقاشات الفلسطينية العربية والدولية حول الاستراتيجيات المتعلقة بإثارة قضية استعادة الحقوق الفلسطينية المشروعة وعلى رأسها حق العودة إلى الديار والممتلكات والتعويضات في إطار حل دائم لصراع العربي / الفلسطيني الإسرائيلي.

يمنع إعادة طباعة أي جزء من هذه النشرة أو الاقتباس منها دون إذن صريح من المؤلف وبدون إشارة مناسبة إلى أنها لم تنشر بعد، ترجمة المواد المقتبسة من مصادر غير عربية في هذه النشرة هي ترجمة غير رسمية.


اتفـاقيـة السـلام واللاجئيـن: الدروس المستفادة


إتفاقيات السلام- حقوق الانسان، حقوق اللاجئين، والمشاركة الشعبية: فيما يلي الجزء الثاني من دراسة تحليلية مكونة من ثلاثة اجزاء تتناول إتفاقيات السلام في العالم. وسيتناول هذا الجزء قضية اللاجئين بينما سيتناول الجزء الثالث موضوعة المشاركة الشعبية في صياغة وتطبيق الاتفاقيات. ويمكن الاطلاع على الجزء الاول من الدراسة والذي يتناول مسألة حقوق الانسان من خلال موقع مركز بديل على شبكة الانترنت (
www.badil.org)، كما سيتم أرشفة الجزأين الثاني والثالث من الدراسة  على الموقع ذاته قريبا.

على الرغم من ان اللاجئين الفلسطينيين يشكلون أضخم مجموعة لجوء في العالم وأوسعها انتشارا، الا ان حقوقهم الشرعية قد غيبت تماما من كافة المشاريع والمبادرات التي طرحت حتى الآن من اجل حل النزاع الفلسطيني الاسرائيلي واحلال السلام بين الطرفين.

وقد اثبتت الدراسات التحليلية للعديد من اتفاقيات السلام في العالم ان الاطراف المتنازعة تمكنت من تحديد أسباب الخلافات بينها وايجاد الارضية المشتركة للاتفاق قبل توقيع اتفاقيات السلام، ولكن العنصر الاهم كان دوما الاعتراف بحقوق اللاجئين وتقديم الحلول الدائمة والشاملة لقضيتهم. وفي ذات الوقت، فان تجاهل حقوق اللاجئين في الاتفاقيات يؤدي دوما الى التأثير السلبي على عملية اصدار التشريعات الخاصة بحقوق المهجرين واللاجئين، ويزداد الوضع تعقيدا عندما تكون الغالبية العظمى من السكان هم من المهجرين واللاجئين.

وتتمتع كل قضية من قضايا اللاجئين بميزاتها الخاصة التي تميزها عن غيرها من القضايا. وعليه، فان الحل المطروح لكل قضية يتميز بآلياته الخاصة التي تضمن تطبيق الحل الدائم والشامل لقضيتهم. واضافة الى ذلك، فان حق اللاجئين والمهجرين بالعودة الى ممتلكاتهم وديارهم الأصلية هو ضمن العناصر الاساسية التي تضمن ديمومة وشمولية الحل السلمي المقترح.

وبدوره، يعتبر الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي صراعاً فريداً من نوعه. ولا يعود تميز الصراع هذا فقط بسبب عناصره المميزة، رغم ان فرادة بعضها، بل أيضا بسبب بالغياب المطلق لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين وغياب أي إلتزام إسرائيلي حيال مسئوليته بنشوء القضية عن اجندة المفاوضات ومركبات مشاريع ومبادرات السلام المطروحة. اضافة الى ذلك، فكما اشرنا في الجزء الاول من هذه الدراسة، فهناك ايضا غياب تام لقضايا حقوق الإنسان او إنشاء المؤسسات المختصة بمتابعة تطبيق هذه الحقوق طبقا للمعايير والاتفاقيات الدولية في هذا السياق.

ومن البديهي القول ان الاعتراف بحقوق الانسان يوفر الإطار العام الذي ينظم العلاقة بين الأعداء السابقين، كما انه يضع الأسس للحوار المستقبلي بين كافة الأطراف إضافة إلى كونه يساعد بشكل كبير على التخلص من مخلفات الصراع والنزاعات التي كانت قائمة. "وفي ظل منظومة متوازنة لحقوق الإنسان، فان الأساس في هذه الحقوق هو الحق المطلق للإنسان بالعيش في المكان الذي ولد فيه او العودة الى هذا المكان في حالة تم تهجيره منه. ويعتبر اي خرق لهذا الحق الإنساني هو السبب الذي يؤدي إلى نشوء قضايا اللاجئين في جميع الحالات حيث ان بعض هذه القضايا يكون معقدا للدرجة التي تتطلب الكثير من الجهود من اجل حلها"(*).

ولكل لاجئ الحق الفردي الاختياري المطلق بالتمتع بحقوقه الكاملة ومن ضمنها حق العودة واستعادة الممتلكات. "ولا يعني الحق الفردي الاختياري هنا غياب المعايير التي تحث اللاجئين على العودة وانما تعني انه يجب الا يمنع اللاجئون من ممارسة حقهم في العودة لاي سبب كان"(**). كما ان الحق الفردي متاح لكل اللاجئين دون اي شكل من أشكال التمييز ودون إخضاع الموضوع للعشوائية والانتقائية بل ان الحق هو ملك لكل لاجئ بغض النظر عن اي اعتبارات اخرى.

وفي الوقت ذاته، فان العديد من اتفاقيات السلام قد تضمنت بنودا تنص على ضرورة انشاء المؤسسات الدولية او الوطنية وحتى المحلية تكون مهمتها متابعة عملية اعادة اللاجئين والمهجرين الى ديارهم الأصلية واستعادة ممتلكاتهم او الاشراف على عمليات تعويضهم عن الخسائر والأضرار في حال نصت الاتفاقيات المبرمة على ذلك. كما ان هذه المؤسسات او الهيئات تعنى بمتابعة اعادة دمج اللاجئين في مجتمعاتهم الاصلية ومراقبة تحصيلهم لكافة حقوقهم.

وتوفر هذه الدراسة التحليلية ملخصا شاملا لدور حقوق اللاجئين في المفاوضات الفلسطينية- الاسرائيلية الهادفة الى تسوية الصراع بين الطرفين كما انها تقدم ملخصا مفصلا عن حقوق اللاجئين في اتفاقيات شبيهة وكيف تم التعامل مع القضايا المماثلة.

حقوق اللاجئين، عنصر أساسي في أي اتفاق سلام دائم:

منذ بداية عملية السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين في مؤتمر مدريد قبل عقد من الزمن، لوحظ التغييب الكامل لحقوق اللاجئين من ضمن اجندة هذه العملية. وقد بنيت عملية مدريد- اوسلو بالاساس على فكرة انشاء دولتين منفصلتين على أرض فلسطين التاريخية تكون واحدة للفلسطينيين والاخرى لليهود. وبالنسبة للاجئين، فقد أوحت صيغة عملية السلام المذكورة على ان حل قضيتهم سيتم من خلال اعادة توطينهم في الدولة الفلسطينية التي ستقام في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.      

وبالتالي، فان حل قضية اللاجئين الفلسطينيين مبني في الاساس على كونها قضية انسانية مع تجاهل مطلق للقوانين الدولية والاتفاقيات العالمية التي تكفل لكل لاجئ حقوقه الشرعية. ولا يوجد في جميع مشاريع السلام التي طرحت حتى الآن اي اشارة الى حق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين بالعودة الى ديارهم الأصلية التي هجروا منها عنوة كما انها تخلو من اي اشارة الى حق استعادة المساكن والممتلكات التي صودرت منهم.

وتشكل حقوق اللاجئين عنصرا أساسيا في اية اتفاقية سلام دائم، كما انها تلعب دورا مركزيا خاصة في الصراعات بين القوميات والاعراق المختلفة. وقد ركزت جميع اتفاقيات السلام التي ضمنت حقوق اللاجئين بشكل كامل، ركزت على منح اللاجئين حق العودة الى ديارهم الأصلية واستعادة ممتلكاتهم. ومن الامثلة على هذه الاتفاقيات، والتي قام مركز بديل بدراستها، اتفاقيات السلام التي حلت الصراع في كل من مقدونيا، كوسوفو، كرواتيا، البوسنة والهرسك، طاجقستان، جورجيا، بوروندي، رواندا، ليبيريا، سيراليون، موزامبيق، كمبوديا، وغواتيمالا. 

وقد نصت اتفاقيات السلام في كل من مقدونيا، كوسوفو، كرواتيا، البوسنة والهرسك، بوروندي، غواتيمالا وليبيريا، وبشكل واضح على حق اللاجئين والمهجرين بالعودة الى ديارهم الاصلية او اماكن سكناهم. وقد ورد في اتفاقية العام 1999 الملحقة باتفاقية السلام في كوسوفو: "تعترف جميع الاطراف بحق جميع الاشخاص بالعودة الى ديارهم التي هجروا منها".(***)

وبالاضافة الى ذلك، فان العديد من اتفاقيات السلام قد نصت بشكل واضح على حق جميع اللاجئين بالعودة الى الديار التي هجروا منها دون اي تدخل عشوائي بهذا الحق. وتشير اتفاق دايتون للسلام الموقع في العام 1995 لحل الصراع في البوسنة والهرسك، على الآتي: "يحق للافراد والعائلات اختيار اماكن اقامتهم بشكل حر... وتتعهد جميع الاطراف بعدم التدخل في اختيار اللاجئين لاماكن اقامتهم كما ان الاطراف المعنية تتعهد بعدم اجبار السكان على ترك اماكن سكناهم او الانتقال الى اماكن قد تشكل خطرا على حياتهم وسلامتهم او اجبارهم على الانتقال للاقامة في اماكن تفتقر لمقومات البنية التحتية اللازمة من اجل حياة كريمة وطبيعية للسكان"

من جهة اخرى، ركزت الاتفاقيات على الطبيعة الاختيارية لعملية العودة. ففي غواتيمالا، على سبيل المثال، نصت اتفاقية السلام الموقعة بين الاطراف المتنازعة هناك على ان "تقوم الحكومة بتوفير الظروف المناسبة والتسهيلات المطلوبة من اجل ضمان حرية العودة الاختيارية للاجئين الى المناطق التي اقتلعوا منها او الى اي اماكن اخرى يختارون التوجه للاقامة فيها". اما في البوسنة، فقد نصت الاتفاقية على ان "تقوم جميع الاطراف المعنية باتخاذ كافة الخطوات اللازمة لضمان الحرية المطلقة للاجئين والمهجرين بالعودة الآمنة الى الاماكن الاصلية التي اقتلعوا منها". ويتطلب هذا الامر، حسب نص الاتفاقية، تعديل الاجراءات الادارية والتشريعات المطبقة في المناطق الخاضعة لسيطرة كل طرف والتي قد تعيق عملية العودة الاختيارية للاجئين او تميز بين لاجئ وآخر".

في الوقت ذاته، تشدد الاتفاقيات على مبدأ حق كافة اللاجئين والمهجرين بالعودة بأمان وكرامة. فاتفاقية السلام بين الأطراف المتنازعة في بوروندي والتي وقعت في تنزانيا عام 2000، تنص بوضوح على أن "تتم عملية العودة بكرامة وفي ظل توفر الضمانات الأمنية اللازمة مع مراعاة خاصة لاوضاع وقدرات الاطفال والنساء". اما اتفاق دايتون للسلام في البوسنة والهرسك، والموقع في العام 1995، فينص على "التزام جميع الاطراف بالسماح للاجئين والمهجرين بالعودة الآمنة بدون اية مخاطر او مضايقات او تهديد او اضطهاد. في الوقت ذاته، فان عملية العودة متاحة لكافة اللاجئين دون اي تمييز على اساس العرق او الدين او الآراء السياسية".

وإضافة إلى ماتقدم، فان العديد من الاتفاقيات قد نصت على توفير الضمانات الامنية والعفو للاجئين. فقد نصت اتفاقية السلام الموقعة بين الأطراف المتنازعة في طاجكستان، بالتزام الحكومة بعدم تقديم اللاجئين العائدين الى المحاكمة بسبب مشاركتهم في الصدامات السابقة او الحرب الاهلية التي كانت دائرة في ذلك البلد. اما اتفاقية السلام الرباعية الموقعة في عام 1995 حول جورجيا، فقد نصت على "تمتع اللاجئين والمهجرين بالعودة الآمنة دون اي تهديد بالتعرض للاعتقال او السجن او اية اجراءات جنائية اخرى".

ولم تغفل الاتفاقيات الواردة حق استعادة الممتلكات للاجئين والمهجرين، بل ان العديد من هذه الاتفاقيات قد تطرقت اليه بشكل لا يقبل التأويل. ومن بين هذه الاتفاقيات، يلاحظ بشكل خاص اتفاقيات السلام في كل من البوسنة والهرسك، كوسوفو، كمبوديا، غواتيمالا، موزامبيق، بوروندي، كرواتيا، وجورجيا. فتنص اتفاقية السلام الموقعة بين أطراف النزاع في كوسوفو في العام 1999، على سبيل المثال، على حق جميع اللاجئين والمهجرين باستعادة ممتلكاتهم التي صودرت منهم بما فيها العقارات، واعادة الاستفادة من هذه الممتلكات بالطريقة التي يرونها مناسبة. اما اتفاقية "اردوت" الكرواتية والموقعة في العام 1995، فتنص على حق اللاجئين في استعادة ممتلكاتهم والحق في تلقي التعويض المناسب عن الممتلكات التي لا يمكن استعادتها نتيجة تعرضها للدمار والخراب وان هذا الحق متاح لجميع اللاجئين دون اي تمييز عرقي او ديني.

المعلومات الواجب تزويد اللاجئين بها قبل تقريرهم لمكان اقامتهم:

تنص غالبية الاتفاقيات التي تم تحليلها في هذه الدراسة على ضرورة ان تقوم الاطراف المعنية بتزويد اللاجئين بقدر كاف من المعلومات حول الاماكن المعروضة لهم لاختيار اقامتهم المستقبلية. واذا اخذنا اتفاقية السلام في بوروندي كمثال، نلاحظ انها تنص بوضوح على ضرورة اطلاق حملات التعريف والتوعية بين اللاجئين والمهجرين حول الاماكن المتاحة امامهم للعودة اليها وكذلك تنظيم زيارات لديارهم الاصلية من اجل التعرف على الاوضاع هناك قبل ان يقرروا المكان الذي سيعودون اليه. اما في جورجيا، فقد اتفقت جميع الاطراف على فتح الابواب امام اللاجئين من اجل الحصول على المعلومات الدقيقة والكافية عن الاماكن التي يحق لهم العودة اليها من اجل اعطائهم الفرصة لاختيار المكان المناسب.

وكما اشرنا سابقا، فان اتفاقيات السلام تشدد على ضرورة انشاء المؤسسات والهيئات المحلية او الدولية والتي تتولى تنسيق وتسهيل عملية عودة اللاجئين. ومن الامثلة على ذلك، اتفاقية السلام الشاملة حول طاجكستان، والتي وجهت من خلالها كافة الاطراف الدعوة الى الامم والمتحدة ومنظمة الامن والتعاون الاوروبية ومكتب مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين، من اجل العمل على المساعدة على ضمان عودة اللاجئين والمهجرين والمساهمة في اعادة ترتيب اوضاعهم في الاماكن التي يختارون العودة اليها. اما في كمبوديا، فان الادارة الانتقالية التي عينتها الامم المتحدة قد لعبت دورا محوريا في تسهيل عملية عودة اللاجئين الى الاماكن التي اقتلعوا منها. وفي بوروندي، اتفقت جميع الاطراف المتناحرة على تشكيل هيئة وطنية عليا مهمتها تنظيم وتسهيل عودة اللاجئين واعادة دمجهم في الاماكن الجديدة التي يختارون الاقامة فيها على ان تعمل هذه الهيئة بالتعاون والتنسيق مع الهيئات الدولية والدول المعنية بالقضية.

على صعيد آخر، فقد نصت بعض الاتفاقيات التي تم استعراضها في هذه الدراسة على تشكيل الهيئات المنفصلة التي تتولى معالجة قضايا الملكية للاجئين والبت في اي نزاعات حول هذه القضايا. وقد تم تشكيل مثل هذه الهيئات في كل من البوسنة وجورجيا وبوروندي. وفي حالات اخرى، كما حصل في كوسوفو، قامت الامم المتحدة بانشاء هيئات خاصة تتولى مهمة التعامل مع الخلافات التي تبرز حول موضوع المساكن والممتلكات التي استعادها اللاجئون. واخيرا، نشير الى انه في حالات معينة، في البوسنة وبوروندي على سبيل المثال، تم انشاء هيئات مختصة لتحديد قيمة التعويضات التي ستمنح للاجئين الذين لا يرغبون في العودة الى مساكنهم وممتلكاتهم ويختارون الاقامة في اماكن بديلة.

اللاجئون الفلسطينيون، قضية مؤجلة:

تنص اتفاقية الاطار (اتفاقية اعلان المبادئ) الموقعة في العام 1993 بين الفلسطينيين والاسرائيليين (المادة 5 /3) والاتفاقية الملحقة الموقعة في العام 1995 (القسم الثالث، المادة 18) على انه سيتم معالجة قضية اللاجئين الذين اقتلعوا من اراضيهم في العام 1948 في مرحلة لاحقة ضمن مفاوضات السلام التي ستتناول الوضع النهائي والحل الدائم للصراع بين الطرفين. في ذات الوقت، تنص الاتفاقية على ان يتم تناول قضية اللاجئين الفلسطينيين، الذين اقتلعوا من اراضيهم في العام 1967 (أي من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة) خلال الفترة الحالية. ومن اجل تحقيق ذلك، نصت اتفاقية اعلان المبادئ (اوسلو) على تشكيل لجنة رباعية دائمة تكون مهمتها تحديد اللاجئين الذين طردوا من اراضيهم الواقعة في الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967 وبالتالي ينطبق عليهم نص الاتفاق القاضي ببحث قضيتهم في الفترة الحالية (المادة السابعة من اعلان المبادئ). وقد وردت نصوص مشابهة في الاتفاقيات الملحقة بين الفلسطينيين والاسرائيليين حول تحديد اللاجئين الذين هجروا في العام 1967 نتيجة الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة كما ورد في المادة (17/2) من اتفاقية غزة- اريحا الموقعة في العام 1995 والمادة (27/2- القسم الرابع) من الاتفاقية الملحقة الموقعة في العام 1995.

وما يثير الدهشة في هذا السياق، هو ان المفاوضات الفلسطينية- الاسرائيلية وحتى لحظة توقفها في العام 2000/ 2001، لم تتناول مسألة المهجرين والنازحين الفلسطينيين من الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، كما انها لم تقدم اي تصور او مسودة اتفاق حول قضية لاجئي عام 1948.

كما ويلاحظ غياب اي اشارة لحق اللاجئين والمهجرين بالعودة الى ديارهم واستعادة ممتلكاتهم عن المبادرات غير الرسمية التي طرحت مؤخرا بقصد وضع تصورات للحل النهائي بين الفلسطينيين والاسرائيليين كخطة نسيبة- ايلون وتفاهمات جنيف. وفي الوقت نفسه، فان بعض المبادرات تتضمن صياغة تميل الى عرض الخيارات المتاحة للاجئين ضمن مجموعة من التصورات والاقتراحات لحل قضيتهم ولكن هذه المبادرات تخلو من الوضوح مما ينفي عنها صفة كونها خيارات يحق للاجئين الاختيار من بينها.

وبالرغم من كون هذه المبادرات تتطرق بشكل واضح الى دور المؤسسات العالمية في حل قضية اللاجئين الفلسطينيين الا انها لا تتطرق بشكل واضح وفعال الى السلطات التي ستخول لهذه المؤسسات من اجل حل قضية اللاجئين. كما ان المبادرات المذكورة، لم تتطرق الى دور المؤسسات الوطنية والمحلية في تسهيل وتنسيق عملية عودة اللاجئين الى وطنهم واستعادة مساكنهم وممتلكاتهم.

لماذا تم تغييب حقوق اللاجئين:

تنص الاتفاقيات الموقعة بين الفلسطينيين والاسرائيليين على تأجيل البحث في موضوعة الحق الفردي للاجئين. واضافة الى ذلك، فان اسرائيل ترفض بشكل مطلق ان تمنح السكان الفلسطينيين (غير اليهود) حقوق مواطنة كاملة. ويعود السبب الى ان عودة اللاجئين الفلسطينيين الى اماكنهم الاصلية داخل اسرائيل، قد يؤدي الى تهديد الهوية اليهودية لاسرائيل. وفي تعليقه على هذه المسألة، يقول يوسي بيلين، احد مهندسي تفاهمات جنيف، "ان هذا الوضع (عودة اللاجئين الى اماكنهم الاصلية داخل اسرائيل) قد يؤدي الى تحويل اسرائيل الى دولة "عادية" وليس دولة كما نريدها نحن". (جريدة القدس/ 5/1/2001)

وبالتالي، فان سبب تجاهل حق اللاجئين يعود لكونهم فلسطينيين وليسوا يهودا. "في اللحظة التي تفقد فيها اسرائيل غالبيتها اليهودية، فانها ستفقد ميزة كونها دولة قومية لليهود. وبالتالي، لن يكون بامكانها الاستمرار في الوجود بناء على الاساس الذي انشئت عليه". ويعود السبب في كون غالبية سكان اسرائيل من اليهود الذين يسيطرون على الاراضي ومحتوياتها، لكون الفلسطينيين قد حرموا من ابسط حقوقهم الانسانية والمتمثل بالحق في العودة الى ديارهم الاصلية التي اقتلعوا منها.

كذلك الامر، ساهمت هيمنة فكرة ان الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي مبني بالاساس على الاحتلال العسكري الاسرائيلي المستمر للاراضي الفلسطينية في تغييب مسألة حقوق اللاجئين عن عملية صنع السلام بين الطرفين حتى الآن. كذلك الامر، فان المجتمع الدولي قد اقر بحق الفلسطينيين في تقرير المصير واقامة دولتهم المستقلة بناء على مبدأ رفض احتلال اراضي الغير بالقوة وليس بناء على مبدأ كون الاحتلال الاسرائيلي هو حركة استعمارية عنصرية. وقد اجبرت منظمة التحرير  الفلسطينية على قبول هذا الافتراض كشرط اساسي من اجل انطلاق عملية التفاوض السياسي بين الطرفين. 

ان الانسحاب الاسرائيلي من الضفة الغربية وقطاع غزة واقامة الدولة الفلسطينية في هذه المناطق بحد ذاته لم يكن كافيا من اجل تحديد جذور الصراع بين الطرفين والذي من ضمن عناصره الاساسية تهجير عدد هائل من الفلسطينيين من اراضيهم ومصادرة ممتلكاتهم وحتى مصادرة مواطنتهم وتحويلهم الى لاجئين في الوطن والشتات. وقد ركزت عملية صنع السلام بين الطرفين حتى الآن على فكرة اقامة دولتين منفصلتين للشعبين تتمتع كل منهما بالسيادة الكاملة ويكون لكل دولة وحدتها العرقية والقومية والدينية مع تجاهل كامل للحقوق الانسانية للافراد او ايجاد حل عادل ودائم لقضية اللاجئين.

وبالنسبة للعديد من الفلسطينيين، فان قضية اللاجئين قد نتجت عن حركة استعمارية بدأت قبل ما يزيد عن نصف قرن ولا تزال مستمرة لغاية اليوم. وبناء عليه، فان نهاية الحركة الاستعمارية من الضروري ومن الطبيعي ان يرافقه عودة اللاجئين الى ديارهم الاصلية واستعادة ممتلكاتهم ومساكنهم التي جردتهم اسرائيل منها، ولكن معظم الاسرائيليين يرفضون هذه الرؤية للصراع. ومن ضمن الاسس التي اعتمدت كخلفية قانونية لانشاء دولة لليهود في فلسطين هي فكرة الحاجة لانشاء دولة لليهود من اجل حمايتهم من اضطهاد اعدائهم. وبناء عليه، فان اي حل للقضية الفلسطينية، يجب ان لا يشمل حق اللاجئين بالعودة الى ديارهم. وطالما انه لا يوجد اتفاق حول الاسباب الحقيقية للصراع، فبالتالي لن يكون من الممكن الاتفاق على حل عادل لقضية اللاجئين.

غياب الحقوق، قد يؤدي الى تضييق آفاق تحقيق السلام:

تعتبر حقوق اللاجئين شرط اساسي من الشروط الضرورية لاستمرارية اي اتفاقية سلام. ومما لا شك فيه ان تجاهل هذه الحقوق يضيق آفاق تحقيق السلام والامن الشاملين والدائمين. ولا يمكن تحقيق السلام الا اذا تم تلبية رغبة اللاجئين والمهجرين بالعودة الى ديارهم الاصلية.

من الصعب القبول بفكرة تجاهل حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة واستعادة ممتلكاتهم كما هو الحال في المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية الحالية خاصة وان جميع اتفاقيات السلام التي انهت الصراعات الكبيرة في العالم قد اقرت واعترفت بحقوق اللاجئين وبالتالي لا يمكن القبول باعتبار الحالة الفلسطينية استثناء لهذه القاعدة.

ويعتبر الاعتراف بهذه الحقوق هو الاساس للديمقراطية واحترام حقوق الانسان الاساسية والحريات. ان اية اتفاقية لا تعترف بحقوق اللاجئين وخاصة حق العودة الاختياري قد تقود الى تجاهل حقوق المهجرين واللاجئين وبالتالي لا يمكن ضمان عدم تكرار المشكلة مستقبلا.

******

مركز بديل، يستعرض التجارب الشبيهة بحثا عن افضل النماذج المطبقة:

منذ انطلاقه، يشجع مركز بديل عمليات البحث المقارن في اتفاقيات السلام المطبقة في العالم من اجل التوصل الى افضل صيغة ممكنة لاتفاقية سلام يمكن ان تطبق بين الفلسطينيين والاسرائيليين وبالتالي طرح حل منطقي لقضية اللاجئين الفلسطينيين. وفي هذا السياق، قام المركز بتنظيم العديد من الزيارات الاستطلاعية الى مناطق عديدة من العالم والتي تم فيها تطبيق عمليات تسوية سلمية لحل النزاعات هناك. وقد ركزت الزيارة الاولى من هذه الزيارات والتي كانت لدولة البوسنة والهرسك على عملية عودة اللاجئين الى ديارهم واستعادة ممتلكاتهم ومساكنهم. وكذلك الامر، ركزت زيارة حديثة قام بها وفد من المركز الى جنوب افريقيا، على موضوع اعادة توزيع الاراضي والمشاركة الشعبية في عملية التسوية التي تمت هناك. كذلك الامر، قام مركز بديل بتنظيم العديد من الزيارات الاستطلاعية الى القرى الفلسطينية التي هجر منها سكانها الفلسطينيون خلال النكبة اضافة الى زيارة بعض القرى التي هجر سكانها الاصليون وتم اسكان مجموعات من اليهود في اماكنهم. 

******

ومن خلال العديد من المنتديات واللقاءات التي نظمها بديل في كل من جامعة جنت، جنيف، وفي القاهرة، يعمل المركز جاهدا على استقطاب عدد لا بأس به من الاكاديميين والسياسيين والخبراء القانونيين من اجل  دراسة عملية صنع السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين من كافة جوانبها. وسيركز المنتدى الثالث والمخطط عقده خلال الربيع القادم في القاهرة، على اهمية ايجاد آلية دولية واقليمية للعمل على حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين.

اما الدراسة الموجودة بين ايدينا اليوم والتي تتناول بالتحليل اتفاقيات السلام في ثلاث عشرة منطقة مختلفة من العالم، فانها تهدف الى القاء الضوء على افضل النماذج المطبقة لاتفاقات السلام ودور القانون (خاصة قانون حقوق الانسان والقانون الانساني العالمي) الى جانب اهمية المشاركة الشعبية في عملية صياغة وتطبيق اتفاقيات السلام.

*****

* ج.ج.ل، كولز "”UHCR والبعد السياسي للحماية، (1995)
**
UHCR، الكتاب السنوي حول العودة الاختيارية للاجئين: الحماية الدولية (1996)
*** كريستيان بل، اتفاقيات السلام وحقوق الانسان.


© 1999-2004
جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة لمركز بديل

لا يجوز نشر أي جزء من هذا العمل، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع أو نقله على أي نحو، أو بأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو التسجيل أو خلاف ذلك، إلا بالموافقة المسبقة على ذلك (email)، وفي حال الاقتباس من أجل الدراسات والبحوث الأكاديمية أو لأغراضٍ إعلامية، وبشرط الإشارة إلى المؤلف والمصدر على النحو التالي: "المؤلف، بديل/المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، تاريخ النشر".

بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين
ص.ب 728، بيت لحم، فلسطين
بريد إلكتروني:
info@badil.org  - المجلة الإلكترونية:www.badil.org