نشرة مركز بديل
غير الدورية رقم 15. كانون الأول
2003
تهدف مجموعة الأوراق التي يقدمها مركز بديل إلى دعم وإثراء النقاشات الفلسطينية العربية والدولية حول الاستراتيجيات المتعلقة بإثارة قضية استعادة الحقوق الفلسطينية المشروعة وعلى رأسها حق العودة إلى الديار والممتلكات والتعويضات في إطار حل دائم لصراع العربي / الفلسطيني الإسرائيلي. يمنع إعادة طباعة أي جزء من هذه النشرة أو الاقتباس منها دون إذن صريح من المؤلف وبدون إشارة مناسبة إلى أنها لم تنشر بعد، ترجمة المواد المقتبسة من مصادر غير عربية في هذه النشرة هي ترجمة غير رسمية. |
|
اتفاقيات السلام والمشاركة الشعبية: الدروس والعبر المستخلصة اتفاقيات السلام، حقوق الإنسان، اللاجئون، والمشاركة الشعبية: فيما يلي الجزء الثالث والأخير من الدراسة التحليلية التي تناولت بالبحث والتفصيل مجموعة من اتفاقيات السلام التي وقعت في مناطق مختلفة من العالم وقادت إلى إحلال السلام ووضع حدٍ للصراعات الدامية التي كانت تمزق العديد من دول العالم. ويركز هذا الجزء على موضوع المشاركة الشعبية وأهميتها في صياغة وتطبيق اتفاقيات السلام بعد أن ركّز الجزئين السابقين على مسألتي حقوق الإنسان وحقوق اللاجئين على التوالي. الفلسطينيون، دوما كانوا موضوع الحديث، ولكن، لم يكونوا أبداً جزء منه، منذ أن التأم مؤتمر باريس للسلام، عقب الحرب العالمية الأولى، والفلسطينيون هم موضوع الحديث والحوارات والجدالات وإصدار القرارات التي تخص قضيتهم وحلها بالطرق السلمية، لكنهم نادرا ما كانوا جزء من هذه العملية. وبالنسبة لاتفاقات السلام، فهي النتيجة الطبيعية لعملية تفاوض بين النخبة السياسية مدعومة بموقف عالمي يستهدف تسهيل الوصول إلى الاتفاقيات وتطبيقها. وفي الواقع، فان القطاعات الشعبية والمجتمعية، هي التي تمثل العامل الأساسي للتطبيق الفعلي والفعال للاتفاقيات. ومن البديهي القول أن دور اتفاقيات السلام لا يقتصر فقط على وضع نهاية للصراع او النزاع، بل يتعداه إلى تحديد المبادئ والمنطلقات الأساسية التي تحكم العلاقات الداخلية في الدولة بين الحكومة والمواطنين (وبضمنها حماية حقوق الإنسان)، وعملية إصدار التشريعات المناسبة إضافة إلى تحديد الهيئات التنفيذية ومدى فعالية واستقلالية السلطة القضائية ونزاهة الحكم الى جانب توزيع الثروات بين المواطنين. بناء على ما تقدم، تتجلى أهمية المشاركة الشعبية حيث أن إشراك الفعاليات الشعبية في عملية التسوية أو صنع السلام منذ البداية، يوفر لهذه القطاعات الفرصة للتعبير عن رأيها فيما يخص عملية انهاء الصراع الى جانب المشاركة في تحديد طبيعة وشكل السلام الدائم المنشود. في الوقت ذاته، فان المشاركة الشعبية تساهم الى حد كبير في تدعيم المبادئ والتركيبة الديمقراطية بالإضافة الى شمل المسائل الأكثر تعقيدا ضمن الحل وإضفاء الشرعية على الاتفاقيات. عدا عن ذلك، فانها توسع قاعدة الالتفاف الشعبي حول الاتفاقيات مما يشكل احد اهم الدعامات التي تؤدي الى تثبيت الاتفاقية على المدى البعيد. وتشير الدراسات المقارنة لاتفاقيات السلام التي وضعت حدا للصراعات والنزاعات طويلة الأمد إلى أن "عندما يتوفر الدعم الشعبي العريض لاتفاقيات السلام، فانه يصبح من السهل جدا التعاطي مع القضايا الخلافية الحرجة والحساسة من خلال الحوار والنقاش السياسي وحل المشاكل الأخرى وعملية البناء". كما ان وجود قاعدة شعبية داعمة، يوفر البيئة المناسبة التي تمكن اطراف النزاع من وضع الحلول لجذور الصراع وتسويته وليس فقط التعايش معه أو إدارته.[1] وفيما يلي، سنقدم استعراضا ملخصا لدور القطاعات الشعبية في مفاوضات السلام الفلسطينية- الإسرائيلية، الى جانب عرض موجز لهذا الدور في اتفاقيات سلام أخرى تم تحليلها أو دراستها لغرض إنجاز الدراسة التي بين أيدينا. المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية: منذ انطلاقتها الأولى، وفرت عملية السلام الفلسطينية- الإسرائيلية، بعض الفرص المحدودة للمشاركة الشعبية سواء على مستوى التمثيل في المفاوضات او لعب الأدوار الاستشارية او المشاركة المباشرة. وتاريخياً، تم حرمان الفلسطينيين من حقهم الأساسي في المشاركة في اتخاذ القرارات التي لها علاقة مباشرة بتسوية قضيتهم ورسم آفاق مستقبلهم. فعلى سبيل المثال، تجاهلت دول الحلفاء المنتصرة والتي شاركت في مؤتمر باريس للسلام والذي عقد بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى، ارادة الفلسطينيين وطموحهم وحقوقهم وقررت وضع الاراضي الفلسطينية تحت الانتداب البريطاني. "اننا حتى لا نتطرق الى ارادة السكان الحاليين لهذه الارض من اجل استشارتهم حول قوة الانتداب التي اختيرت لتسيطر على فلسطين". "وبالنسبة للمشاركين في مؤتمر باريس من الدول المنتصرة، فان دور البريطانيين الحقيقي في فلسطين هو التمهيد لاقامة وطن قومي لليهود في هذه الارض اكثر منه للتعاطي او مراعاة رغبات السبعمائة الف عربي الذين يقطنون في هذه الاراضي. وفي العام 1947 عقدت الامم المتحدة سلسلة من المشاورات حول الوضع المستقبلي لفلسطين، ولكنها سرعان ما تجاهلت ارادة ورغبة الغالبية العظمى من السكان الفلسطينيين الذين اختاروا العيش في دولة ديمقراطية يكون جميع السكان مواطنين فيها ومتساوي الحقوق ورفضوا فكرة تقسيم فلسطين بين الشعبين على اسس عرقية ودينية وقومية. وفي العقود التي تلت، تم تجاهل الفلسطينيين وقيادتهم من اجندة كافة المشاريع التي طرحت من اجل صنع احلال السلام بينهم وبين الاسرائيليين. وبقي الوضع على ما هو عليه حتى بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي عندما اقرت الدول العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية ان منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطينين وانها المحاور الرئيس الذي يمثل الفلسطينيين في الجهود المبذولة من اجل تحقيق السلام في المنطقة. ومع ذلك، فقد استمرت هذه الدول والقوى بتجاهل ارادة ورغبة القطاعات الشعبية الفلسطينية سواء على مستوى ان يتم استشارتها بخصوص ما يجري او اخراطها بشكل مباشر في العملية السلمية. الا ان الاعتراف بمنظمة التحرير كممثل للشعب الفلسطيني لم يأت على طبق من ذهب ابدا. فقد تطلب الامر من المنظمة ان تتنازل عن ارادة ورغبات الجماهير الفلسطينية المتمثلة بتحرير وطنهم التاريخي واقامة دولتهم الديمقراطية. في ذات الوقت، اجبر الفلسطينيون على الاعتراف بقرار مجلس الامن رقم 242 ومبدأ "الارض مقابل السلام" كمبدأ واساس للمفاوضات الهادفة لاحلال السلام في المنطقة. ومن المهم الاشارة هنا الى ان منظمة التحرير الفلسطينية كانت في الماضي ترفض قرار مجلس الامن رقم 242 جملة وتفصيلا لكونه يعطي اسرائيل الشرعية لاستمرار احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة. كما ان هذا القرار يتجاهل بشكل سافر "حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة الى ديارهم" الى جانب كونه يفتقد اي اشارة الى الاطار القانوني الذي يمكن من خلاله حل النزاع بين الطرفين. الى جانب ذلك، فان القرار يعتمد على مبدأ مبادلة الارض بالسلام بين الطرفين مما يشكل اجحافا بحق الفلسطينيين لكونهم لا يملكون الارض (التي يفترض ان تنسحب اسرائيل منها) ولا يملكون السلام (وهو الشيء الذي يفترض ان يقدموه للاسرائيليين). ومع ذلك، عمل الفلسطينيون منذ البداية على خلق مكان لهم في عملية صنع السلام على مستوى الاختيار لما يناسبهم وعلى مستوى المشاركة المباشرة في هذه العملية. وقد شرع اللاجئون الفلسطينيون، على سبيل المثال، منذ بداية الخمسينات على تشكيل الهيئات الخاصة بهم والتي تعمل على تنظيم عملية المطالبة بحقوقهم قبل ان قامت الامم المتحدة بانشاء الهيئات والمنظمات الدولية التي تتابع قضية اللاجئين كلجنة الامم المتحدة لتسوية القضية الفلسطينية. وبعد ان التقت هذه اللجنة بممثلي اللاجدئين في بيروت، اشارت في تقرير خاص لها انه "تأثر اعضاء اللجنة كثيرا بموقف ممثلي اللاجئين الذين عبروا عن رغبتهم بالعودة الى ديارهم الاصلية من اجل العيش بسلام مع جيرانهم". وقد جاء تشكيل منظمة التحريرفي العام 1964 ليمثل نقلة جديدة وشكلا جديدا لتمثيل الفلسطينيين في المفاوضات والمشاريع المطروحة من اجل احلال السلام في المنطقة تجاهل الفلسطينيين، قاد إلى رفع مستوى التنظيم الذاتي: لقد ادى استثناء اللاجئين من التمثيل في الوفد الفلسطيني الذي يشارك في عملية صنع السلام التي انطلقت في العام 1991 من خلال مؤتمر مدريد وتواصلت من خلال اتفاق اوسلو، ادى هذا الاستثناء الى بروز العديد من المبادرات الذاتية بين مجتمعات اللاجئين في الضفة الغربية، قطاع غزة، القدس الشرقية، المهجرين داخل اسرائيل واللاجئين في الشتات من اجل بلورة قيادة خاصة باللاجئين تعمل على التحشيد من اجل احقاق حقوقهم القانونية والشرعية. وقد هدفت غالبية هذه المبادرات الى الاعراب عن القلق والاستهجان لاستثناء حقوق معينة ودعت الى التركيز على المطالب الاساسية للاجئين والتمثيل الافضل لهم في المفاوضات الى جانب دمقرطة عملية صنع السلام في الشرق الاوسط. وقد عقد في العامين 1995- 1996 سلسلة من المؤتمرات والمنتديات للاجئين والمهجرين داخل اسرائيل وتبعها سلسلة من اللقاءات والمؤتمرات للاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية والتي هدفت جميعا الى التركيز على الحقوق الاساسية للاجئين واطلاق الحملات الشعبية الهادفة للدفاع عن هذه الحقوق ووضع الآليات المناسبة من اجل العمل على احقاقها. ووضعت هذه الحملة نصب اعينها هدف توسيع القاعدة الشعبية المدافعة عن حقوق اللاجئين وعدم اقتصار الحملة على قطاعات محددة. كما ان هذه الحملة قد شكلت حركة ديناميكية مستقلة شارك فيها العديد من المؤسسات والمنظمات الفلسطينية (من اللاجئين وغير اللاجئين) على مستوى الوطن والشتات وكان هدفها المركزي التحشيد من اجل حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين ضمن عملية السلام الدائم، في اطار القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة. وقد توجت انجازات الحملة الشعبية بتشكيل اللجان الشعبية للاجئين والمؤتمرات الشعبية التي نجحت في انتخاب مجلس ومؤتمر عام للاجئين الفلسطينيين عقد اعماله على مستوى الوطن والشتات. وقد كان لكل مؤتمر مجلس عام منتخب للاجئين مهمته الاساسية ايجاد الآلية الشعبية المناسبة للنضال من اجل الحقوق الوطنية الشرعية، الديمقراطية، الحقوق المدنية وحقوق الانسان. ولكن يجب الاشارة هنا الى ان هذه الهيئات والمؤتمرات واللجان لا تهدف ابدا الى استبدال منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي لكافة ابناء الشعب الفلسطيني. وقد لعب التنظيم الذاتي لقطاعات اللاجئين دورا اساسيا في استعادة اللاجئين لحقهم في التمثيل وهو الحق الذي تم تجاهله من قبل بعض الجهات والهيئات الفلسطينية الاخرى. كما ان هذه الهيئات قد هدفت قبل كل شيء للتأكيد على حق اللاجئين بالتمتع بحقوقهم. وتجدر الاشارة هنا الى ان الممثلين الدوليين وحتى القيادة الوطنية، قد وقفوا عائقا في وجه افساح المجال امام القطاعات الشعبية لتشارك في عملية السلام. ولم تتطرق كافة مفاصل عملية السلام حتى الآن الى موضوع المشاركة الشعبية حيث تم تجاهل ذلك في عمليتي كامب ديفد الاولى والثانية، مفاوضات اوسلو السرية، المفاوضات اللاحقة من اجل انجاز الاتفاقيات الجزئية، وحتى في خارطة الطريق الحالية. كما ان القطاعات الشعبية تم استثاؤها حتى من الاتفاقية التي قادت الى عودة جزء من القيادة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية الى قطاع غزة لتشكل السلطة الفلسطينية طبقا لاتفاقيات اوسلو حيث ان هذه السلطة قد تولت مسئولية الفلسطينيين المقيمين في الاراضي المحتلة ونظمت انتخابات المجلس التشريعي الا ان الفلسطينيين في الخارج قد تم تجاهلهم سواء من التمثيل في تشكيل السلطة او في انتخاب المجلس التشريعي. إضافة إلى ذلك، فان هذه المفاوضات التي قادت الى الاتفاقيات، قد التفت على الاجندة التي حددتها متطلبات المجتمع المدني، لتكون عرضة للضغوطات والابتزازات السياسية المختلفة. وقد تكون هذه هي الحالة التي وصلت اليها قضية اللاجئين الفلسطينيين. وفي غالبية الاحيان، تم التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين باعتبارهم جسما يشكل داعما للمطالبة بالحقوق دون مراعاة للحقوق الفردية للاجئين باعتبارهم عنصرا اساسيا من عناصر عملية صنع السلام. "وقد تم دراسة اللاجئين الفلسطينيين وتصنيفهم كما تم احصاؤهم وفي الوقت ذاته، تمت دراسة اوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية وظروفهم المعيشية حيث ان هذه الدراسات ساهمت في تحديد اللاجئين بشكل محدد وتعيين اماكن تواجدهم" (**). وكما اشار المؤرخ الاسرائيلي، ايلان بابو، فان استثناء اللاجئين الفلسطينيين من العملية السلمية، قد اسقط البعد التاريخي للصراع وحوله الى صراع بلا جذور وبالتالي ليس هناك اي حاجة لوسائل وآليات من اجل حل النزاع. من جهة أخرى، فحتى المبادرات غير الرسمية الحالية كوثيقة نسيبة- ايلون وتفاهمات جنيف الأخيرة، لم تتطرق هي الاخرى الى اهمية المشاركة الشعبية كما انها لم تعمل على الاستفادة من الدور الداعم الذي تلعبه مثل هذه المشاركة في تدعيم السلام. وفي الوقت الذي تبدو فيه مثل هذه المبادرات على انها مبادرات خاصة ناتجة من مؤسسات المجتمع المدني، الا انها في حقيقة الامر تمثل موقف النخبة السياسية. ولعل كلا المبادرتين المذكورتين تتجاهل امكانية الاستفادة من المشاركة الشعبية واهمية هذه المشاركة ولا تختلف في تعاطيها مع هذا الموضوع عما قدمه الرئيس الامريكي ورئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبقين، بيل كلنتون وايهودا براك، للفلسطينينن خلال مفاوضات كامب ديفد الثانية في تموز من العام 2000. ولعل المحاولات التي تلت طرح هذه المبادرات من اجل تحشيد الدعم الشعبي لها، لم تصل الى حد اخراط القطاعات الشعبية في صياغتها، بل وقفت عند حد الدعوة فقط الى تأييدها. وقد كان من المفترض ان يتم العمل على اشراك القطاعات الشعبية في صياغة الخطوط الاساسية لهذه الاتفاقيات لا ان يبقى الحال كما اشرنا اليه. ومن ناحية التطرق الى اهمية المشاركة الشعبية، فان المبادرات المذكورة تختلف عن بعض المبادرات الاخرى السابقة. فعلى سبيل المثال، قامت لجنة خاصة ممثلة لكافة الاحزاب السياسية في مجلس العموم البريطاني بزيارة الى المنطقة من اجل لقاء فعاليات اللاجئين الفلسطينيين للخروج بتصور محدد لرؤية هؤلاء اللاجئين لشكل الحل المناسب لقضيتهم. وقد جرت جلسات الاستماع في المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي الاردن وسوريا ولبنان. وقد شكلت جلسات الاستماع هذه، والتي تم لاحقا ترجمتها ونشرها، مشاركة شعبية من خلال النقاش الحر والمفتوح لصياغة الحل الامثل للمعضلة. وقد وفرت هذه الجلسات او هذه المبادرة، الفرصة للاجئين من اجل تحديد المعايير والخطوط الاساسية التي تكفل حلا شاملا وعادلا لقضيتهم الشائكة. المشاركة الشعبية من منظور مقارن مع اتفاقيات مشابهة: هناك العديد من المجالات التي يمكن ان تتجلى فيها المشاركة الشعبية: حيث يمكن ان يتم تمثيل القطاعات الشعبية في عملية المفاوضات من خلال الاحزاب السياسية و/او مؤسسات المجتمع المدني الاخرى. كما يمكن تشكيل الهيئات الاستشارية من القطاعات الشعبية لتزويد المفاوض بالنصائح المناسبة الى جانب منح هذه القطاعات الفرصة للتعبير عن رأيها واهتماماتها واخذها بعين الاعتبار في عملية التفاوض. كما انه من الممكن منح الافراد الفرصة للمشاركة في العملية السلمية سواء في مرحلة صياغة الاتفاقيات او تطبيق هذه الاتفاقيات على ارض الواقع من اجل وضع حد للصراع. وتشير التجارب الشبيهة الى ان المشاركة الشعبية في العملية السلمية يجب ان لا يقتصر فقط على المستوى النظري بوضع آليات لهذه المشاركة بل يجب ان تشارك القطاعات الشعبية فعليا في هذه العملية. ومع ذلك، هناك العديد من الامثلة التي يمكن الاعتماد عليها بخصوص المشاركة الشعبية في عمليات السلام في بقاع شتى من العالم.[2] واذا ما اخذنا مالي كمثال، فان العديد من الشخصيات المحلية الفاعلة قد قامت في اواسط التسعينات بعقد ما يزيد عن الخمسين لقاء للفعاليات الشعبية في المناطق التي كان فيها الصراع محتدما اكثر من غيرها وبالتالي لم يكن تطبيق التسوية بالامر الهين. وقد تراوح عدد المشاركين في هذه اللقاءات بين بضع مئات ليصل الى الف مشارك في كل لقاء. وقد تولى وجهاء القرى ورجالات الدين في كل منطقة مهمة جمع وضبط الاسلحة الى جانب مهمة مساعدة المهجرين واللاجئين والمحاربين السابقين في عملية اعادة الاندماج في المجتمع المحلي والتخلص من ترسبات الصراع المرير. حيث تم دعم وتمويل هذه المهمات من خلال مجلس الكنائس النرويجي بعد عجز الحكومة عن خرط الفئات الشعبية في عملية التسوية وصنع السلام. وقد قادت اللقاءات والمؤتمرات الشعبية الى ترسيخ دعائم عملية التسوية وتوفير القاعدة الشعبية العريضة التي وفرت لهذه العملية الحماية وضمان الاستمرارية. اما اتفاقية احلال الديمقراطية في جنوب افريقيا، فقد وفرت الفرصة لحوالي سبع وعشرين منظمة وهيئة بما فيها احزاب سياسية واتحادات تجارية ومؤسسات دينية من اجل اجراء مفاوضات حول الترتيبات السياسية ووضع الدستور الجديد للجمهورية. وقد تم اعتماد مبدأ التمثيل النسبي في اختيار المشاركين في الوفود التي تفاوضت حول هذه القضايا حيث تم فيما بعد دمج كافة المشاركين في مجموعات خاصة عملت على وضع الاساسيات للتسوية السياسية. وقد ضمت كل مجموعة شخصا مختصا في البحث في اتفاقيات السلام الشبيهة من اجل تقديم المشورة للمفاوضين حول افضل النماذج المطبقة في العالم. وبسبب تصعيد عمليات العنف وعدم الاتفاق على القضايا الخلافية، فان الاتفاقية لاحلال الديمقراطية في جنوب افريقيا قد جمدت. ومع ذلك، فان العديد من الافكار التي نتجت عن عملية الحوار والتفاوض قد اعتمدت من خلال المفاوضات الجزئية التي جرت بين الاحزاب السياسية المختلفة هناك. كماان القطاعات الشعبية قد ساهمت في صياغة الدستور الخاص بالجمهورية من خلال اللقاءات والمؤتمرات الخاصة التي عقدت في جميع انحاء الدولة لهذا الغرض. كما ان المواطنين قد تمكنوا من التعبير عن آرائهم واحتياجاتهم من خلال رسائل مكتوبة تم ارسالها الى صناع القرار بعد ان وضعت الهيئات المختصة صناديق خاصة لتجميع هذه الرسائل في الاماكن السكنية المختلفة. اما في ايرلندا الشمالية، فان العديد من النشطاء غير الطائفيين وعدد من افراد المؤسسات غير الحكومية قد شكلوا منتدى وطنيا عرف باسم مبادرة العام 1992. وقد وفر المنتدى للمواطنين والقطاعات الشعبية الفرصة من اجل طرح قضاياهم بشكل حر مباشر بعد ان كانت هذه القضايا تطرح من خلال الاعمال العسكرية للمجموعات المسلحة فقط. كما تم عقد جلسات استماع لطلبات المواطنين في جميع انحاء الجمهورية من خلال لجنة محايدة مكونة من سبعة اعضاء وبرئاسة شخصية غير ايرلندية. وقد تم ترجمة ونشر محتويات جلسات الاستماع لتشكل القاعدة التي يعتمد عليها بهدف زيادة الدعم الشعبي لاتفاقية السلام الموقعة والاطار العام الذي تم من خلاله حل النزاع في ذلك البلد. اما في غواتيمالا، فان اتفاقية السلام قد وفرت المجال الفسيح امام المشاركة الشعبية في صياغة وتطبيق الاتفاقية. ففي نهاية الثمانينات، قامت لجنة المصالحة الوطنية والمكونة من ممثلي اثني عشر حزبا سياسيا مختلفا، الحكومة، الجيش، واتحاد الكنائس الكاثوليكية، قامت هذه اللجنة بتنظيم مؤتمر للحوار الوطني المفتوح. وقد شارك في هذا المؤتمر ما يزيد على الخمسين منظمة وهيئة من المهتمين بالصراع بما فيها المنظمات الطائفية، قطاعات الاعمال، النقابات، والجمعيات الخيرية والتعاونية حيث تم نقاش القضايا المفصلية المتعلقة بالصراع في ذلك البلد. وقد ساهمت هذه المحادثات في وضع اطار عام للاتفاقية. وقد تم انتخاب هيئة خاصة مكونة من ممثلي عشرة مؤسسات مجتمعية مختلفة حيث تم تفويض اعضاء هذه الهيئة لوضع مسودات الاتفاق حول القضايا المثيرة للخلاف هناك. الا ان هذه الهيئة فقدت صفة كونها هيئة من هيئات المجتمع المدني بعد ان انخرطت في حل قضايا سياسية معلقة بين الحكومة والثوار خصوصا مع تزايد حدة الخلافات بين هذه الفئات. اما في غواتيمالا، فان اللاجئين هناك قد تمكنوا من تنظيم انفسهم ضمن اطارا هيئة دائمة حيث عمل ممثلو اللاجئين من خلال هذه الهيئة على التفاوض المباشر من اجل حق جميع اللاجئين بالعودة الى ديارهم وممتلكاتهم. وقد كفلت الاتفاقية للاجئين كافة حقوقهم وامنهم وحرية تشكيل التنظيمات الخاصة بهم بعد العودة الى موطنهم الاصلي واستعادة ممتلكاتهم تحت اشراف مراقبين دوليين. كما كفلت لهم ان يخضعوا للسلطات المدنية وليس للسلطات العسكرية. الى جانب ذلك، فان قطاع النساء من بين اللاجئين قد نجح في تنظيم النساء ضمن هيئات خاصة في اطار تنظيمات اللاجئين حيث عملت هذه الهيئات على تحسين اوضاع النساء اللاجئات بعد عودتهن مع عائلاتهن الى غواتيمالا. وكما اشار العديد من الباحثين والمختصين، فان اللاجئين في غواتيمالا لم ينتظروا صنع السلام، بل شاركوا منذ البداية في صياغته وتطبيقه كذلك. كما ان المشاركة الشعبية الفعالة ساهمت الى حد كبير في ارساء دعائم نظام ديمقراطي كفل للجميع حقوقهم. اما في موزامبيق وغينيا بيساو الجديدة، فان المبادرة باشراك منظمات المرأة والمؤسسات الكنسية، قد ساهم مساهمة فعالة جدا في تطبيق اتفاقية السلام هناك الى جانب المساهمة الى ارساء دعائم السلام في ذلك البلد. اشراك القطاعات الشعبية، يسهل عملية التنفيذ: تتجنب العديد من الحكومات والهيئات فتح باب المفاوضات امام المشاركة الشعبية. الا ان الدراسات المقارنة تشير الى ان المشاركة الشعبية، سواء على مستوى الدور الاستشاري او المشاركة المباشرة، تلعب دورا بارزا في تسهيل تطبيق اتفاقيات السلام وضمان حالة من السلام الدائم والشامل. من ناحية اخرى، فان الاتفاقيات التي لا تفسح المجال امام المشاركة الشعبية، يمكن ان تقود الى فقدان الثقة الشعبية في هذه الاتفاقيات وبالتالي تعريض شرعيتها للمسائلة الشعبية مما ينتج عنه ضعف امكانية تطبيقها وآفاق السلام المستقبلية. اما طرح الاتفاقيات للمشاورات بعد ان يتم التفاوض عليها وتوقيعها، هو عمل لا قيمة له لكون الامور تصل الى درجة لا يمكن معها اعادة صياغة جوهر هذه الاتفاقيات. كذلك فان الاتفاقيات التي توقع دون ان يكون للقطاعات الشعبية اي دور في صياغتها، قد تكون مصدر للخلافات والصراعات المستقبلية اكثر من كونها اتفاقيات تهدف الى وضع حد للخلافات والصراعات والنزاعات. اضافة الى ما تقدم، فان المشاركة الشعبية تشكل الضمانة الضرورية لاعطاء الاتفاقيات والقيادات الناتجة عنها الصفة الشرعية وعدم اللجوء الى الصراعات الجانبية. كذلك الامر، فان المشاركة العالمية او الدولية بشكل او بآخر في عملية صنع السلام، يؤدي الى اضفاء المزيد من الشرعية الدولية على الاتفاقية وعدم تركها لتكون محدودة وخاضعة لقوانين محلية او اقليمية محددة بل تعطيها صفة الشرعية على مستوى العالم مما يشكل عنصرا مهما في تثبيتها وتدعيمها. [1] كاثرين بارنز: الانتماء الى عملية السلام: آليات المشاركة الشعبية في عمليات السلام. تقرير مشترك لورشة عمل ودراسة تحليلية، مصادرة التسوية، 2002. [2] كرمة النابلسي: السيادة الشعبية، الحقوق الجماعية، المشاركة والحلول الدائمة للاجئين الفلسطينيين. ورقة عمل خاصة بمركز بديل رقم 4- نيسان 2003 لمزيد من المعلومات حول المبادئ الاساسية والممارسة للمشاركة الشعبية في عمليات السلام، طالع موقع مصادر التسوية عبر الانترنت: www.c-r.org/pubs/occ_papers/pp_policy.html ©
1999-2004 لا يجوز نشر أي جزء من هذا العمل، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع أو نقله على أي نحو، أو بأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو التسجيل أو خلاف ذلك، إلا بالموافقة المسبقة على ذلك (email)، وفي حال الاقتباس من أجل الدراسات والبحوث الأكاديمية أو لأغراضٍ إعلامية، وبشرط الإشارة إلى المؤلف والمصدر على النحو التالي: "المؤلف، بديل/المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، تاريخ النشر". بديل/
المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين |