بديــل /المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين......................................................... 11 كانون ثاني 2001
المقاطعة المنظمة وليس الورقة البيضاء الورقة البيضاء تساوي ورقة التين للتصويت الخجول لصالح براك
لا لوم على تيدي كاتس "مكتشف النكبة" وناكرها
بقلم أمير مخول
انتخابات رئاسة الحكومة ليست شكلية بمفهوم من سيكون رئيس الحكومة القادم براك ام شارون, بل هي فرصة غير عادية لتنظيم الفلسطينيين في اسرائيل سياسيا وقوميا. وهي فرصة اضافية لكسر قواعد اللعبة المفروضة علينا منذ العام 1948 وللخروج جماعيا من صيغة الأسر السياسي في شباك حزب العمل والشراكة التاريخية الموهومة مع هذا الحزب. في تعامله معنا استخدمنا حزب العمل تاريخيا كاحتياطي اصوات محددا دورنا التاريخي وكأنه في ضمان تفوقه على الليكود, وتنتهي مهمتنا غداة الانتخابات. وهذه هي عمليا حدود مواطنتنا الجماعية والهامش المحدود جدا لسلوكنا السياسي وتمتعنا بالدمقراطية الاسرائيلية بقدر ما نخدم بسلوكنا هذا الحزب ورؤيته وقواعد اللعبة التي ارادنا ان نلعب ضمنها |
قبل ثلاثة اشهر فقط تعاملنا مع حزب العمل كعدو, وتعاملنا مع رئيس الحكومة براك ومع وزير الامن الداخلي بن عامي, كمجرمي حرب, ورددت القوى السياسية المنظمة ما اراد الشارع ان يسمعه الا وهو ان دورنا البرلماني في هذه المرحلة يكمن في اسقاط حكومة براك ورئيسها ومعاقبته على المذبحة التي ارتكبتها اجهزة الدولة بحق جماهيرنا في الداخل كجزء من مجزرة اكبر تجاه كل شعبنا الفلسطيني |
والجوهري في هذه الانتخابات ان حكومة براك سقطت نتيجة عدم قدرتها على القضاء على الانتفاضة قمعيا, ولم تتمكن من مواجهة استحقاقات حل اسبابها سياسيا, كما انها لم تتمكن من فرض حلولها سياسيا التي قد تكون مساومة اسرائيلية داخلية لكن ليست مساومة باتجاه حل عادل مع الشعب الفلسطيني, فزادت من قمعها وبدأت تقرع طبول الحرب الشاملة |
وقد يضلل موقف الحكومة من جدول اعمال مفاوضات الحل الدائم قطاعات واسعة ضمن جماهيرنا الفلسطينية باستخدام الجدل بان حكومة براك عرضت على الشعب الفلسطيني ما لم تعرضه اية حكومة في اسرائيل. الا ان الحكومة في الواقع استخدمت امتيازات المنتصر والمحتل. وهذا الامتياز يستخدمه بشكل اكثر فاعلية اليسار الصهيوني وحركة العمل الاسرائيلية. فهذا التيار يستخدم الهامش التفاوضي الواسع جدا والذي وفره له انتهاك اسرائيل لحقوق الشعب الفلسطيني منذ النكبة ولغاية اليوم. وهو في نهاية المطاف يفاوض ضمن هذا الهامش ويساوم ضمن امتيازاته التي حققتها له الانتهاكات المتراكمة منذ اثنين وخمسين عاما |
الفرق الاساسي بين حزب العمل والليكود قد تلاشى عمليا منذ مؤتمر مدريد وبدأ يزول منذ اوسلو. احد الاختلافات التاريخية كان في الموقف من استراتيجية الحل للحفاظ على الدولة اليهودية بمفهوم كل من الحزبين, وتمحور الاختلاف في الموقف من المساومة او ارض مقابل سلام والليكود سلام مقابل سلام, اي بين ارض اسرائيل الكبرى وارض مقابل سلام. لكن هذا الفارق تلاشى, وانعكس في الجدل بين نتنياهو وبراك في انتخابات العام 1999 والذي تمحور حول مدى الانسحاب وشروط تطبيقه, وليس بخصوص الانسحاب بحد ذاته |
الانتخابات اليوم تأتي في سياق جدول اعمال الحل الدائم, وفي الواقع فقد حقق الشعب الفلسطيني انجازا هاما في اقرار جدول اعمال مفاوضات الحل الدائم, وهو يتطرق لما افرزته حرب العام 1948 واحتلال فلسطين وقيام دولة اسرائيل على انقاض شعبنا المشرد. وفي صلب جدول اعمال الحل الدائم يقف موضوع اللاجئين وحق العودة, هذا الحق الذي يتميز بكونه حق اساسي شخصي وجماعي غير قابل للتأويل ولا يمكن القضاء عليه بمجرد فرض حل اسرائيلي او امريكي, بل انه يحيّد الى مدى كبير ميزان القوى المحلي والدولي الذي يعمل لصالح اسرائيل والذي فرض ذاته في مسار اوسلو |
وملفت للنظر في هذا السياق الموقف الذي عبر عنه اركان اليسار الاسرائيلي في اعلانهم في صحيفة هآرتس (الثلاثاء 2/1/2001), وفي مقدمتهم ا.ب. يهوشوع وافي عوز, وموقفهم يعكس الحد الاقصى لما يمكن ان يقبله اليسار الصهيوني وهو الرفض القاطع لحق اللاجئين بالعودة. وقد رسم اليسار الصهيوني بذلك حدود تصوره للحل, الذي ينتقص اهم حقوق شعبنا, ويريد ان يقنع شعبنا بقبول ذلك |
ان مصلحتنا كشعب فلسطيني ونحن, كجزء من الشعب الفلسطيني هو ان تتعمق ازمة السياسة الاسرائيلية الداخلية, وليس ان ننقذها. خاصة وان محور هذه الازمة هو الحقوق الاساسية لشعبنا, لان انقاذ المعسكرين الاسرائيليين الاساسيين بتفضيلنا حزب العمل سيعني اننا ننقض حقوق شعبنا واننا عمليا سنتيح المجال امام مخططات مقايضة قضية اللاجئين - قضية شعبنا, بحل معين في تقاسم مدينة القدس المحتلة على اساس المنظور الاسرائيلي. وفي ذلك مسؤولية كبرى تجاه كل الاحزاب الوطنية |
وفي قضية حق العودة فان الاحزاب والتيارات الصهيونية كلها تقف في خندق واحد, وهناك اجماع قومي اسرائيلي, ولا مجال للمناورة من قبل احزابنا باتجاه التمييز بين السيء والاسوأ. فالحدود بين السيء والاسوأ قد تلاشت, وما قام ويقوم به حزب العمل تجاه جماهيرنا في الداخل ام تجاه شعبنا كله في الاشهر الاخيرة, هو مجزرة يعجز الليكود عن القيام بها وهو لا يتمتع بالهامش القمعي الدموي والمعنوي الواسع اسرائيليا ودوليا الذي يتمتع به حزب العمل |
الا ان حزب العمل يجيد استخدام الجزرة وليس فقط العصى, فهو يحاول اغداق الاموال الهائلة على جماهيرنا سواء من منطلق مصالحه الحزبية ام من منطلق نظرته الى هبّتنا الاخيرة كخطر امني والى وجودنا كخطر دمغرافي على الدولة اليهودية. وما يقوم به هذه الايام هو محاولة القيام بصفقة كبرى لشراء بالجملة ليس فقط ضمائرنا بل شراء ارادتنا باموال الدولة بغية تسخيرها لصالح المشروع الصهيوني بدل ان تصب في صالح المشروع التحرري لشعبنا ضحية المشروع الصهيوني |
لكن يصعب تفهم السلوك السياسي لبعض الاحزاب والذي لا يريد ان يلتزم بموقف قاطع من قضية التصويت لبراك. وباعتقادي ان اي حزب لا يملك موقفا واضحا لمعاقبة براك وحزبه سوف تعاقبه الجماهير في انتخابات الكنيست القادمة. وبهذا المفهوم فان عدم اتخاذ موقف سوف يتم تفسيره في سياق الانتخابات كدعم لصالح براك, الذي بدأ بمساعدة من ميرتس بمحاولة تحسين صورته بين جماهيرنا, ونجح في احداث شرخ اولي في لقاءاته مع بعض رؤساء السلطات المحلية, والمبادرة التي خرج بها بعض رؤساء السلطات المحلية في المثلث الجنوبي, والتي قد تمتد لبلدات اخرى, باتجاه تفتيت قضايانا الجماعية ونفي طابعها السياسي. ان حزب العمل يحاول استخدام موارده وموارد الدولة بغية تنظيم جماهيرنا بما يخدم مصالحه ووفق رؤيته الحزبية والامنية |
ان تنظيم الجماهير الفلسطينية هو اهم تحدي واهم هدف ممكن العمل لتحقيقه في الحملة الانتخابية الحالية لرئاسة الحكومة. وتنظيمها بغية الدفاع عن حقوقنا الجماعية والاسهام في تدعيم مطالب شعبنا الفلسطيني التحررية ونيل حقوقه. لكن تنظيم هذا الجمهور لا يمكن ان يتم من خلال الورقة البيضاء, فالورقة البيضاء لا تساوي مقاطعة الانتخابات كسلوك. المقاطعة بامكانها ان تكون سلوكا جماعيا قوميا بينما الورقة البيضاء هي سلوك فردي ومدني. المقاطعة المنظمة للانتخابات تعني تنظيم الجماهير لكسر قواعد اللعبة المفروضة علينا من قبل الدولة وبالذات من حزب العمل الذي يعتبرنا احتاطيا له عشية الانتخابات للتغلب على الليكود, بينما الورقة البيضاء ستكون قبول قواعد اللعبة واتخاذ موقف ضمنها وليس موقفا منها. وبالتالي فان عدم التمييز بين المقاطعة والورقة البيضاء او الترويج للورقة البيضاء سيشكل ورقة التين السياسية للتصويت الخجول لصالح براك الذي اسقطته الانتفاضة والذي لا يمكن ان يتحدد دورنا في انقاذه |
كما ان مقاطعة الانتخابات المنظمة لرئاسة الحكومة, هي تحد اساسي وتجربة غير عادية في فتح افاق عمل سياسي جماعي جديدة للفلسطينيين مواطني اسرائيل, باتجاه استراتيجية العمل والتنظيم خارج البرلمان وعدم حصر انفسنا في اللعبة البرلمانية التي لا تستطيع ان تكون المفتاح لمواجهة قضايانا المصيرية |
| 3/1/2001 |
امير مخول |
لا لوم على الباحث تيدي كاتس الذي بحث مجزرة الطنطورة وانكر استنتاجات بحثه امام المحكمة الاسبوع الفائت التي نظرت في الدعوة التي رفعها جنود وحدة اسكندروني التي ارتكبت المجزرة اياها عام النكبة. تيدي كاتس انتقل من موقع "مكتشف المجازر" وباحث النكبة الى منكريها. ان تيدي كاتس كما كنت كتبت في حينه, هو جزء من المشروع الصهيوني ومن اعادة انتاج هذا المشروع, استفاد من من كشف مجزرة الطنطورة واليوم يستفيد اكثر من انكارها امام الجهاز القضائي الاسرائيلي |
اللوم هو على القوى الوطنية وعلى المؤسسات ووسائل الاعلام العربية التي فضلت روايته على روايتنا, وعامت على شبر من السراب, عندما تعاملت معه كما لو انه ضميرنا الجماعي, ونظرت الى روايتنا عن نكبة العام 1948 في سياق تيدي كاتس بشخصه وبحثه, ولم تتعامل مع تيدي كاتس بصفته مستفيدا من النكبة وقيام دولة اسرائيل التي وفرت له قانون العودة وكل الخيرات المادية المسلوبة من شعبنا والتي حولتها الى ملك الأمة اليهودية بواسطة احتلالها وتهجير شعبنا ومن ثم قوانينها العنصرية |
عندما فضلت الاوساط الوطنية بغالبيتها رواية تيدي كاتس فانها عمليا تعاملت بدونية مع الذات ومع روايتنا الا وهي رواية ضحايا المجزرة والنكبة وشاهدي العيان عليها وباحثيها. وعندما طوّع هذا الاكاديمي التاريخ لمصالحه الخاصة, وانكر نكبتنا فقدنا مذبحة الطنطورة, واصبحت الرواية الصهيونية الجديدة جدا وهي نتاج الرواية الصهيونية التاريخية, هي الحقيقة بعينها, وذلك لدى من اقنعتهم رواية تيدي كاتس |
"المؤرخون الجدد" هم مجموعة جدية في الاكاديمية الاسرائيلية, لكن لا يجوز ان يغيب عن بالنا نحن الفلسطينيين انه مهما فعل المؤرخون الجدد, يبقون جزءا من المشروع الصهيوني, هم كغيرهم من الشعب اليهودي استفادوا من النكبة واستفادوا من انكارها الرسمي والاكاديمي والشعبي, واستفادوا من اعادة كشف اجزاء مما حاولت تستيره سياسة اخفاء اثار الجريمة التاريخية, كما استفادوا من اعادة كشفها وكأنها جزء من الماضي وجزء من البحث الاكاديمي وليست جزءا من حياة شعب, واخيرا يستفيدون من اعادة انكار ما كشفوه في الامس. وهؤلاء ممن يعتبرون فوق السياسة وما بعد الصهيونية او بالامكان الاستعانة بمصطلح الحداثة الصهيونية, لا يمكن ائتمانهم على روايتنا, ولا يمكن الاعتماد عليهم في تحديد تاريخنا لنا, فليس هؤلاء مرجعيتنا تجاه تاريخنا |
لقد قامت بعض مؤسساتنا الوطنية بتبني قضية تيدي كاتس سياسيا وقضائيا في دعوى التشهير التي رفعها ضده جنود وقادة وحدة اسكندروني التي احتلت الطنطورة عام 1948, ولم تعتمد مؤسساتنا ولا وسائل الاعلام روايتنا, موهمين انفسهم ان هذه فاتحة لكسر تراكم سياسات انكار المجزرة الانفة, ولم نعتمد على باحثين فلسطينيين ولا على ما اكده ضحايا المجزرة , اي اعتمدنا على نقيضنا. وللحقيقة ان المحكمة الاسرائيلية هي احد اجهزة الدولة القائمة على انقاض شعبنا, وبهذا المفهوم فهي كما كل اجهزة الدولة تنكر النكبة, وفي احسن الاحوال تعلل ذلك بالحجة انه امر سياسي او تاريخي وهي لا تتدخل بالسياسة بل جهازا مهنيا وموضوعيا في تعامله. لكن المشكلة هي دفاع بعض مؤسساتنا الوطنية قضائيا عن تيدي كاتس, وهي بذلك, قبلت ان توضع النكبة على طاولة المحكمة الاسرائيلية. لكن لو نفترض ان الباحث كاتس واصل معركته القضائية ونجح في الدفاع عن نفسه, يبقى تدخلنا وتماثلنا معه ومع دوره خطأ سياسيا ووطنيا يجب ان نتدارك الوقوع به مستقبلا |
حقيقة اساسية يجب ان نبقيها ماثلة امامنا, وهي ان "المؤرخين الجدد" الذين يتحدثون عن النكبة كما لو انهم اكتشفوها, يتمتعون بامتياز في دولة اسرائيل. وعندما نتبنى روايتهم يصبح هذا الامتياز تفوقا اخلاقيا من صنع ايدي من يتبناه من بيننا. فالمؤرخون الجدد يعيشون وينعمون بما وفرته لهم الدولة اليهودية التي قامت على انقاض شعبنا, ولا احد منهم يستخلص النتائج الشخصية لنتائج بحثه و"كشفه" النكبة, فيبقى جزءا من كيان استعماري بطبيعته, ويقيم على ارض ليست ارضه وليست ملكا للشعب اليهودي, وقد يعيش في بيت يعود لعائلة فلسطينية لاجئة وفّرته له الدولة من خلال اجهزتهاالخاصة بالاستيلاء على غنائم الوطن الذي احتلته عام 1948, ومن هذه الاجهزة : متولي املاك الغائبين وسلطة التطوير وشركة عميدار وشكمونا وادارة اراضي اسرائيل. فالتاريخ في حالتنا لا يكذب, بل ان جزءا من كاتبيه وباحثيه هم الذين يقيسون التاريخ على مقاسهم الاستعماري |
ان درسا هاما وفره لنا "كاشف" النكبة وناكرها تيدي كاتس, وهو ان الرواية الاسرائيلية الرسمية وغير الرسمية تبقى رواية المنتصر والمستعمر, وان واجبنا ان نقوم بتوثيق رواية النكبة متممين ما بدأ به الكثيرون من الباحثين, وضروري الانطلاق من كون النكبة ليست جزءا من ماضينا بل هي صميم حياتنا, خاصة واننا مقبلون على مفاوضات الحل الدائم, الذي تحاول اسرائيل فيه التهرب من اسقاطات جريمتها الكبرى عام 1948, والذي لنا مصلحة اساسية وواجب اخلاقي ووطني وسياسي تاريخي بان يبقى حجر الزاوية لاية نظرة للحل المستقبلي هو نكبة العام 1948 |
| 2000/12/23 |