مشاركة اللاجئين الفلسطينيين ومبادراتهم

تبرم اتفاقيات السلام في الغالب نتيجة المفاوضات بين الأطراف السياسية. ولكن الجماهير هم من يقدمون الضمانة الأكثر قوةً للتنفيذ الفعال لهذه الاتفاقيات. ان المشاركة الجماهيرية تعزز مبادئ الديمقراطية وقوامها، وتوسّع من مدى الحـلول لأغلب القضايا الخلاف، وتضفي المزيد م الشرعية على هذه الاتفاقيات وتساهم بشكل عملية في صياغة وتنفيذ هذه الاتفاقيات.

أشكـال المشاركة الجماهيرية

هناك العديد من المجالات التي يمكن أن تتجلى فيها المشاركة الشعبية: حيث يمكن ان يتم تمثيل القطاعات الشعبية في عملية المفاوضات من خلال الأحزاب السياسية و/أو مؤسسات المجتمع المدني الأخرى. كما يمكن تشكيل الهيئات الاستشارية من القطاعات الشعبية لتزويد المفاوض بالنصائح المناسبة الى جانب منح هذه القطاعات الفرصة للتعبير عن رأيها واهتماماتها وأخذها بعين الاعتبار في عملية التفاوض. كما انه من الممكن منح الأفراد الفرصة للمشاركة في العملية السلمية سواء في مرحلة صياغة الاتفاقيات او تطبيق هذه الاتفاقيات على ارض الواقع من اجل وضع حد للصراع.      

وتشير التجارب الشبيهة الى ان المشاركة الشعبية في العملية السلمية يجب ان لا يقتصر فقط على المستوى النظري بوضع آليات لهذه المشاركة بل يجب ان تشارك القطاعات الشعبية فعليا في هذه العملية. ومع ذلك، هناك العديد من الأمثلة التي يمكن الاعتماد عليها بخصوص المشاركة الشعبية في عمليات السلام في بقاع شتى من العالم (مثل مالي، جنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، غواتيمالا، موزنبيق، وغينيا الجديدة)، جميع تلك التجارب تؤكّد بأن المشاركة الجماهيرية تعزز من دوام السلام.

في غواتيمالا على سبيل المثال، فان اللاجئين هناك قد تمكنوا من تنظيم انفسهم ضمن اطارا هيئة دائمة حيث عمل ممثلو اللاجئين من خلال هذه الهيئة على التفاوض المباشر من اجل حق جميع اللاجئين بالعودة الى ديارهم وممتلكاتهم. وقد كفلت الاتفاقية للاجئين كافة حقوقهم وامنهم وحرية تشكيل التنظيمات الخاصة بهم بعد العودة الى موطنهم الاصلي واستعادة ممتلكاتهم تحت اشراف مراقبين دوليين. كما كفلت لهم ان يخضعوا للسلطات المدنية وليس للسلطات العسكرية. الى جانب ذلك، فان قطاع النساء من بين اللاجئين قد نجح في تنظيم النساء ضمن هيئات خاصة في اطار تنظيمات اللاجئين حيث عملت هذه الهيئات على تحسين اوضاع النساء اللاجئات بعد عودتهن مع عائلاتهن الى غواتيمالا. وكما اشار العديد من الباحثين والمختصين، فان اللاجئين في غواتيمالا لم ينتظروا صنع السلام، بل شاركوا منذ البداية في صياغته وتطبيقه كذلك. كما ان المشاركة الشعبية الفعالة ساهمت الى حد كبير في ارساء دعائم نظام ديمقراطي كفل للجميع حقوقهم.

الاستبعاد من العملية السلمية

لقد ادى استثناء اللاجئين من التمثيل في الوفد الفلسطيني الذي يشارك في عملية صنع السلام التي انطلقت في العام 1991 من خلال مؤتمر مدريد وتواصلت من خلال اتفاق اوسلو، ادى هذا الاستثناء الى بروز العديد من المبادرات الذاتية بين مجتمعات اللاجئين في الضفة الغربية، قطاع غزة، القدس الشرقية، المهجرين داخل اسرائيل واللاجئين في الشتات من اجل بلورة قيادة خاصة باللاجئين تعمل على التحشيد من اجل إحقاق حقوقهم القانونية والشرعية. وقد هدفت غالبية هذه المبادرات الى الإعراب عن القلق والاستهجان لاستثناء حقوق معينة ودعت الى التركيز على المطالب الأساسية للاجئين والتمثيل الأفضل لهم في المفاوضات الى جانب دمقرطة عملية صنع السلام في الشرق الأوسط.

وقد عقد في العامين 1995- 1996 سلسلة من المؤتمرات والمنتديات للاجئين والمهجرين داخل اسرائيل وتبعها سلسلة من اللقاءات والمؤتمرات للاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية والتي هدفت جميعا الى التركيز على الحقوق الأساسية للاجئين واطلاق الحملات الشعبية الهادفة للدفاع عن هذه الحقوق ووضع الآليات المناسبة من اجل العمل على احقاقها. ووضعت هذه الحملة نصب اعينها هدف توسيع القاعدة الشعبية المدافعة عن حقوق اللاجئين وعدم اقتصار الحملة على قطاعات محددة. كما ان هذه الحملة قد شكلت حركة ديناميكية مستقلة شارك فيها العديد من المؤسسات والمنظمات الفلسطينية (من اللاجئين وغير اللاجئين) على مستوى الوطن والشتات وكان هدفها المركزي التحشيد من اجل حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين ضمن عملية السلام الدائم، في اطار القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة.

وقد توجت انجازات الحملة الشعبية بتشكيل اللجان الشعبية للاجئين والمؤتمرات الشعبية التي نجحت في انتخاب مجلس ومؤتمر عام للاجئين الفلسطينيين عقد اعماله على مستوى الوطن والشتات. وقد كان لكل مؤتمر مجلس عام منتخب للاجئين مهمته الاساسية ايجاد الآلية الشعبية المناسبة للنضال من اجل الحقوق الوطنية الشرعية، الديمقراطية، الحقوق المدنية وحقوق الانسان. ولكن يجب الاشارة هنا الى ان هذه الهيئات والمؤتمرات واللجان لا تهدف ابدا الى استبدال منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي لكافة ابناء الشعب الفلسطيني. وقد لعب التنظيم الذاتي لقطاعات اللاجئين دورا اساسيا في استعادة اللاجئين لحقهم في التمثيل وهو الحق الذي تم تجاهله من قبل بعض الجهات والهيئات الفلسطينية الاخرى. كما ان هذه الهيئات قد هدفت قبل كل شيء للتأكيد على حق اللاجئين بالتمتع بحقوقهم.


© 1999-2004
جميع حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية محفوظة لمركز بديل

لا يجوز نشر أي جزء من هذا العمل، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع أو نقله على أي نحو، أو بأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو التسجيل أو خلاف ذلك، إلا بالموافقة المسبقة على ذلك (email)، وفي حال الاقتباس من أجل الدراسات والبحوث الأكاديمية أو لأغراضٍ إعلامية، وبشرط الإشارة إلى المؤلف والمصدر على النحو التالي: "المؤلف، بديل/المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، تاريخ النشر".

بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين
ص.ب 728، بيت لحم، فلسطين
بريد إلكتروني:
info@badil.org  - المجلة الإلكترونية:www.badil.org