|
شعب
فلسطين وخيار التهجير أو الإبادة
د. حسام الخطيب- كاتب عربي
صحيفة الراية القطرية 19/1/2004
*
في مقالة الأسبوع الماضي جري التذكير بالقطبين الأساسيين اللذَيْن ترتكز
عليهما الاستراتيجية الصهيونية، وهما خلق الحقائق على الأرض والضربة
الاستباقية. وقد أوضحنا كيف تطبق حالياً هذه السياسة في المجالات
العسكرية والاقتصادية والحيوية لتقطع الطريق على خريطة الطريق، ليس فقط
من خلال الألاعيب الديبلوماسية والمراوغة التكتيكية، ولكن أيضاً من خلال
ذلك الجدار الإلكتروني الأسمنتي الرهيب الذي يجعل شعباً بأكمله سجيناً
بالمعنى الحرفي للكلمة، والذي يُزري بأسطورة جدار برلين ويتجاوز بكثير
أهداف سور الصين القديم. وقد أوردنا نموذجاً من التحليلات الرسمية
الإسرائيلية (إيهود أولمرت ونتنياهو) يبيّن أن الضربة الاستباقية هي
المرحلة القادمة، بعد أن تفرغ "إسرائيل" من إنجاز خطة محاصرة الأراضي
الفلسطينية وتجزئتها إلى كانتونات محكمة الإغلاق، وبذلك تصبح خريطة
الطريق حبراً على ورق أي خريطة بالمعنى الحرفي للكلمة.
ويجب ألا
يستنتج من هذا الكلام أنّ خريطة الطريق هي الحل الأمثل للقضية الفلسطينية
الذي يحقق طرفي المعادلة وهما السلام والعدالة، أو بالتعبير السياسي
المتداول (الأرض مقابل السلام)، ولكنها الخيار الوحيد المطروح حالياً على
المستويات الرسمية والدولية. وبالمناسبة ليس المهم هو إسقاط هذه الخطة
(العرجاء) على نحو ما أسقطنا في السابق، عفواً على نحو ما أسقط العدو
الصهيوني في السابق قرارات التقسيم، ومشروع روجرز، وخطة الدولة ثنائية
القومية، وكامب ديفيد الفلسطينية وأوسلو الفلسطينية وقبلها مدريد العربية
وغيرها وغيرها.
واللعبة
واضحة: نحن نناضل ضد هذه المشاريع ونختلف ويتهم بعضنا بعضاً، وتتشتت
قوانا، والعدو يسرح ويمرح، ويقضي على كل منها في اللحظة السياسية التي
تناسبه ليبدأ مرحلة جديدة، ويحملنا مسؤولية إسقاط هذه المشاريع، كما فعل
القرد في الحكاية الشعبية إذ كان يأكل اللبن ويلطخ فم الدبَّ لتحلّ
اللعنة على الثاني).
إن إسقاط
حل جائر هو شيء ووضع تصور لمرحلة بديلة هو شيء آخر، لأن الطرف الأقوى
يستفيد عادة من الفراغ السياسي. والغرض من كل هذا الكلام أن نفهم أن وضع
فلسطين يزداد خطورة وتعقيداً. وإذا كانت اللغة تعجز عن وصف ما يحدث الآن،
تحت سمع العالم وبصره وعبارات الاستنكار الخافتة من الطرف العربي، فكيف
يمكن أن نصف المرحلة القادمة التي بدأها فعلاً مؤتمر حزب الليكود في
هرتسليا على لسان أبرز زعمائه المرشحين لخلافة شارون، وفي الأسبوع الأخير
من العام 2003، وكأنه نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة مؤرخة بدقة لتبدأ
مع العام 2004، والذي يخطر له أن هذا الكلام مجرد هذر أو مبالغة فعليه أن
يراجع الأدبيات الصهيونية منذ أيام هرتزل (1897) ليرى أن التحديد الزمني
كان حاضراً دائماً في جدول أعمال الاستراتيجية الصهيونية. ويبدو أن
هيرتزل نفسه هو المنبع الأساسي للتخطيطات اللاحقة. ففي مؤتمر (بال) أوضح
أن الدولة اليهودية (وهذا عنوان كتابه المرجعي)، يمكن أن تقوم خلال خمس
سنوات من خلال الاتفاقات الدولية وإلا فمن خلال الكفاح والقوة خلال خمسين
سنة. وهكذا بعد مضيّ خمسين سنة تماماً على هذا التصريح وافقت هيئة الأمم
المتحدة (29/11/1947) على قرار التقسيم الذي كانت خريطته قد رسمت على
الأرض الفلسطينية على يد العصابات الإرهابية حسب تسمية حكومة الانتداب
البريطاني على فلسطين في ذلك الحين.
وهذا
يعني أننا ينبغي أن ننظر بجدية تامة إلى طبيعة المرحلة القادمة في
الاستراتيجية الإسرائيلية على الأقل لدى حزب الليكود الحاكم.
1 -
يستفاد من مداولات مؤتمر هيرتسليا أن مرحلة إحكام الطوق على الأراضي
الفلسطينية باتت على وشك الإنجاز، وبذلك يصبح الهم الديمغرافي الناجم عن
التكاثر الطبيعي للشعب الفلسطيني هماً فلسطينياً خالصاً ومبعث تفجُّر في
وجه أية سلطة فلسطينية مقبلة، لأنها ستكون محاصرة من خلال الجدار
الإسرائيلي، وهي محاصرة بطبيعة الحال من خلال الطرف الآخر العربي الذي له
حساباته الديمغرافية والأمنية الخاصة. فإذا تذكرنا أن الإحصاءات الأخيرة
- حسب الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء- تشير إلى أن عدد الفلسطينيين في
مناطق السلطة يصل إلى 3.7 مليون نسمة، منهم 2.3 مليون في الضفة الغربية
إلى جانب 1.4 مليون في قطاع غزة، وإذا تذكرنا أيضاً أن الشعب الفلسطيني
يتمتع بنسبة تكاثر عالية جداً، وأن الأرض المتبقية له محدودة المساحة
والموارد، وأنه شعب عنيد ومحب للحرية وليس لديه ما يخسره، إذا تذكرنا كل
ذلك ندرك تماماً أن شارون حين يهدد بالانسحاب من طرف واحد خلال ستة أشهر
من مطلع العام الحالي فإنه يعني أن القنبلة الديموغرافية في الأراضي
المحتلة خلف الجدار العنصري سوف تتفجّر خارج حدود "إسرائيل" الفعلية.
2 -
وبذلك، وتماماً مثلما ذكر نتنياهو في مؤتمر هرتسليا سوف يتفرغ حكام
"إسرائيل" لمعالجة المشكلة الديمغرافية لعرب 1948. وهم يقدرون اليوم
بمليون نسمة على الأقل أي 20% من مجموع سكان "إسرائيل"، أي ازدادوا
بمقدار ثلاثة أضعاف ونيّف خلال نصف القرن الماضي. فإذا تذكرنا أن
"إسرائيل" تعاني من انخفاض معدلات الهجرة، وأن نسبة التكاثر بين اليهود
هي من أدنى النسب في العالم، يتضح جليّاً خطورة كلام نتنياهو حول القنبلة
الديمغرافية. ويخطئ من يظن أن هذه الفكرة جديدة فقد ظهرت الفكرة مبكرة
على لسان غولدا مائير، رئيسة وزراء "إسرائيل" خلال حرب 1967، حين وصفت
عرب 1948 (عرب إسرائيل) بأنهم قنبلة موقوتة. أما الفلسطينيون الآخرون فلم
تحسب لهم حساباً منذ ذلك الحين أيضاً. وفي أول زيارة رسمية لها إلى
بريطانيا بعد الحرب مباشرة سألها صحفي بريطاني عن نوايا "إسرائيل"
بالنسبة للفلسطينيين بعد انتصارها الساحق، فأجابت مستنكرة: الفلسطينيون:
من هم؟
3 -
ولكن المشكلة الديمغرافية ليست محصورة بعرب 48، على الرغم من أن كل كلام
"إسرائيل" بشأنهم يعد انتهاكاً فاضحاً للديمقراطية ولحقوق الإنسان. فهم
مواطنون شرعيون (بل أصحاب البلاد) ولهم عدد لا بأس به من النواب في
الكنيست، وإن كانت معظم حقوقهم مهضومة ويتعرضون لحملات تمييز عنصري
رسمية.
فإذا
أضفنا سكان المناطق الفلسطينية المحتلة إلى عرب فلسطين فإنهم يبلغون
حوالي خمسة ملايين أي بما يضارع عدد اليهود في فلسطين حسب إحصاءات عام
2003. وبما أن معدل الهجرة إلى "إسرائيل" يتناقص ومعدل الهجرة منها إلى
الخارج يتزايد، فمن المتوقع أن يبدأ التفوق الديمغرافي الفلسطيني في
الداخل عام 2006 بشكل واضح. فإذا أضفنا إلى ذلك وجود حوالي خمسة ملايين
فلسطيني في الشتات (البلاد العربية والعالم) ندرك أن الإسرائيليين لابد
أن يكونوا جادين في معالجة هذه القنبلة، ولن يدّخروا أي سلاح ابتداء من
التجويع إلى التهجير وربما أخيراً إلى الإبادة الجماعية.
***
أما الشق الآخر من المسألة فإنه يعني أن الطرف العربي لديه سلاح ديمغرافي
مهم جداً، يمكن أن يستفاد منه في مختلف الاحتمالات المقبلة إذا وجد العقل
المخطط والإرادة المشتركة وغريزة الشعور بالخطر، لأن معالجة "إسرائيل"
المنتظرة للقنبلة الديمغرافية لا يمكن إلا أن تكون على حساب البلاد
العربية ابتداء من دول الطوق وامتدادا إلى الدول المضيفة.
ومهما
يكن من أمر يجب أن توضع المعضلة الديمغرافية بوضوح أمام المخططات
الفلسطينية والعربية، إن كان لهذه المخططات عيون وآذان. |