|
خريطة الطريق في منظور تاريخي
بقلم د. نصير عاروري
الحياة 2003/07/15
تمثل
خطة "خريطة الطريق" للسلام أحدث مشروع دبلوماسي تطرحه أميركا للنزاع
العربي الإسرائيلي، وهو كالعادة يأتي في أعقاب حرب كبيرة، وهي هذه المرة
الحرب ضد "الإرهاب"، وضد العراق. وكنت كتبت تحليلاً مفصلاً لخريطة الطريق
نشر في أيار (مايو) الماضي، لكنني أجد نفسي الآن مرغماً على أن أضع خريطة
الطريق في منظورها التاريخي المناسب: في سياق تاريخ ما يسمى بعملية
السلام الذي يمتد 36 عاماً. وسيساعدنا هذا على الإجابة على السؤال لماذا
الآن وما هو الاختلاف عن الماضي.
انسجمت مشاريع السلام الأميركية في الشرق الأوسط، منذ ابتدائها في 1969،
مع نمط معين: توفر الحروب والانتفاضات الداخلية كما يبدو القوة الدافعة
للدبلوماسية، في انسجام مع مصالح استراتيجية أكثر من انسجامها مع الشروط
الأساسية للسلام. وكان أولها مشروع روجرز (1969) الذي جاء في أعقاب حرب
1967. كان أول وآخر مشروع اقترح مبادلة الأرض بالسلام وفقاً للقرار 242.
ورفضته إسرائيل، لترسي بذلك سابقة لرفض سلسلة مشاريع في المستقبل لم
يتضمن الكثير منها حتى تسوية فعلية محورها الأرض تقضي بانسحاب إسرائيل من
الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولم نر منذ ذلك المشروع لغة صادرة من واشنطن
تنص على أن "مدى الانسحاب يجب ألا يعكس ثقل الاحتلال". وفي الواقع، اختفت
مصطلحات وتعابير مثل "الانسحاب" و"الاحتلال" و"الأرض مقابل السلام" منذ
وقت طويل من معجم "عملية السلام" التي ترعاها الولايات المتحدة.
أرسى
رفض إسرائيل لمشروع روجرز سابقة مهمة: لن يُنهى الاحتلال طبقاً لمبدأ
"عدم السماح باكتساب الأرض بالقوة"، بل سيخضع لمفاوضات. بالتالي بدأت
المفاوضات، بهذا المعنى، تبرز كعنصر أساسي في استراتيجية إسرائيل
التفاوضية. وبالفعل، خدمت المفاوضات الدائمة أهداف إسرائيل بشكل جيد في
الواقع، إذ ساعدتها على شراء الوقت وإقامة حقائق على الأرض فيما يأخذ
الحل القائم على دولتين مجراه.
وبعد
ست سنوات على مشروع روجرز، في أعقاب حرب أكتوبر 1973، توصل هنري كيسنجر
عبر التفاوض إلى اتفاق سيناء ممهداً الطريق لسلام مصري إسرائيلي، ليترك
مصير الضفة الغربية وغزة لخطة "الحكم الذاتي" التي وضعها مناحيم بيغن
بدلاً من القرار 242. وكان اتفاق كامب ديفيد للسلام برعاية كارتر (1978)
الامتداد المنطقي لدبلوماسية كيسنجر واملاءات بيغن. وانسحبت قوات
الاحتلال الإسرائيلي من مصر، لكنها لم تنسحب من الضفة الغربية وغزة. وفي
أعقاب الغزو الإسرائيلي للبنان في 1982، أعلن الرئيس ريغان مشروعه في
الأول من أيلول (سبتمبر)، مقترحاً استبدال سيطرة إسرائيل على الضفة
الغربية المحتلة بسيطرة الأردن، لكن إسرائيل رفضته بقوة. بعد ذلك، جاءت
الانتفاضة الفلسطينية في 1987 التي أنتجت مشروعين أمريكيين آخرين: مشروع
شولتز (1988) ونقاط بيكر في 1989، وكلاهما دعا إلى إجراء انتخابات
فلسطينية، لكنه لم يتطرق إلى إنهاء الاحتلال ومنح السيادة الفلسطينية.
وعلى رغم المجاملة الأميركية كان رفض إسرائيل لاقتراح حليفها الاستراتيجي
وراعيها فورياً ووقحاً. وافق رئيس الوزراء شامير على "توقيع" شولتز على
المشروع ولكن ليس على المشروع ذاته. وقام في وقت لاحق بسحب مشروعه الخاص
بعدما كان جيمس بيكر وصفه بأنه "الشيء الوحيد المطروح"، ما دفع بيكر إلى
التعبير عن غضبه علناً ولكن مع الحرص على تجنب فرض عقوبات.
واقتضى الأمر نشوب حرب كبيرة أخرى كي نشهد الجولة المتوقعة التالية من
العبث الأميركي، وهذه المرة في مؤتمر مدريد (1991) الذي أنتج إحدى
عشــــرة جولــــة عقيمة من المحادثات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في
واشنطــــن (91-1992) زائداً ثماني رحلات مكوكيـــة إلى المنطقة مــن
قبـــل جيمـــس بيـــكر.
عند
هذه النقطة، يمكن أن نتساءل لماذا هذا الإخفاق الهائل على رغم الرأسمال
الدبلوماسي الضخم الذي اُستثمر من قبل الولايات المتحدة؟ من الواضح أن
الرفض من جانب زعماء ليكود والعمل، مثل بيغن وشامير ورابين، عكس إجماعا
في الدولة الإسرائيلية: الاحتلال لا ينطبق على الوضع في الضفة الغربية
وغزة، لذا فان "إعادة نشر" القوات الإسرائيلية مناسب أكثر للوضع من
"الانسحاب". بخلاف ذلك سيتعين على المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر
الأبيض المتوسط أن تأوي كياناً سيادياً آخر، وهو ما يعد خياراً لا يخضع
للتفاوض بالنسبة إلى الصهيونية. فالسيادة الفلسطينية في أي جزء من هذه
المنطقة، مهما كانت ضآلتها، ستعتبر "شيئاً دخيلاً"، وبالتالي محرماً
أيديولوجيا و/ أو توراتياً.
وكانت حاجة الحركة الصهيونية لحماية نفسها من مثل هذا الاحتمال هي التي
جعلت اتفاقات اوسلو تتجنب المعوقات التي اعترضت محادثات واشنطن في
91-1992، فتُركت قضيتا الاحتلال والمستوطنات خارج إطار هذه الاتفاقات.
وخدم التظاهر بان الاحتلال والمستوطنات هما قضيتان هامشيتان استراتيجية
إسرائيل على نحو جيد، لكن تبيّن لاحقاً أن ذلك هو الخلل البنيوي الذي وجه
إلى اتفاقات اوسلو ضربه مميتة في كامب ديفيد (2000). بالإضافة إلى ذلك،
فان اعتراف إسرائيل بأنه كان هناك احتلال في 1967 كان سيثير تساؤلات حول
احتلال 1948 وجذور الدولة العبرية والتزاماتها. ألن يكون نافعاً ومناسباً
أكثر آنذاك أن يُزعم بان اليهود يعودون فحسب إلى أرضهم التي وعدوا بها في
التوراة بدلاً من كونهم يحتلونها.
أنتجت حرب الخليج الأولى بالفعل اتفاقات اوسلو بالإضافة إلى مؤتمر مدريد،
لكن في الوقت الذي فشلت فيه "مدريد" فان "اوسلو" كانت عملياً هدنة طويلة،
وأدى فشلها في 2000 إلى تصليب مواقف الرأي العام داخل إسرائيل وفي
الولايات المتحدة تجاه السلام مع الفلسطينيين. ويبدو انه حتى حركة السلام
الإسرائيلية أسقطت الآن من معجمها صيغة الأرض مقابل السلام، مفضلة الأمن
باعتباره الضامن للسلام. وفي سياق سبع سنــوات من التظاهــر الدبلوماسي،
مكّنت اتفاقات اوسلو إسرائيل من خلق حقائق على الأرض، وهو ما لم يجعل
الاحتلال دائماً فحسب، فيحول بذلك دون قيام أي نوع من الوجود السيادي
الفلسطيني في منطقة صغيرة من فلسطين التاريخية، بل رفع أيضاً عبء تقديم
تنازلات عن إسرائيل وألقاه بشكل مباشر على الفلسطينيين. وبالاستناد إلى
دعم متواصل من وسائل الإعلام الأميركية، خصوصاً شبكات التلفزيون، وفي ظل
غياب تام تقريباً لاستراتيجية إعلامية للفلسطينيين، برز الإسرائيليون في
محكمة الرأي العام الأميركي كضحايا للإرهاب يحتاجون إلى تطمينات وضمانات
والتزامات دقيقة، بل إلى التوثق من الأداء، حتى قبل أن يوافقوا على النظر
بمجرد فكرة التوصل إلى تسوية عبر التفاوض.
واقتضى الأمر أن تحل بالعرب نكبة أخرى - خسارة العراق - كي تتحرك
الولايات المتحدة في اتجاه الدبلوماسية. ومع ذلك، ليس من المؤكد ما إذا
كانت المشاركة الشخصية لبوش ستستمر، وما إذا سيُترجم استمرارها إلى
الضغوط الضرورية التي يمكن أن تدفع إسرائيل إلى إعادة تفحص سجل موقفها
الرافض على مدى 36 عاماً. فبعدما رسّخ جورج دبليو بوش مكانته باعتباره
أقوى مؤيدي إسرائيل في البيت الأبيض منذ نشأته، ومارس الحكم بالاستناد
على قاعدة متينة من المحافظين الجدد والأصوليين المسيحيين، أصبح اقل
الرؤساء الأمريكيين استعداداً لخوض مواجهة مع إسرائيل وحلفائها المحليين.
لا
شك أن غزو العراق خلق حافزاً لإحياء الدبلوماسية الأميركية في ساحة
فلسطين - إسرائيل، لكن لماذا ينبغي لهذه الدبلوماسية أن تكون أكثر نجاحاً
الآن بعدما بلغ الاختلال في ميزان القوى لصالح إسرائيل والولايات المتحدة
أبعاداً غير مسبوقة؟ يستوجب هذا من الفلسطينيين والعرب أن يتأملوا
الأسباب الحقيقية للإخفاق الدبلوماسي منذ 1969 قبل أن يتجرعوا مسكّناً
أميركياً آخر في وقت يحتاج فيه الكيان السياسي العربي إلى تفحص دقيق
وإعادة هيكلة حقيقية.
لقد
حاولت أن أعطي القارىء منظوراً تاريخياً شاملاً لـ"خريطة الطريق"، ساعياً
إلى إلقاء بعض الضوء على إرث عملية سلام فاشلة يمكن أن يساعدنا على تقويم
نجاح أو فشل خريطة الطريق في المستقبل.
|