×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

المنظمات غير الحكومية الفلسطينية: تهجين المشروع الوطني مقابل التمويل الدولي

التمويل الأجنبي - كاريكاتير الفنان Boolow التمويل الأجنبي - كاريكاتير الفنان Boolow

بقلم:صبيح صبيح*

في الجدل الدائر في الأرض الفلسطينية المحتلة، يدور تساؤل حول هامش المناورة الذي تتحلى به المنظمات غير الحكومية أمام أجندات الممول، وبالتالي دورها في إعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني. مثل هذا التساؤل مشروع؛ كون هذه المؤسسات هي أحد المستفيدين من "المال العام"، بل وأحد أهم الفواعل الذي ينظّر للصالح العام الفلسطيني، بحكم أدبياتها التي طالما أكدت مدى اتصالها بالقاعدة الجماهيرية. لكن مثل هذا التساؤل يبعث ضمنا بمغالطة مفصلية تم استدخالها عبر اتساع منظومة التمويل الدولي في الأراضي الفلسطينية. فعملية الإستدخال المعرفي هذه جعلت من المنظمات غير الحكومية فواعل "حقيقية" في المشروع الوطني، وجعلت من دورها في صياغته بديهية لا مناص عنها. ربما يتماشى هذا التصوير مع أدبيات المؤسسات الدولية التي تولي اهتماما كبيراً لدور هذه المنظمات في "التنمية" أو في "دمقرطة" المجتمعات. فلنطرح السؤال بطريقة أخرى إذن، أولا: لماذا علينا اعتبار المنظمات غير الحكومية فواعل، ثانيا: لماذا علينا تحديد دورها كفواعل في صياغة المشروع الوطني؟ وثالثا: على أي أساس قمنا بالتعامل معها على أنها فواعل كحقيقة بديهية وتحديداً كفواعل في صياغة المشروع الوطني؟ للإجابة على هذه الأسئلة سأقوم بمحاولة تفكيك المنظومة الدولية للتمويل وما يعرف بجهود التنمية وإبراز الدور الذي لعبته هذه المؤسسات المحلية في إعطاء الروح لهذه المنظومة وإطالة عمرها وإعادة إنتاجها. بعد تفكيك هذه البنية التي يقوم عليها نظام التمويل، سأحاول حينها الإجابة على السؤال الأول: دور المنظمات غير الحكومية في صياغة المشروع الوطني؟

إخفاء الهيمنة بإقصاء النقد التشكيكي الضخم لصالح النقد التقييمي الناعم:

منذ أن أغرق ما يسمى "المجتمع الدولي" الأرض الفلسطينية المحتلة بالمال السياسي، وُلد جدل حول عمل المنظمات غير الحكومية، وأولويات عملها السياسي الاجتماعي في الأرض المحتلة. جدل ارتبط بحجج دامغة من الأرض تشير إلى التدهور في الحالة الاقتصادية والاجتماعية، وحجج أخرى تظهر مدى الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد. اكتفت بعض جوانب النقد على عقلية المحاصصة الفئوية التي اعترت قطاعات المجتمع الفلسطيني المختلفة في حلبة سباقها على التمويل. سباق لم يسلم منه أحد كون ولادة السلطة الفلسطينية، وهو التغير الأهم في حقبة ما بعد أوسلو، اعتمد على نظام التمويل هذا. قام البعض بتصوير السبب بانتهازية البعض، أو جراء دونية البعض الآخر. على الرغم من صحة هذه الأمور، إلا أن قلب المشكلة يكمن في منظومة التمويل نفسه. كان النقد مجتزأ في غالب الأحيان والحجج الموظفة تخدم بشكل غير مباشر في إطالة عمر منظومة التمويل وإعادة إنتاجها. اقصد بالنقد المجزوء، النقد التقييمي الذي يسعى لتحسين شروط العمل من داخل المنظومة مثل اقتراح تغيير الفاعل أحيانا أو طريقة عمله، وتركيزه على البعد المسلكي للعاملين في المنظمات غير الحكومية أو مؤسسات الممولين.

يرتكز هذا النوع من النقد على قناعة البعض بفاعلية التمويل وإمكانية تحقيقه للأهداف التي يعلن عنها، إذا ما التزم الفاعلون ببعض المرجعيات السلوكية من النزاهة وحسن إدارة المال العام.  تعتمد هذه القراءة السطحية لآلية التمويل على النوايا المصرح بها، وتغفل أو تتغافل عن البعد الأساسي للتمويل: الهيمنة. بكلمات أخرى، يتم إقصاء البعد الأهم من معادلة النقد ألا وهو الهيمنة و"استعمار الحقيقة" التي ارتسمت خيوطها بشكل واضح في سياسات الدول المهيمنة منذ الحرب العالمية الثانية، (للاستفاضة أنظر كتابات جلبر ريست أو ارتور اسكوبار).

أخذ هذا النقد المهيمن صبغة العقلانية وأحقيته دون غيره في التقييم كونه قام بتحييد الهيمنة وهي الشرط الضمني الأساس في التمويل. ولهذا نتج عن مثل هذا النقد طرح الأسئلة بطريقة لا تتلاءم مع الواقع، معتمداً، أي النقد، على عملية صقل الوعي وإشباعه ببديهيات هي أقرب للوهم. بل أكثر من ذلك، لقد قام مثل هذا النقد باستدخال الإطار المعرفي والبعد المفاهيمي لعملية التمويل وقام بتقديمها على أنها المرجعية القيمية التي يجب أن يعتمد سلوك الفاعل المحلي عليها، فصار هذا النوع من النقد من جهة أنجع وسيلة لإعادة إنتاج الهيمنة المقنّعة، ومن جهة أخرى صار مثل هذا النقد هو الذي يحتكر حقل النقد بأكمله. فأصبحت المؤسسات التي نشأت من قلب المنظومة نفسها، أي المنظمات غير الحكومية، بشكلها الحالي، والمستفيدة من المال السياسي وحتى البنك الدولي أهم المؤسسات التي تصدر الأدبيات النقدية لمنظومة التمويل نفسها.

عملية الاحتكار هذه ليست بريئة بل هي العملية الأهم في إخفاء الهيمنة وإقصائها من معادلة الجدل السائد في الأرض الفلسطينية المحتلة. إذن، احتكار حقل النقد يعمل على نشر الهيمنة المقنّعة من جهة، وإقصاء النقد الضخم أو التشكيكي من جهة أخرى. يرتكز النقد التشكيكي أو الضخم بشكله الأولي على عملية إماطة اللثام عن وجه هذه الهيمنة المقنّعة، ويقوم أساسا على إخضاع فرضية نجاعة التمويل نفسها للمساءلة. يعتبر النقد الضخم النظام الوليد بعد أوسلو على أنه مركب من مجموعة من أنصاف الحقائق وأنصاف الأوهام. قام المانحون بتركيب حقيقة استعمارية لفلسطين: "فلسطين المانحون" والتي اعتمدت على تشكيل وعي جديد حول حدود فلسطين وإعادة تعريف للحقب التاريخية بطريقة وهمية. فهذه الحقيقة المركبة ليست إلا تصويراً لحقبة أوسلو على أنها انفصال لما سبق من أجل إخفاء الحقيقة الدامغة المستمرة والمتصلة بل والمتسارعة: الاستعمار على الأرض، (أنظر دراسة صبيح صبيح، 2011، مقاتلو التنمية، بيسان).لفهم آلية الهيمنة هذه والتي يقوم عليها التمويل، أو لتفكيك طلاسم عالم التنمية النيوليبرالية، علينا التنويه أولا بأن هذا العالم تجاوز في آثاره المجتمع الفلسطيني وامتد في مناطق أخرى من دول الاتحاد السوفيتي سابقاً إلى القارة الإفريقية. أما في الحالة الفلسطينية، فالهدف الأساس حسب ما يصرح به المانحون هو سياسي بامتياز: "بناء السلام"، السلام الذي لا يتناقض مع استمرار الاستعمار طبعا، وجل تركيزه ينصب على نشر ما يساهم في "أمن إسرائيل" ومحاربة كل من يخرج عن هذه المعادلة مهما بلغت حجم الانتهاكات بحق الإنسان الفلسطيني وأرضه.

إستدخال الهيمنة وتحييد الاستعمار من قبل الفاعلين المحليين:

لا داعي للغوص في تاريخ المنظمات غير الحكومية خلال مرحلة ما قبل أوسلو، وهو عادة تاريخ يتم استحضاره لإضفاء الشرعية على حاضر هذه المؤسسات. ولكن ما نستطيع التأكيد عليه، وبكل حزم، أن ثقافة التمويل في ازدياد، سواء تجسدت عبر ثقافة المشاريع متعددة الفواعل والتي تخضع لسيطرة وإشراف مباشرين من قبل المؤسسات الدولية، أو عبر شبكات الجمعيات التي بدا وجودها مؤخرا جزءا أساساً من المشهد الفلسطيني، أو من خلال المؤسسات التقييمية التي تعطي شهادات الشفافية وحسن السيرة والسلوك، بل وحتى المؤسسات المحلية الضخمة التي تدعم مؤسسات محلية أخرى. جميعها تعتمد على التمويل الخارجي وتنذر بحقبة طويلة من إعادة إنتاج هذه المنظومة في أبشع صورها في حال ما استمر المال بالتدفق، (للمزيد: انظر المرجع السابق حول المشاريع المتعددة الأطراف وتناسق ثقافة المشاريع تحت الإشراف الدولي مع الخطاب والسلوك الرسميين للسلطة الفلسطينية ولآلية عملها).

بدأت عملية التمويل بشكلها الأولي تحت الشعار "التضامني" بعد أوسلو، فساهمت بمهننة بُنى المؤسسات، بمعنى أنها زادت من اعتماد هذه المؤسسات على الوظائف والرواتب. بقي الفرق التنظيمي قليلاً نسبيا في غالب المؤسسات في المرحلة الأولى، أي حتى نهاية التسعينيات، واكتفت القلة من هذه المؤسسات بصرف رواتب عالية لمدرائها. بينما تغيرت المعادلة بدخول الانتفاضة الثانية إلى المشهد الفلسطيني. ولهذا التحول سببان، الأول تجسد في الانسداد السياسي في المفاوضات، والذي دفع المانحين للبحث عن شركاء بدلاء في الوقت الذي كانت تتعرض فيه مقرات السلطة الفلسطينية للتدمير، والسبب الثاني دخول البنك الدولي بماله في عملية دعم مباشرة للمنظمات غير الحكومية ربما تكون الأولى تاريخيا في العالم. في هذه الفترة تحديداً، أظهر بعض مدراء المنظمات غير الحكومية بسالة في الانتهازية السياسية. فنسج بعض مسوقيهم بانتهازية فردية منقطعة النظير علاقاتهم مع الحكومات الأوروبية، وبدأ حينها المال الحكومي وتحديداً الغربي بالتدفق إلى هذه المؤسسات. وتضاعفت ميزانياتها بشكل دراماتيكي، وتضخمت بُنياتها ونشاطاتها حتى أصبحت هذه المؤسسات ماكينة لتفريخ المؤسسات الأصغر باسم التشبيك تارة، وباسم الخطط التنموية الشمولية تارة أخرى. فأصبحت مؤسسة تعمل في الصحة على سبيل المثال تجري ما يسمى بحوثا في مسألة الديمقراطية والجندر بحكم ارتباطها العضوي بشبكة من المنظمات التي قامت هي نفسها بخلقها. أحد أهم أسباب عملية التفريخ هذه هو عميلة التوجيه الممنهج للمشاريع من قبل الممول وعدم رغبة المنظمات برفض التمويل الخارج عن نطاق عملها. من أجل كسب المشروع، تقوم المنظمة الأم بخلق مؤسسة جديدة أو إضافة دائرة جديدة لبنيتها. ساهمت عملية التفريخ هذه بشكل مباشر في تفريغ الكادر الثاني من الفصائل الوطنية وإخضاعهم لهياكل معتمدة بشكل كامل على التمويل.  ويلاحظ أن ضرورات المحافظة على حلقة الوصل بين هذه المؤسسات وبين الممول، استلزمت أن يصبح جزء من هؤلاء المدراء وكلاء للمول من جهة، وصمام الأمان لجيش من كوادر التنظيمات الذين تم تفريغهم على هياكل المؤسسات المعتمدة على التمويل. وبالتالي، أصبحت عملية الحصول على وكالة من ممول ما، بمثابة الحصول على شرعية سياسية مرتبطة بدوام قدرة هذه الوكالة على خلق الوظائف أو تسديد الرواتب، على غرار ماكس فيبر في ربطه لشرعية السياسي بعدد الوظائف التي يعد منتخبيه بها.   

قبول التمويل الحكومي عبر مكاتب الدول التمثيلية في رام الله حوّل بعض المنظمات إلى إمبراطوريات بمعنى الكلمة؛ حيث أصبحت كل منها تعرف باسم مديرها. جزء من هذه المؤسسات لم يعد يكتفي بالأرض الفلسطينية  فدخلت في مراحل تشبيك على المستوى العربي حتى في مجالات تتجاوز عملها الجمعياتي، فكانت التمويلات الناشئة عن هذا "التشبيك" أضخم بكثير من أن تستطيع المنظمات القابضة للمال استيعابها دون تغيير جذري في بُنيانها. فحتى بافتراض أن هذا التمويل لم يكن سياسياً، ولم ينطوي على أي شرط سياسي، إلا أن ضخامة التمويل كانت أكبر شرط سياسي لإحداث التغيير دون حتى أن يقوم المانح بطلب ذلك. فالعملية ليست بالشروط المدرجة أو المعلنة بقدر ما هي في عملية التمويل نفسه الذي يقوم على ضمان واستمرار الهيمنة.

 لفهم هذه النقطة، يجب التذكير أن المنظومة التمويلية تقوم أولا على تجسيد الهيمنة. الهيمنة هنا ليست فقط بمعناها البنيوي، أي التبعية والاعتماد الاقتصادي أو حتى مأسسة الاعتماد واستدامتها، بل وتحديدا كون ميكانيزم/آلية التمويل يحمل في وجوده فعل عنيف يحصل بمجرد إعطاء المال. يتضح مفهوم الهيمنة هذه عندما تكون هوية المتلقي تختلف عن هوية المانح، سواء كانت هوية ثقافية أو سياسية أو دينية والاهم مؤسساتية وفكرية. فما بالكم عندما يكون التمويل حكوميا لصالح ما هو مفترض أن يكون غير حكومي. دون الدخول في الجدل النظري للدراسات الأنثروبولوجية حول الدعم والمنح، (للمزيد انظر: ماوس وجودلييه و جودبو)،أكتفي بالإشارة إلى تأثير المنح في هوية المتلقي الذي كنوع من العرفان أو كمحاولة "لسداد الدين" يمرّ بأزمة هوية تفرض عليه تقليد المانح. يظهر جليا هذا التقليد في استدخال قيم وخطاب وحتى الإطار الفكري لعالم التنمية حتى دون شروط. التنمية طبعاً ليست كمفهوم مرتبط بالإصلاح والتقدم وإنما تماما كما تقوم المؤسسات الدولية بالترويج لها، أي كمنظومة خطابية تخدم شرعنة التدخل الأجنبي في الشؤون المحلية من أوسع أبواب الأخلاق والنبل والحرص. وبهذا، تقوم هذه المنظومة بإعادة صياغة المحلي والوطني عبر تصور عالمي وبتجريده من كل سياق اجتماعي وسياسي وحتى تاريخي. بحكم التمويل تقوم المؤسسات المحلية بإستدخال هذا التصور ويصبح المرور للواقع والظواهر الاجتماعية والسياسية المحلية والوطنية بخطى وغربال الممول لا الفاعل المحلي.

صناعة الاحتياج وإقصاء الزمن:

وعليه، لا تحدث عملية الهيمنة التي يفرضها التمويل على غرار "اليد العليا خير من اليد السفلى" بالإكراه. فالتمويل أحد وسائل القوى الناعمة بعيدا عن القوة العسكرية الخشنة. لهذا، إنّ عملية قبول ممارسة الهيمنة من قبل الفاعل المتلقي للمال هي أحد أهم ركائز تجسيد هذه الهيمنة، ويتم إشهار هذا الخنوع بداية عبر عملية الموافقة على الدعم. ربما تكون الدونية والنفعية والانتهازية أسباباً لهذا القبول ولكن الأهم يكمن في عملية صناعة الاحتياج الذي يبرر بعدها قبول الدعم. فالتصوير السائد يقوم بتقديم المشروع الوطني على أنه رزمة من الاحتياجات، يتم فصلها عن سياقها التاريخي والسياسي والاجتماعي. عملية صنع الاحتياج من أهم مبررات الحصول على التمويل، لكن هذا لا يعني أن الأرض الفلسطينية المحتلة تمتلك ما يكفيها للنهوض دون مساعدة، بعيداً عن الاستفاضة بهذه النقطة هنا.

المهم في صناعة الاحتياج هذه هي اعتمادها لبديهيات مرتبطة بالمجتمع الاستهلاكي من جهة، وتقديم الاحتياج دون إظهار مسببه التاريخي أو حتى الموضوعي من جهة أخرى. على سبيل المثال، غزت الأرض الفلسطينية المحتلة جحافل السيارات (جيبات) الرباعية الدفع كضرورة من أجل التنمية بينما لا تشكل هذه الظاهرة إلا تجسيداً لمجتمع إستهلاكي ريعي يستهلك ما لا علاقة له بأدنى قواعد الإنتاج المحلي. أما بالنسبة لتقديم الاحتياج كأمر بديهي، فيتم التقديم دون النظر إلى المسبب التاريخي والسياسي لهذا الاحتياج. فمثلا يتم الحديث عن محاربة الفقر ومؤشراته دون أدنى حديث بشكل جدي عن سياسات الإفقار، أو عن السرقة الممنهجة لمصادر الشعب أو حتى عن المشاريع الممولة والتي يدمرها المحتل بشكل دائم. وفي حال تم الحديث عن المسبب فيكون العمل الشرعي الوحيد لمحاربته هو العمل الخاضع لشروط الهيمنة، (انظر لاحقا لعمل الأدفوكاسي/المناصرة كمثال).يتم طرح التعامل مع الاحتياج وإدارته دون اللجوء إلى أي فعل من شأنه إحداث أي تغيير في مسبب الاحتياج.لهذا وببساطة متناهية يقوم التمويل بدفع ثمن احتلال الأرض الفلسطينية وثمن تخريبه الممنهج والدائم لها تحت شعار التنمية ومحاربة الفقر، بينما يكون المقابل الفلسطيني من أجل الحصول على التمويل، هو الإستدخال الضمني للتصوير الإستعماري للحقيقة الوطنية، وبالتالي العمل وفق مراجعها وإقصاء أي فعل من شأنه أن يضع السبابة على الجرح، وتحديداً المقاومة على الأرض بكل أشكالها، إلا إذا كانت شعائرية تعتمد توقيتا محددا ومناطق جغرافية معينة، وغالبا ما تكون ممولة، وليس سلوكا دائما.

على الرغم من غياب وضوح الحدود الفاصلة بينها، يقوم تصوير المجتمع وفق هذه الرؤية "النيوليبرالية" على أنه تقاطع لثلاث قطاعات: المؤسسات غير الحكومية أو ما يسمى "المجتمع المدني"، والقطاع الخاص والحكومي، دون مراجعة مفهوم "المجتمع المدني" من ناحية نظرية من "هوبس" وحتى "ماركس" و"جرامشي"، وأود التنويه على أثر هذا المفهوم في صقل الوعي بعد أن تم الاستحواذ عليه اقتصادياً من قبل المؤسسات الدولية النيوليبرالية بعد تفاهمات واشنطن بداية التسعينيات والاكتفاء بإعطائه "وظيفة" فصل السوق عن الدولة وللتجميل بعض مهام (الدمقرطة والحكم الرشيد). ماذا يعني قطاع حكومي في مناطق لا سيادة فيها إلا للاحتلال؟ هي حكومات يتم التحكم بها عن بعد، عبر التمويل تارة، وعبر إشباعها بمجموعة من التكنوقراط الذين تشرّبوا فكر وأيدلوجية المؤسسات الدولية وعلى رأسها البنك الدولي. أين الفصائل مثلا من هذا التصوير خصوصا في مرحلة يراد لها ان تكون مرحلة تحرر وطني؟ الأدهى من ذلك، أين البرلمان أو المجلس التشريعي في حال اعتبارها مرحلة بناء لدولة؟ لا وجود لها في مثل هذا التصور، وحتى الزمان أو التاريخ يتم إعادة صياغتهما وفق مفاهيم الوهم التي تم بناء المنظومة التنموية عليها. فحساب الوقت هنا لا يقوم على أساس الوقائع على الأرض بما يعكس السياق التاريخي بل وفق توقيت المشاريع. يتم إعادة تحديد الزمن وفق المشاريع وتولد بدورها مشاريع جديدة بأزمان جديدة. يقوم تقييم المشاريع بناء على الزمن الذي قام المشروع في تعريفه وليس بناء على الزمن الذي يمر بالمجتمع، كيف لا وها هي أكثر من 20 عاما تمر دون القدرة على طرح مراجعة أو مصارحة حقيقية "لحقبة ما بعد أوسلو". بل على العكس يتم الحديث عن إنجاز مشروع هنا وآخر هناك. باختصار، يتم إقصاء الزمن من هذا التصوير ويتم إعلاء زمن المشاريع اللامتناهية. ففشل مشروع تنموي لا يعني فشل التنمية، وفشل مرحلة من مراحل أوسلو لا يعني فشل عملية السلام وفق هذا التصوير.

أصبح ببساطة زمن التنمية هو مقياس مؤشر المحاسبة بعد أن تم التلاعب بالزمن الفلسطيني وحتى إقصائه. هذا لا يقتصر على الحاضر وحده، بل يشمل التاريخ. لهذا يعمل حاليا بعض "المؤرخين" الفلسطينيين في مشاريع تطبيعية ممولة أوروبيا من أجل إعادة كتابة النكبة من ناحية إيجابية. بهذا يتم إعادة صياغة للسرد التاريخي ليتوافق مع الحاضر وفق التصوير الاستعماري الذي يتعامل مع الحاضر على أنه مرحلة ما بعد الصراع أو في أحسن الأحوال مرحلة نزاع.

إذن، التغيير الأول في بنية المؤسسات بعيدا عن النظرة الهيكلية هو تغيير معرفي وفي الهوية. هو تحول في طريقة الرؤية بحكم الهيمنة وضمان استمرار مثل هذه الرؤية يكون عبر استمرار التمويل نظرا لمأسسة التبعية حتى لو كان هذا التمويل دون أي شرط سياسي، المهم أنه يأتي من جهة تحمل هوية مختلفة عن المتلقي. مؤسسات "الشمال" بدورها والتي تدعم بعض المنظمات المحلية تخضع هي نفسها للهيمنة هذه بدرجة أقل كون اختلافها الثقافي مع حكوماتها أقل حدة من الاختلاف بين المنظمات المحلية والحكومات الغربية. فمنظمات "الشمال" تقوم، في غالبها باستثناء القليل، بتمويل مشاريع تتماشى مع رؤية حكوماتها الممولة لها، كونها هي نفسها تعاني من التبعية ولولا وجود التمويل الحكومي لاختفت معظمها. أي إن منظمات "الشمال" أصبحت وكيلة لحكوماتها كما أصبحت بعض المؤسسات في فلسطين أو مدرائها وكلاء لمموليهم لدى المؤسسات الأصغر أو لدى موظفي مؤسساتهم. يمكننا استثناء بعض المنظمات الصغيرة نسبيا والتي لا تقبل التمويل الحكومي وهي لا أثر لها بشكل عام في عملية التمويل.

علينا إذن فهم هذه الآلية بعيدا عن تقزيمها في شرط سياسي هنا، أو شرط أمني هناك، على أهمية هذه الشروط في عملية التدجين. فآلية الدعم الدولي نفسها تضمن في طياتها تجسيدا للتبعية. فالداعم عندما يعطي يضمن الهيمنة على المتلقي. يكبر حجم الهيمنة وتضخم أبعادها عندما تختلف هوية المتلقي عن هوية الداعم. بقبول التمويل يقوم المتلقي بتجسيد الهوية الفكرية والثقافية للداعم ويجعلها المرجع لمنظومته السلوكية. منظومة تحتوي على القيم وعلى المراجع القيمية، تضمن تعريف ما هو "عقلاني" وإقصاء ما هو "لاعقلاني"، فهي نفسها من يحدد حدود العقلانية، ونوع اللغة المستخدمة وطبيعة وإطار الفعل. 

شرعنة إطار الفعل المنسجم مع منظومة التمويل: "الأدفوكاسي" مثالاً

طبيعة الفعل الذي تستطيع المنظمات غير الحكومية تقديمه وفق منظومة التمويل هذه، وأقصد من ناحية اللغة المستخدمة، والأشخاص القادرين على تنفيذه، والأهم، الجهة التي يتم توجيه الفعل إليها، هو الفعل المنبثق من منظومة علاقات القوى هذه، وتحديداً الفعل ذو الطابع الحقوقي. على سبيل المثال لا الحصر، معظم المؤسسات تقوم الآن بما يعرف "بالأدفوكاسي" وما يتم ترجمته جزافا للعربية بالمناصرة. لا علاقة لهذا الفعل بقدرات المؤسسات وخبراتها بقدر ما هو نتاج لعملية إستدخال هيمنة المنظومة التمويلية. ربما ساهم في انتشار هذا النوع من الفعل وشرعنته وإعطائه الأولوية، الاستيراد غير السليم للنموذج الجنوب أفريقي. غير سليم كونه يتم استيراد النموذج دون التعامل مع السياق، وكونه يعطي أهمية للفعل الحقوقي بربط نجاعته بنتائج تم التعامل معها بمثالية ساذجة، بينما بقيت معالم الفصل العنصري ومنها الاقتصادية جاثمة على صدر عمال المناجم، (أنظر مقال علاء العزة 2012، فكرة التحرر وإقصاء الاقتصاد: جنوب إفريقيا وفلسطين، الأخبار).هذا الاستحضار دون غيره دفع الباحث خالد عودة الله لطرح السؤال التالي: لماذا يتم استحضار النموذج الجنوب أفريقي ولا يتم ذلك مع النموذج الجزائري؟

عملية التفضيل للحقوقي و لـ اللاعنف هي ببساطة الأفعال والقيم التي تتماشى مع التصوير الذي يحمله الممول الغربي عن الاستعمار في فلسطين، أي أنها مرحلة "ما بعد استعمار بل وحتى مرحلة بناء للسلام". فيأتي انتشار هذا النوع من الفعل الخطابي من جهة رداً على النقد الذي يتهم المنظمات غير الحكومية بالابتعاد عن النضال الفلسطيني، ومن جهة أخرى تجسيدا لنوع جديد من "النضال الناجع"ـ كونه مجرب تاريخيا وفق استيراد "نجاح" التجربة الجنوب إفريقية مثلاً، بما يتوافق مع منظومة قيم التمويل وتصويره. هذا الفعل السائد يظهر حجم التغير البنيوي الذي أصاب المنظمات غير الحكومية، فنجد أن لغة تقديم القضية الفلسطينية أخذت طابع القانون الدولي والإنساني وابتعدت عن لغة الواجب الوطني، التي قام الفلسطيني يوما ما بجعلها نموذجا لكل الشعوب التي تريد التحرر، ولربما دخلت كلمة انتفاضة العربية على سبيل المثال أغلب لغات العالم.

من يستطيعون القيام بهذا الفعل هم من يتم تقديمهم على أنهم خبراء، أو على الأقل ملمون ببعض المفاهيم الأساسية للقانون الدولي. بالتالي، هنالك عملية إقصاء لشرائح كبيرة من المجتمع الفلسطيني للقيام بفعل أساساً هو مرتبط بـ"النضال" والقضية لفلسطينية. عملياً، يصبح العمل للقضية الفلسطينية عملاً نخبوياً لا شعبياً على الرغم من تقديمه من قبل المنظمات غير الحكومية على أنه عملا قاعديا جماهيريا. أي انه باسم الإشراك تقوم المنظمات غير الحكومية بإقصاء شرائح كبيرة من المجتمع من فعل يتم تقديمه على أنه فعل يهدف للتحرير. أكثر من ذلك، إذا ما عملتم مراجعة سريعة ستجدون أن أدبيات "الأدفوكاسي" يصدر معظمها باللغة الإنجليزية، أي أن الفعل أصلا موجه للمجتمع المانح أكثر منه للمجتمع المحلي أو ضد الاحتلال. أي بكلمات أخرى، أصبح الشعب الفلسطيني غرضا معرفيا لمثل هذا الفعل والذي يأخذ غالبا صورة الخطاب بدلا من كونه الفاعل الأساسي في فعله التحريري على الأرض.

مثل هذا التصوير يوضح، أولا: مدى انسلاخ المؤسسات عن مجتمعاتها، وهذا لا يعني أنها كانت مرتبطة بها سابقا دون الدخول في تفكيك هذه "البديهية" هنا، ومدى ابتعادها عن الفصائل التي تعاني أصلا من سقوط حر، أحد أسبابه تفريغ كادرها السياسي في أجسام المؤسسات، ونهاية تحول فعل المواجهة إلى فعل عبر وسيط. مواجهة الاحتلال أصبحت تحدث في الساحات والمحافل الدولية وليس على أرض فلسطين، إلا في حالات شعائرية بتوقيت يعلن عنه مسبقا ويتم توثيقه بالصور من أجل النشر. هذا التحول بحسب وصف "جوفمان" معناه تحول الفعل من فعل إستراتيجي إلى فعل غير إستراتيجي، وهنا ربما تحول الفعل إلى خطاب. في الفعل غير الإستراتيجي لا يعتمد أثر الفعل على الفعل نفسه ولا على الفاعل بقدر ما يعتمد على مدى تجاوب الوسيط. الوسيط هنا هو ما يسمى المجتمع الدولي والذي عادة ما يتم تقديمه على أنه وحدة متجانسة يكفي استخدام لغتها للحديث معها. ولكن أليس هذا "المجتمع الدولي" تجسيدا لعلاقات القوى على مستوى العالم دون نسيان أن القانون الدولي نفسه قد يشكل أحد أهم وسائل فرض الهيمنة وتطبيع وجودها، بمعنى انه لك الحق في ذلك ولكن ليس الآن.

 إنّ الأفعال الموجهة إلى المجتمع الدولي يكون التركيز فيها على الإعلام والترويج، وهذا سبب تفوق عدد المصورين على المتظاهرين في النضال الشعائري، بكلمات أخرى تكون الكلمة الأولى فيها للصورة وليس للواقع، للتصوير وليس للحقيقة. مثل هذا الفهم يساعدنا على فهم آلاف الإنجازات التي تم الغناء لها مؤخرا من أرقام جينيس وغيرها دون أن يكون لهذه الإنجازات أي أثر ملمومس على الأرض. فعملية الإستدخال هذه ربما تظهر جليا في المنظمات غير الحكومية، إلا أن الرقعة اتسعت بعد أن بدأت بالجسم الرسمي الفلسطيني واتجهت نحو أجساد بعض الفصائل التي ما زالت نظريا تعارض أوسلو إلى يومنا هذا.

عملية تجزئة الوقت إلى مراحل وحتى إقصائه وإعطاء الأولوية للخطاب أو الفعل الخطابي العقلاني الفلسطيني في الوقت الذي ما زلنا فيه نرضخ تحت الاستعمار، أو بلغة أصحاب حل الدولتين، في الوقت الذي تضاعف فيه "الاستيطان"، يُطرح السؤال إلى متى هذا الترويج للتصوير الاستعماري على لسان المتحدثين باسم المنظمات غير الحكومية والفواعل الأخرى التي أصابها المرض؟

عودة لسؤال المقال حول دور المنظمات غير الحكومية في صياغة المشروع الفلسطيني أمام أجندات التمويل، ربما اتضحت الصورة أكثر الآن. فإذا لم يحاسب الشعب الذي يقبض مدراء المؤسسات باسمه، ربما يكون الحل بالتعفف؛ فلا هامش للحركة مع حجم التبعية الحالية وتحديدا أزمة الهوية التي أشرت إليها. والتعفف هنا أساسا موجه لمدراء المنظمات غير الحكومية وعرابي التمويل الدولي، فهم من يتحكم ويمتلك العلاقات مع الممول. كلما شعر أحد مدراء هذه المؤسسات بمسؤوليته الوطنية كلما وافق على تمويل أكبر تحت شعار محاولاته الحثيثة في إصلاح ما يمكن إصلاحه. الحل في أن يتعفف هؤلاء وبالتالي البدء برفض التمويل كون قواعد اللعبة أكبر من قدراتهم.

فالمسألة فاقت أزمة رواتب للعاملين في هذه المؤسسات، بحسابات بسيطة نستطيع أن نعرف أن ميزانية رواتب جميع العاملين في قطاع المؤسسات تكاد لا تتعدى عُشر ميزانية إحدى الإمبراطوريات. على مدراء المؤسسات أن يعودوا كما كانوا أفرادا عاديين وإلى أسفل الهرم، بعد أن وصلوا أعلاه بأقصر وأسهل الطرق: قبول التمويل والهيمنة على حساب المشروع الوطني الحقيقي. تعففوا يرحمنا وإياكم الله! فنحن بحاجة إلى المشروع الوطني غير المدجن او الهجين، وهو بالتأكيد بحاجة إلى بعض البسالة محلية الصنع تبدأ بإنهاء أوسلو أولا ليس كاتفاقية فقط، وإنما كحقبة من المفاهيم التي شوهت مشروعنا وهويتنا الوطنية.

-------------------------------

*صبيح صبيح:  باحث فلسطيني في علم الإجتماع مقيم في فرنسا، عضو الجمعية العامة لمركز بديل.