الصهيـونيـة، اليهوديــة، وإسرائيــل

بقلم: نهــاد بقاعــي

"نحن جيل مستوطن، وبدون الخوذة المعدنية والمدفع، لن نستطيع زرع شجرة أو بناء منزل. لا تدعوا الكراهية التي يشعر بها نحونا مئات الآلاف من العرب حولنا تثنينا عن عزمنا".
موشيه ديان، (1956).

أقامت الحركة الصهيونية دولة إسرائيل، ولكنها لم تنجزها، كما بنت الصهيونية "الأمة اليهودية" ولكنها لم تنجز بناءها. ورغم أن "إسرائيل" تقوم بموجب المفهوم الصهيوني كـ "دولة قومية" لليهود، بيد أنها لم تشترط وجود الأمة قبل الدولة، بل رأت أن الدولة تثبّت الأمة. وربما كان ذلك خيارها الوحيد، بالأخذ بعين الإعتبار عدم وجود أمة تنبت على أرضها دولة. وهنا، تظهر العقدة التي أفرزتها الصهيونية بعد إقامة الدولة، وهي أن على إسرائيل و"الأمة اليهودية" أن تظلا قيد التشكل، باعتبارهما مشروعين غير مكتملين، الى الأبد.

لقد أقيمت "إسرائيل" كمشروع كولونيالي صهيوني أوروبي خارج أوروبا، تغذى بمفردات الكولونيالية والقومية الأوروبيتين، وسلك مسلكهما. أما في مرحلة ما بعد الدولة، فقد بدا لحين أن الصهيونية قد فقدت مسوغات وجودها، لتنتقل الى التركيز على جوهرها، الذي سرعان ما أعادت صياغته باعتباره "وجوديا"، بفعل عدم اكتمال وليدتها "إسرائيل".

 

 واذا لفّ المخلوق الأخطار المحدقة، فلا بد لخالقه أن يأخذه بعنايته. ولكن في حقيقة الأمر، فإن القادة الصهاينة لإسرائيل قد عملوا دوما على تدعيم دولتهم من جهة، ولكنهم لم يطمحوا يوما بأن تبلغ دولتهم الاكتمال، وهو من نوع النبوءات التي تحقق ذاتها.

نسوق هنا مثلا للتوضيح. لقد شكلت الهجرة ولا تزال، ركنا مهما في الصهيونية على صعيد بناء الدولة، ضمن المبدأ الصهيوني الشهير "نفي المنفى" و "جمع الشتات". واستطاعت الصهيونية فعلا استقطاب الملايين من يهود العالم الى إسرائيل. ولكن إسرائيل أضحت مع الوقت أكثر تعلقا بيهود العالم في "شتاتهم" من تعلقهم بها، ومن هنا، كان لا بد من وجوب "نفي نفي المنفى" لضمان وجود أذرع إسرائيلية وصهيونية طويلة في الخارج، وخصوصا في مراكز صنع القرار الأوروبية والأمريكية.

في المقابل، فقد ظل مشروع بناء الدولة غير مكتمل، ودائما حسب الصهيونية، خصوصا في ظل الأخطار الوجودية المحدقة بإسرائيل، وعلى ضوء بقاء معظم اليهود خارج دولتهم الافتراضية، إسرائيل، التي بقيت بدون دستور وبلا حدود مُعرّفة، إنما حدودها أينما تصل أقدام جنودها، أو كما صرحت غولدا مئير عندما سئلت عن حدود إسرائيل: "عندما سنصل إلى الحدود سنخبركم".

وإذا كان هذا غير كاف، فإن "المصادرة" الصهيونية لجل "أراضي الدولة" التي كانت مملوكة من قبل الفلسطينيين العرب لصالح "الصندوق القومي اليهودي"، لهو أكبر دلالة على نزع جزء غير قليل من سيادة الدولة لصالح الصهيونية العالمية مباشرة على طريق أرجحة الدولة وزيادة تعلقها بالصهيونية، وللدقة، لضمان استقرارها، كدولة يهودية، من خارج مؤسساتها الدولانية.

والأخطر من ذلك كله، يكمن في أن الصهاينة قد أعطوا دولتهم طريقا واحدا للحياة، هو ضمان تفوقها العسكري واستعلاءها العرقي من خلال مبدأ "نفي الأغيار". وهنا، تعني الحقوق الفلسطينية المشروعة المتمثلة بالعودة والمساواة وتقرير المصير، تدميرا فوريا لإسرائيل، وهذا صحيح الى حد كبير. ولكن لا بد من التأكيد في هذا السياق، أن رهن حقوق الانسان الفلسطيني المشروعة بتدمير اسرائيل الذاتي هي مسؤولية الصهاينة وحدهم وليست مسؤولية الفلسطينيين بأي حال من الأحوال.

في أعقاب احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967، فكر الصهاينة في طرق التعامل، وطالما كان ضم الفلسطينيين ومنحهم المواطنة سيؤدي الى خلخلة التوازن الديمغرافي بين اليهود والعرب الفلسطينيين، فقد كان ثمة خيارين اثنين: دولة أبارتهايد رسمي أو دولة ديمقراطية لجميع مواطنيها. وفي نهاية المطاف، بدأت إسرائيل تعد للخيار الأول ولكن بشكل غير معلن، وأكثر فظاعة مما كان عليه في جنوب أفريقيا مع الوقت.

في المحصلة، إسرائيل التي تعتبر "شبه دولة" بحسب تعبير أبراهام بورغ، أصبح من الاستحالة فصلها عن الصهيونية، لأنها بدون ذلك، وببساطة متناهية، لن تكون "إسرائيل".
على صعيد الأمة، فإن الصهيونية وأيديولوجيتها تقف حائلة دون نمو قومية مستقلة في اسرائيل باصرارها العنصري على وحدة يهود العالم، وبرفضها انفصال هذه الدولة عن الغرب لتصبح جزءا من المنطقة المحيطة بها. من هنا، يظل المجتمع اليهودي في إسرائيل قيد التشكل مع وفود كل هجرة جديدة، وفي إنتظار تشكل آخر مع قدوم الهجرة التي تليها. وعليه، فقد ظل المجتمع اليهودي الصهيوني في إسرائيل يعيد إنتاج نفسه تباعا.

واذا كانت بوتقة الصهر، كعملية انسجام قسرية ترمي الى خلق اليهودي الإسرائيلي الجديد قد نجحت جزئيا في صهر اليهود الشرقيين (سفارديم)، وفشلت في صهر اليهود السوفييت، ونبذت اليهود الفلاشا، فهل ستنجح هذه البوتقة في صهر يهود أمريكا؟ قطعا لا. من هنا، تظل عملية بناء الأمة اليهودية، مستمرة وقيد التشكل، الى أجل غير مسمى.

ويرفع قادة إسرائيل في هذه الأيام من وتيرة مطالبهم بضرورة الإعتراف بـ "يهودية" الدولة، فيما ترفع أصوات فلسطينية عديدة من تركيزها على البعد الاستيطاني، الكولونيالي، العنصري لاسرائيل. بين هذا وذلك، لا يأخذ المسبب طريقه؛ أي الصهيونية. وبغياب فهم المسبب أو طرحه لن نفهم الناتج. فالصهيونية هي رب إسرائيل، وهي من كرس الاستعمار والاحتلال والتمييز والتطهير العرقي بحق الفلسطينيين أصحاب الأرض.

ثمة أسئلة استنكارية تعلو في هذا السياق: هل من الممكن أن تكون "إسرائيل" في صيرورتها الحالية غير صهيونية؟ أو من دون استيطان وتمييز؟ وعن أي يهودية نتحدث، عندما نتطرق الى يهودية الدولة؟
إنها حتما اليهودية المتصهينة. لقد تصهينت اليهودية جمعاء باستثناء حفنة صغيرة ممن تتواجد على هامش التاريخ وفي أحسن الأحوال غير مؤثرة في مسارات الحركة. لقد جرى تأصيل الدين في الفكر الصهيوني العلماني بشكل كبير.

القومية الصهيونية لا تنفصل بتاتاً عن العقيدة اليهودية ومفرداتها ومفاهيمها وتعاليمها، من هنا لا تُفرّق أغلبية اليهود بين دينها وقوميتها، وجهان لأيديولوجية واحدة، فكلمة "يهودي" تشير إلى الدين، وكلمة "صهيوني" تشير إلى الأرض (جبل صهيون في القدس). واذا كانت الصهيونية قد برزت كأحد الروافد في اليهودية في البداية، فإن اليهودية اليوم هي أحد روافد الصهيونية. لا يوجد يهودية بدون صهيونية، حتى الأرثوذكسية اليهودية التي لا تعترف بإقامة دولة اليهود قبل قدوم المشيح، قد تأسرلت بداية في إسرائيل الصهيونية، ثم تصهينت أخيرا، عبر إنشاء أحزاب لها ضمن المؤسسة الحاكمة في إسرائيل.

يبرز التركيز المفرط على اسرائيل كدولة يهودية، إذن، لأن الصهيونية التي تعلم تماما رفض العرب ومنهم الفلسطينيون لهذا الشعار، تحاول من خلال خطابها هذا أن تضع قلة اليهود العددية (كدين وقومية) في مواجهة محيط يضم ملايين المسلمين والعرب، وهو ما يضمن لها مجددا لعب دور الضحية مرة أخرى. إن هذا الخطاب، بالرغم من عبثيته، فإنه يرمي الى عرض الصراع كصراع أديان، أو صراع "قوميات"، مغيبا بيت القصيد: وهو أن هذا الصراع في حقيقته صراع بين حركة استيطانية استعمارية مع أصحاب الأرض الذين يطالبون بحقوقهم المسلوبة.

إن البعد الاستيطاني للصهيونية واسرائيل الذي نهش بلحم الفلسطينيين لا تحميه حقيقة كون بعض الصهاينة قد هربوا من قمع أوروبا، خصوصا في أعقاب الهولوكوست. فالعديد من المستوطنين في أمريكا الشمالية قد تركوا بلادهم هرباً من الاضطهاد الديني أو الفقر، كذلك في أستراليا والجزائر وغيرها. ولكن الأمر المدهش، هو في أن هؤلاء لا يكتفون بسلب الأرض وطرد السكان وإحلال آخرين محلهم، بل ويلحون على الضحية أن تعجب بهم، وتمنحهم الشرعية، وتقسم لهم الولاء.

في تسعينيات القرن الماضي، دعا عدد ممن اطلق عليهم إسم "المؤرخون الجدد" فكرة تحويل إسرائيل من "دولة يهودية" الى "دولة كل مواطنيها"، من خلال بحوث نقدية واجهت الصهيونية فكرا وممارسة. وسرعان ما صنف هذا التيار العلمي ضمن مفهوم "ما بعد الصهيونية"، ليس بدافع الثناء على الإطلاق، وإنما العكس صحيح. فقد تعرض هؤلاء الى الذم والقدح والشتيمة ولصق تهم الخيانة بهم. ورغم أن "المؤرخون الجدد" قد لاقوا ردودا محمودة، فلسطينيا وعربيا ودوليا، إلا أن هذا التيار سرعان ما تبدل وانحسر وتجمد، ويبدو أنه في طريقه الى لفظ أنفاسه الاخيرة، ليطفو على السطح تيار جديد يسمى "الصهيونية الجديدة"، وهم بخلاف الصهاينة التقليديين، أكثر استعدادا لترسيخ الطابع اليهودي للدولة، على حساب الحقوق المدنية، والتعددية الثقافية والمبادئ الديمقراطية.

ختاما، نقول بأن استمرار اسرائيل لا يعني بأي حال نهاية الصهيونية وإنما انتقالها الى مرحلة جديدة تعيد من خلالها عملية إنتاج الدولة والأمة. في المسار التاريخي، الصهيونية قد خلقت إسرائيل ككيان غريب وفي ظروف بالغة التعقيد، ولكنها في ذات الوقت أكثر من ساهم في عزلته وتشويهه وأرجحته وعدم اكتماله، وذلك للحيلولة دون نفي ذاتها.

____________
نهاد بقاعي هو باحث ورسام كاريكاتير، وهو مدير عام دار الأركان للإنتاج والنشر