افتتاحية العدد:الشعب الفلسطيني ما كان أبدا نعامة مميز

قبل أيام، في 11 كانون الأول، نظمت مظاهرة حاشدة في وسط تل أبيب هتفت خلالها عشرات الآلاف من الحناجر بـ "لا لا للتمييز... يكفي يكفي عنصرية". ربما يقال أن هذا المظاهرة تجيء كردة فعل على موجة التشريعات والتعديلات القانونية الإسرائيلية العنصرية الجديدة، ولكن هذا القول غير دقيق، إذ يسقط من اعتباره أن العنصرية الإسرائيلية في مستواها الحالي ما هي إلا محصلة لاثنين وستين سنة من الاستعمار الاحلالي، والتمييز العنصري، والاحتلال.

 ويسقط أيضا، أن الجماهير خرجت لا لتلوم إسرائيل أو الحكومة الحالية، بل لتصرخ في وجه المجتمع الدولي الذي فشل في تطبيق أي من قراراته المدرجة باسم الشرعية الدولية. فقبل اثنين وستين عاما، وفي ذات اليوم (11/12/1948) قرر المجتمع الدولي في القرار (194) وضع نظام خاص لحماية اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين بما يضمن تمكينهم من العودة إلى ديارهم الأصلية في اقرب وقت، واستعادتهم لممتلكاتهم، وتعويضهم عن كل ما لحق بهم من أضرار جراء تهجيرهم.

اليوم، يبدو جليا أن حرمان اللاجئين والمهجرين من حقوقهم، هو عنوان العناوين الذي يبرز استفحال العنصرية في مركبات "دولة إسرائيل"، وفشل المجتمع الدولي، واستحالة تحقيق السلام خارج صيغة الحقوق الكاملة، والعدالة الحقّة، والمساواة التامة. لقد آن الأوان لتأسيس رؤيتنا وإستراتيجيتنا ونضالنا الوطني على حقيقة أن الحل الجذري للصراع لا يكون بتجاهل التكوين العنصري لإسرائيل كمشروع استعماري احلالي. فالعنصرية، كما جاء في العدد السابق من جريدة حق العودة، ضرورة استعمارية، ويأتي هذه العدد ليكشف عن عنصرية إسرائيل، واستحالة ديمقراطيتها.

 العنصرية بالمعني العام والواسع للمفهوم ظهرت متلازمة مع ظهور الاستغلال، والاضطهاد، والاستبداد. وبكلمات أخرى، العنصرية كاعتقاد بتفوق الذات على الغير، أو بدونية الغير، سواء كان هذا الاعتقاد فرديا أو جماعيا، رافقت انقسام المجتمعات البدائية وظهور الطبقات. فرب الأسرة، أو شيخ العشيرة، ومن ثم رأس القبيلة، وصولا للسيد، فالحاكم وحاشيته من الأسياد والنبلاء، ما كان ليكونوا لولا وقوع التمايز الاجتماعي- الاقتصادي.

وبفعل تعمق ذلك التمايز وبلوغه حد الانقسام الطبقي للمجتمع الواحد، نشأت "ضرورات" إحكام السيطرة والهيمنة، أو إدامتها من خلال وسائل القمع المختلفة وعبر ما أصبح يعرف بالسلطة السياسية. هذه الضرورات التي ترجمتها الأنظمة والسلطات السياسية في وسائل القمع وأدواته المادية والمعنوية، تضمنت فيما تضمنت الحاجة إلى العنصرية كمفهوم، يمكن من خلاله تثبيت، و/أو تسويغ، و/أو تبرير، أو تشريع وتقنين سيطرة الحاكم المستبد.

لقد أفرزت عملية الترجمة هذه جملة من السلوكيات الفردية، والممارسات الجماعية التي تندرج اليوم ضمن مفهوم التمييز العنصري باعتباره التجسيد الفعلي للعنصرية كمفهوم أو ايدولوجيا. وباستفحال العنصرية والتمييز العنصري وصل الأمر إلى تحول السلوكيات والممارسات إلى درجة السياسات المنهجية في الممارسة العنصرية سواء من قبل الدولة أو المؤسسات، وهو ما أصبح يعرف بالتمييز العنصري المؤسسي الممنهج.

وبامتداد نطاق الاستبداد، والاضطهاد إلى خارج حدود المجتمع المحلي، انتقلت العنصرية والتمييز العنصري إلى المستوى الدولي عبر الحملات الاستعمارية بمختلف أشكالها، وذلك لضرورات الهيمنة والسيطرة على الشعوب المستضعفة.

العنصريون، كمنظرين وساسة، وفي خضم ممارستهم للعنصرية، لم يكتفوا بابتداع النظريات وترويج الفكر العنصري وتغليفه بصور شتى تتلاءم وتنوع العقل البشري واختلاف مستويات الإدراك باختلاف الأزمنة والأمكنة والظروف، بل طالما سعوا إلى تقنين العنصرية في أحكام وتشريعات مبرمة. وفي المقابل، طالما أبدعت الشعوب الحرة المكافحة في نضالها وتضحياتها لنيل حقوقها. فكما يقال شعب لا يقاوم مستعمريه، يستحق الاضطهاد. ولا نخال أن مرور اثنين وستين عاما من الاضطهاد قد تجعل من شعبنا نعامات.

هيئة التحرير