زيارات بديل لتقصي الحقائق: دروس من اجل العودة

المصدر: مركز بديل المصدر: مركز بديل

 إعداد: باسم صبيح، ومحمد جرادات*

مقدمة:

يعمل مركز بديل منذ عام 2002 على تطوير برنامج دراسات مقارنةعبر تنظيم زيارات دراسية وميدانية إلى عدد من الدول والمجتمعات التي كانت وما تزال ضحية لحروب وصراعات داخلية نتج عنها عمليات تهجير قسري جماعية للسكان وترحيل للسكان عن أماكن سكناهم الأصلية والاستيلاء على ممتلكاتهم، ترافقت مع عمليات تطهير عرقي، وإبادة جماعية وجرائم تعتبر حسب القانون الدولي، جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.

وتأتي أهمية تنظيم هذه الزيارات لإدراك وحدة حملة الدفاع عن حقوق اللاجئين في مركز بديل لمدى فعالية مثل هذه الدراسات، وخصوصاً أنها تركز على الآليات المتبعة دولياً لإعادة اللاجئين إلى أماكن سكناهم الأصلية، وتعويضهم حسب القرارات الدولية الخاصة بهذا الشأن. كما تأتي أهمية دراسة "العدالة الانتقالية" والآليات المطبقة من خلالها لارتباط المصطلح بشكل وثيق في السياسة الدولية، خصوصاً بعد نهاية الحرب الباردة، بوسائل تحقيق المصالحة عبر جبر أضرار الضحايا.

 
منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي، تناولت الدول والمجتمعات التي تنتقل من الديكتاتورية والاستبدادية والصراعات المسلحة إلى الديمقراطية واحترام قواعد حقوق الإنسان، الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان بشكل بناء، مستخدمة في ذلك آليات مختلفة للتعامل مع الفظائع التي ارتكبت في الماضي، بما في ذلك، المحاكمات الشعبية والدولية، لجان تقصي الحقائق والتعويضات، المتاحف، والمحفوظات، والتاريخ الشفوي...الخ. أما التجاوزات التي تتعامل معها الدول فتشمل جرائم الحرب، الإبادة الجماعية، التعذيبوالاغتصاب، التهجير القسري والطرد بقوة السلاح والاستيلاء على ممتلكات الغير، الإعادة والتعويض للاجئين، وجرائم ضد الإنسانية التي قد تكون ارتكبت من قبل حكومة معينة ضد شعبها، أو منقبل خصومها، أو من جانب المقاتلين في النزاعات المسلحة والأهلية أو الدولية.
 
وخلال الزيارات الميدانية التي أجراها مركز بديل في السنوات الثماني الماضية، والتي شملت البوسنة والهرسك، جنوب أفريقيا، قبرص، ومؤخراً يوغسلافيا السابقة، شارك العديد من نشطاء اللاجئين الفلسطينيين ونشطاء حقوق الإنسان الفلسطينيين في التعرف على طبيعة وجذور الصراعات في هذه الدول والمجتمعات، والآليات التي اتبعها المجتمع الدولي ومنظمات الأمم المتحدة المختلفة والمجتمع المحلي لمعالجة الإضرار الناتجة عن الصراعات السابقة التي دارت فيها. وقد وفرت هذه الزيارات الدراسية فرصة لتعلّم الدروس والعبر المستخلصة من ممارسات عودة اللاجئين واستعادتهم لممتلكاتهم وسبل إحلال السلام الدائم في هذه المناطق، وذلك من خلال عقد لقاءات مع وكالات دولية، ومسوؤلين رسميين من السلطات المحلية وممثلين دوليين، وكذلك مع ممثلين عن المنظمات الأهلية بالإضافة إلى الالتقاء باللاجئين والمهجرين أنفسهم.
 
في الفترة الواقعة بين 15-22 تشرين أول 2009، نظم مركز بديل بالتعاون مع جمعية ذاكرات الإسرائيلية زيارة تقصي حقائق ليوغسلافيا السابقة. خلال الزيارة، اطلع أعضاء الوفد من المؤسستين عن قرب على طبيعة الصراع الذي دار في البلقان وتحديداً الصراع بين صربيا وكوسوفو. الهدف من الرحلة الدراسية تمثل في إعطاء فرصة لنشطاء حقوق الإنسان من بديل وذاكرات للتعرف على الطرق التي استخدمت في عودة اللاجئين من المناطق التي هجروا منها خلال فترة الحرب، ومن ثم التفكير بشكل مشترك، وتطوير الاقتراحات والدروس المستفادة من التجربة في البلقان، والإفادة من هذه الدروس والعبر في رؤية سبل حل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني على أساس الحل العادل والدائم. 
 
انهيار يوغسلافيا السابقة، والخلفية التاريخية للصراع:
 
شكل إعلان برلمان كوسوفو الاستقلال عن صربيا بتاريخ 17/2/2008،  المرحلة الأخيرة من تفكك جمهورية يوغسلافيا الاتحادية السابقة. تأسست جمهورية يوغسلافيا السابقة عام 1945، وكانت تضم في تلك الأثناء ست جمهوريات هي: صربيا، الجبل الأسود (مونتنجرو) سلوفينيا، كرواتيا، البوسنة والهرسك، مقدونيا، إضافة إلى مقاطعتي كوسوفو ذات الأغلبية الألبانية (المسلمة) وفوفودينا ذات الغالبية المجرية.
تقع يوغسلافيا السابقة في منطقة البلقان، جنوب شرق أوروبا. يشتهر هذا الإقليم بالتنوع العرقي، واختلاف الطوائف. فبالإضافة إلى عرقيات يوغسلافيا السابقة، توجد في منطقة البلقان أعراق وأقليات كثيرة مختلفة، منها: الإغريق، الإيطاليون، الأتراك، البلغار، الغجر، المجريون، الرومان، وغيرهم. حتى أصبحت لفظة (بلقنة) ـ في مجال السياسة ـ تعني: التنوع العرقي المائل للتنافر والتمزق والانفصال.
 
استطاع الحزب الشيوعي اليوغسلافي، بقيادة الجنرال الصربي (جوزيف بروز تيتو)، توحيد دولة يوغسلافيا في اتحاد فيدرالي، ضم الأعراق المشار إليها آنفاً. وقد فرض تيتو الذي كان رئيساً ليوغسلافيا مدى الحياة ـ الاتحاد اليوغسلافي اقتصاديا وسياسيا فرضا، وأحيانا بقوة الحديد والنار. وقد استطاع أن يديمه رغم تنافر وتناقض مكوناته. في عام 1989 ألغى الرئيس الصربي سلوبيدان ميلوسوفيتش الحكم الذاتي الذي كان يتمتع به ألبان كوسوفو، وحكم الإقليم بالقوة مستخدما أساليب بوليسية وقمعية عنيفة. احتج  أهالي كوسوفو ضد الاضطهاد  الصربي لهم، واتخذ تنظيمهم طابعا قوميا وطنيا، اشتهر في قيادة النضال الكوسوفي حينها المثقف والأستاذ الجامعي إبراهيم روغوفا، الذي اعتمد منهج اللاعنف وسيلة للنضال الشعبي، ويرى فيه الكثير من الكوسوفيين غاندي البلقان أو لوثر أمريكا. في شهر 7- 1990  جرى استفتاء عام في كوسوفو حول الاستقلال أو البقاء ضمن جمهورية صربيا فاختارت الغالبية العظمى الانفصال عن صربيا وإقامة جمهورية مستقلة. وبعد شهرين نظم الألبان الكوسوفيون عصيانا مدنيا ضد صربيا. بتاريخ 24/5/1992، انتخب الألبان روغوفا رئيسا لجمهورية كوسوفو، ولكن لم تعترف صربيا بهذه الانتخابات. وحتى اليوم لم تعترف الأمم المتحدة بكوسوفو كجمهورية مستقلة، رغم أن 21 دولة أوروبية معترفة بها وأربعين دولة أخرى من العالم، أي ما مجموعه 62 دولة.
 
وفي سنة 1998، تأسس جيش تحرير كوسوفو وخاض صراعا عنيفا مع الجيش الصربي، فارتكب الأخير مجازر وحشية ضد المدنيين الألبان، مما أجبر المجتمع الدولي على التحرك.
 
دخل الكوسوفيون والصرب في مفاوضات مباشرة وبرعاية حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث عقدت جلسات المفاوضات  في قصر رامبوييه بفرنسا في شهر شباط 1999، ووافق الطرف الكوسوفي على المقترح الدولي لإحلال السلام في كوسوفو. واهم ما جاء في خطة السلام وضع كوسوفو لفترة من الوقت تحت إدارة الأمم المتحدة، لكن الصرب رفضوا الخطة.
 
بتاريخ 24-3-1999 أعلن الناتو الحرب على صربيا وشن طلعات جوية مكثفة على القوات الصربية وعلى بلغراد لإرغامها على الانسحاب من كوسوفو، وبعد 48 يوما من الغارات المتواصلة نجح الناتو في ذلك وأجبر الصرب على الانسحاب.
 
لكن خلال فترة الحرب زادت جرعات انتقام الجيش الصربي من ألبان كوسوفو فارتكب في حقهم ما وصفه خبراء القانون الدولي بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
 
وقد انتهت الحرب بتهجير حوالي 150,000 إلى 200,000 صربي من كوسوفو، ومقتل ما لا يقل عن 12,000 الباني وهذا الرقم غير دقيق وقد يكون عدد القتلى أكثر بكثير. كما نتج عن الحرب تدمير وإحراق أكثر من 128,000 بيت، وفقدان حوالي 3200 الباني لا يعرف لهم اثر حتى الآن. كما ارتكبت مجازر ضد الإنسانية خلال الحرب، اغتصبت خلالها أكثر من 3000 فتاة وسيدة، وتعرض عشرات الآلاف لتعذيب وحشي في معسكرات جماعية.
 
بعد انتهاء الحرب في منتصف عام 1999 أصدر مجلس الأمن قراره رقم 1244 الذي أشار فيه إلى أن إقليم كوسوفو جزء من صربيا/ يوغوسلافيا السابقة وحدد شكل ومهمات الإدارتين الدوليتين العسكرية والمدنية المكلفتين بإدارة الإقليم.
 
ووفقا للقرار الأممي فقد تشكلت قوة دولية تعرف باسم "كي فور" مؤلفة من خمسين ألف جندي، ينتمون إلى 39 دولة، ويتوزعون على خمس مناطق تتولى قيادتها خمس دول، هي: الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا. ومهامها تتلخص في: ضمان الأمن، مراقبة الحدود، وتسهيل عمليات الإغاثة الإنسانية.
 
ولم يحدد قرار مجلس الأمن جدولا زمنيا للانتهاء من هذه المهام، ولم يضع تاريخا لسحب تلك القوات. أما الشؤون المدنية فتديرها هيئة متخصصة تعرف باسم "أونميك" يترأسها ممثل عن الأمم المتحدة، يعد هو الحاكم الفعلي لكوسوفو، ودورها تنفيذي. وتنقسم هذه الإدارة المدنية إلى أربعة أفرع: فرع الأمن، ويتولى مسؤوليته ألفان وخمسمائة رجل شرطة، قدموا من بلدان مختلفة، فرع المساعدات الإنسانية، وتتولاه المفوضية العليا للاجئين، فرع بناء المؤسسات وترسيخ الديمقراطية، وهو تحت إشراف منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، وفرع الاقتصاد، ويتحمل مسؤوليته الاتحاد الأوروبي.
 
اللقاءات والزيارات الميدانية في بلغراد:
 
تم تنسيق مشروع بديل وذاكرات لتقصي الحقائق في يوغسلافيا السابقة من قبل معهد دراسات الصراعات في جامعة بلغراد، واشرف على تنسيق المشروع د. اورلي فريدمان، من قسم العلوم السياسية وحل الصراعات في الجامعة. في اليوم الأول من الزيارة، تعرف الوفد على طبيعة الصراع في البلقان وخلفيته التاريخية، والعوامل التي أدت إلى تفكك يوغسلافيا السابقة. قدمت د. اورلي فريدمان شرحاً مطولاً عن الأسباب التي أدت إلى انهيار وتفكك يوغسلافيا السابقة وتحولها إلى 8 جمهوريات مستقلة. كما تطرقت اورلي في محاضرتها إلى التركيبة العرقية المعقدة في هذا الإقليم، ومدى تأثير هذه الأعراق على الصراع الذي دار في البلقان. ولإعطاء صورة اشمل عن الصراع، وتسهيل فهمهه من الناحية النظرية، تطرقت اورلي الى القرارات الدولية الخاصة بالصراع في يوغسلافيا السابقة، والتدخل العسكري لحلف الناتو الذي نتج عنه قصف صربيا وعزل النظام وطرد الإدارة والجيش الصربي من كوسوفو. كما تطرقت إلى إحلال قوات دولية مكان الجيش الصربي، مثل الكي فور، والمكتب الدولي المدني، وقوة الاتحاد الأوروبي الشرطية والأمنية، وغيرها من منظمات الأمم المتحدة التي أصبحت الحاكم الفعلي في كوسوفو. وفي مداخلتها عن وضع اللاجئين في كوسوفو وصربيا، أشارت اورلي إلى أن اللاجئين والمهجرين داخلياً في صربيا وكوسوفو تنطبق عليهم اتفاقية اللاجئين لعام 1951، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وانه لا يوجد خلاف حول هذه الحقوق عند الحكومات الوطنية في البلدين. أما اللقاء الثاني، وهو عبارة عن محاضرة في آليات العدالة الانتقالية في البلقان، قدمتها بروفيسور داشا هاسيك، محاضرة جامعية في القانون الدولي فرع العدالة الانتقالية، فقد ركزت على مفهوم العدالة الانتقالية وكيفية تطبيقها في الأوساط الشعبية.
 
بدأ اليوم الثاني من الجولة الدراسية في بلغراد، بلقاء عقد مع مجموعة منظمة 484 استمر 4 ساعات، وهي منظمة أهلية تعمل في ميدان إحلال السلام والمصالحة في منطقة البلقان، وبتركيز على القضية الصربية-الكوسوفية، كما أن المجموعة عضو فاعل في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والهيئات المثيلة في الاتحاد الأوروبي. تعمل هذه المنظمة على عملية تحشيد الرأي والمناصرة لقضايا اللاجئين والمهجرين وحمايتهم في صربيا وكوسوفو، وذلك من خلال التنسيق مع السياسيين والبرلمانيين لسن تشريعات تسهل وتساعد العائدين على الاندماج في المجتمع. من البرامج التي يعملون عليها، برنامج تنمية الثقافة المحلية لاستيعاب اللاجئين باعتبارها عاملا هاما وأساسيا في التنمية المحلية وليس معيقا أو على حساب المصادر المحلية. 
 
بعد انتهاء اللقاء مع مجموعة 484، عقد لقاء آخر مع منظمة "فراكتال الشبابية"، وهي منظمة تركز في عملها على الشباب من أعراق مختلفة تعيش في صربيا وكوسوفو، وذلك لتجاوز حالة الصراع القائمة بين تلك الأعراق. يتركز عمل المنظمة على التوعية النظرية والعملية، وبناء مشاريع إنتاجية مشتركة لأكثر من شخص مختلفي الأعراق، مثل فتح متجر أو ورشة فنية، على اعتبار أن الاختلاط في المهنة والعمل اليومي يؤدي إلى التداخل الاجتماعي وبالتالي التصالح الاجتماعي.
 
في نهاية اليوم الثاني، حضر وفد بديل وذاكرات فيلما بعنوان: هل هناك من لديه خطة، يناقش الفيلم كل اللاعبين في السياسة الصربية-الكوسوفية، من سياسيين محليين بدءاً بالرئيسين ومروراً بالوزراء والقيادات الاجتماعية والسياسية والمنظمات الدولية.
 
اللقاءات والزيارات الميدانية في كوسوفو:
 
توجه الوفد في اليوم الثالث من الزيارة إلى كوسوفو، بحيث استمرت الرحلة في الحافلة مدة 8 ساعات. بعد الوصول إلى برشتينا عاصمة كوسوفو، حضر الوفد محاضرة في مركز دراسات حقوق الإنسان في جامعة بريشتينا، قدمها بروفيسور مينتور أغاني. تطرق خلال المحاضرة إلى تاريخ الألبان في كوسوفو ومبررات الانفصال عن صربيا، وخصوصاً الإهمال المتعمد للبلد من الحكومة الصربية بزعامة الرئيس الصربي المخلوع سلوفودان ميلوسوفيتش، وتحكمها بحياة الناس وممارسة الإرهاب والديكتاتورية على الشعب الكوسوفي (الالباني)، وإلغاء بند في الدستور الصربي يتعلق بالحكم الذاتي للكوسوفيين وضمها كمقاطعة إدارية للحكم الصربي، دون الرجوع إلى المجلس الحاكم المشترك والممثل فيه الكوسوفيين على قدم المساواة مع الصربيين. كان واضحاً أن المحاضر يسوق سياسات الولايات المتحدة وبريطانيا في المنطقة، على أنهما الحاميتان للديمقراطية وحقوق الإنسان والحافظتان لحقوق اللاجئين، حيث بدا تأثره الشديد بالسياسة الأمريكية وخصوصا فترة كلينتون وبوش الابن. وفي الحقيقة، يمكن القول انه بمجرد عبور الحدود بين صربيا وبلغراد، يلاحظ الفرق، حيث أن صور بيل كلينتون وبعض المظاهر الأمريكية واضحة في شوارع العاصمة بريشتينا.
 
بعد الانتهاء من المحاضرة، عقد الوفد لقاءً مطولاًمع الحركة من اجل تقرير المصير، وهي حركة شعبية غير حزبية، تسعى لتحشيد المجتمع الكوسوفي من اجل طرد الاحتلال "الدولي" لكسوفو باعتبارهم الحاكم الفعلي للبلد ويتمتعون بخيراته ويعملون على نهب خيراته وإفقاره دون إحراز تقدم ملموس في عملية التنمية، ونيل الاستقلال او إعادة الاندماج مع صربيا. ما يميز حركة تقرير المصير أنها ناشطة جداً ولها جمهور واسع من الشعب الكوسوفي، بحيث أن لديهم طرقا إبداعية ومميزة تتبدى في أساليبهم ونشاطاتهم النضالية ضد القوات الدولية التي تحتل كوسوفو، ومنها على سبيل المثال: تجميع القمامة المنتشرة بكثافة في شوارع العاصمة، وإفراغها على مداخل المباني الدولية، كنوع من الاحتجاج على تردي الخدمات البلدية. أيضا، قطع التيار الكهربائي عن القواعد والمباني الدولية، باعتبار أن كوسوفو لا يوجد فيها انتظام للتيار الكهربائي ومعظم ساعات اليوم تكون الكهرباء مقطوعة، حتى عن المباني العامة الكسوفية، وهذا ملاحظ بشكل واضح، حيث أن معظم المباني تستعمل مولدات الكهرباء. ومن عمليات الإبداع في الوسائل النضالية التي تستعملها الحركة، العمل على قلب سيارات الجيب الخاصة بالموظفين الدوليين في الساحات العامة، باعتبارها جزء من قوت الشعب ينعم بها مرفهون من دول العالم، فيما احدث السيارات المملوكة من الشعب أنتجت في ستينيات وحتى منتصف تسعينيات القرن الماضي.
 
زعيم حركة تقرير المصير في كوسوفو يدعى (البين كورتي)، وفي تعليقه على أهداف وأساليب النضال المختلفة قال: " ان نضالنا يمتاز باللاعنف كما يريدون، ولكن لا مانع أن تدمر ممتلكات ينعم فيها المحتل، أو من يستغل مقدرات شعبنا لصالحه"، وقال أن للحركة عشرات الأسرى، بسبب نشاطاتهم العنيفة ضد التواجد الدولي وضد خصخصة أملاك الدولة.
 
في اليوم الثاني من تواجد الوفد في كوسوفو، تم التوجه إلى مدينة ميتروفيتشا، على الحدود الجنوبية لصربيا والشمالية لكوسوفو. في عام 1999، وعند دخول قوات الناتو واندحار الجيش والإدارة الصربية قسمت المدينة إلى قسمين، صربي وكوسوفي، يقسمهما نهر ويربطهما جسر. وهي جزء من الأرض الكوسوفية، وفيها تواجد دولي لمختلف الأجهزة الدولية، ونظريا تخضع للإدارة الكوسوفية، إلا أنها تعيش حالة من الفوضى العارمة فهي مرتع للخارجين عن القانون ولكل أنواع التهريب والتهرب. وقد جرى في المدينة عملية تطهير عرقي بعد انهيار النظام الصربي من قبل الصرب في الجانب الذي كان فيه أغلبية صربية، وكذلك الأمر جرى تطهير عرقي في الجانب الآخر من المدينة.
 
وخلال تواجد الوفد في الشطر الجنوبي من المدينة،عقد لقاء مدته ساعتان مع مركز النشاط المجتمعي، وهو مركز مشترك صربي كوسوفي، يعمل على إعادة اللاجئين والمهجرين من الجانبين. وقد شبهت مديرة المركز المدينة بالعنزة الجرباء في البلقان، لان الكل يريدها ولا يريدها في ذات الوقت، حيث جرى تهجير أكثر من 12 ألف مواطن من المدينة من الجانبين، رغم أن المدينة كانت رمزا من رموز الاختلاط العرقي زمن يوغوسلافيا، ففيها عاش الجميع دون النظر إلى العرق او اللغة. وبدل من ان تقوم قوات الناتو التي احتلت المدينة بالسيطرة على الوضع، استحكمت تلك القوات على الجسر الرابط بين الشقين وعززت عملية الفصل والتطهير العرقي في الجانبين. تقول مديرة المركز: قامت القوات الدولية بهدم الجسر القديم، والذي كان يمثل لأهل المدينة مرحلة الرخاء والمحبة، وأقامت جسرا جديدا ننظر إليه كرمز من رموز الدمار والتفرقة".
 
يركز المركز في عمله على مجموعات من اللاجئين والمهجرين من الجهتين، وينظم للمجموعات زيارات ميدانية لأماكنهم الأصلية وما هو الوضع القائم، ويعملون على خلق أنشطة مشتركة بين العائدين والمجتمع المستقبل لإعادة دورة الحياة بينهم. بينما لا تقدم لهم الجهات الدولية المتواجدة في المدينة أي يد مساعدة، لا في مجال الدمج الاجتماعي ولا حتى تسهيل مهمتهم للتقريب بين الفرقاء من الجانبين.
 
وقد تطرق المتحدثون في اللقاء إلى التشريعات الوطنية في كوسوفو لتسهيل عودة اللاجئين، لكنهم أشاروا إلى أن الحكومة لم تضع آلية واضحة لإعادة اللاجئين، وقالوا أن هناك خوف عالي في أوساط اللاجئين من مجتمعاتهم الأصلية تتعلق بعدم قبولهم او الإساءة لهم. وأضاف المتحدثون، أن العديد من الأسر اللاجئة التي عادت واستعادت ممتلكاتها قامت بعد فترة وجيزة ببيعها او تأجيرها وانتقلت إلى مكان آخر أو عادت إلى مكان لجوئها السابق. وقد أكدت على قصور وتقصير دائرة الأملاك والبيوت الحكومية حيث أن العمل مع المجتمع المستقبل لتهيئته لاستقبال العائدين على مسألة مركزية في موضوع عودة اللاجئين. وعدم التهيئة قد يفشل أي آلية عملية لإعادة اللاجئين نتيجة ردات الفعل العفوية أحيانا والممنهجة أحيانا أخرى. في حال تعدد العرقيات من اللاجئين ومجتمع الاستقبال، فمن الواجب العمل على تهيئة الطرفين لضرورة احترام لغات ولهجات ورموز وثقافة كل عرقية للأخرى، لا محاولة فرض لغة طرف على آخر؛ الأمر الذي من شأنه إعادة فتح الصراع بين الأفراد والجماعات العرقية المختلفة على مصراعيها ونعود للدائرة العنيفة وخلق حالة من الطرد والطرد المقابل.
 
بعد الانتهاء من اللقاء في الشطر الجنوبي من المدينة، توجه الوفد مشياً على الأقدام إلى الشطر الشمالي من المدينة ذي الأغلبية الصربية، آذ يسمح فقط بعبور الجسر مشيا على الأقدام. وفي الشطر الشمالي من المدينة، عقد الوفدلقاء مع مركز تنمية المجتمع المدني لمدة ساعتين. المركز شبه حكومي صربي، ولكنه يعمل بغطاء منظمة أهلية، ويركز على إعادة اللاجئين الصرب إلى مواطنهم في كوسوفو، وليس لديهم مانع في إعادة اللاجئين الصرب إلى الجيوب – المعازل التي أنشئت لهم في داخل كوسوفو رغم تفضيلهم لعودتهم إلى مواطنهم الأصلية. يحظى المركز على دعم من وكالة التنمية الامريكية USAID ، ومن الوكالات الدولية الأخرى، ويقومون بالعمل على إنشاء البنية التحتية في الأماكن التي يختار اللاجئين العودة إليها. ومن تجربتهم العملية لاحظوا ضرورة شمل التجمعات السكانية المستقبلة او المحلية المنوي إعادة اللاجئين إليها في العملية التنموية والتطويرية، فهم يعملون الآن على خطة تتعلق بتنمية وتطوير البنية التحتية في بعض القرى والتجمعات التي طلب اللاجئون العودة إليها، بحيث تشمل إعادة تأهيل للشوارع، والصرف الصحي والمدارس والمرافق الصحية، وذلك لإشعار المجتمع المحلي المستقبل بأنه مستفيد من العودة، وركزوا في عروضهم على هذا الأمر لما فيه من ايجابية تنعكس على الجانبين المحليين والعائدين.
 
بعد الانتهاء من اللقاء، عاد الوفد إلى بلغراد حيث مقر الإقامة الرسمية، وقد استغرقت الرحلة من كوسوفو إلى صربيا حوالي 8 ساعات.
 
في اليوم الخامس والسادس من الزيارة، تم تقسيم الوفد من بديل وذاكرات إلى أربع مجموعات دراسية وكانت مهمة كل مجموعة عمل نقاش وطرح أسئلة حول المواضيع الأربعة التالية:
  1. آليات العودة، أو خلق ثقافة العودة.  
  2. استعادة الممتلكات والتعويض.
  3. إعادة التأهيل واستيعاب العائدين.
  4. العدالة والمصالحة.
 
وعلى مدار يومين من العمل، دارت نقاشات بين أفراد المجموعات حول المواضيع الأربعة المذكورة أعلاه، طرحت أسئلة كثيرة، وقورنت الخبرة التي جناها أعضاء الوفد من التجربة الصربية الكوسوفية مع الحالة الفلسطينية. وقد قدمت كل مجموعة ورقة عن المواضيع الأربعة المذكورة أعلاه، ويعمل كل من مركز بديل وجمعية ذاكرات على نشرها في المستقبل القريب.
 
وفي اليوم الأخير من الزيارة، عقد وفد بديل وذاكرات ندوة مفتوحة في جامعة بلغراد مع طلاب وأساتذة وناشطين صرب تحت عنوان، وكانت الندوة تحت عنوان: الحل العادل بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. جرى خلال الندوة عرض عملية تهجير الفلسطينيين وإحلال اليهود مكانهم وكيفية الحل العملي من اجل عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وذلك من خلال تقديم تجربة مركز بديل وجمعية ذاكرات. حضر الندوة حوالي 35 طالباً. ما ميز الندوة انه لم يأت أي سؤال يشكك في حق اللاجئين بالعودة أو متصالح مع الحركة الصهيونية، وهذا يدل على مدى التفهم العالي لقضايا اللاجئين في الجامعة وبين أوساط الطلبة الجامعيين.
 
الخلاصة:
تميزت الجولة الدراسية لصربيا وكوسوفو بتجربة غنية للمجموعة التي شاركت من ذاكرات وبديل. ويمكن القول، انه وبعد الانتهاء من اللقاءات والزيارات الميدانية في بلغراد وكوسوفو وبرشتينا، أصبحت الصورة لدى الوفد أوضح بكثير عما كانت عليه قبل إجراء الزيارة. لقد وفرت الزيارة للفريقين، فرصة جدية لتطوير مفاهيم جديدة للعمل مع اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين، كما أعطتهم الوقت الكافي لعمل دراسات مقارنة مع الحالة الصربية الكوسوفية.
 
--------------------------
 
* محمد جرادات: منسق وحدة حملة الدفاع عن اللاجئين الفلسطينيين في مركز بديل،
* باسم صبيح: منظم الحملات في وحدة حملة الدفاع عن اللاجئين الفلسطينيين في مركز بديل.