القرى الأصلية في جدارية -كي لا ننسى- الوطن الحاضر دائماً

القرى الأصلية في جدارية -كي لا ننسى- الوطن الحاضر دائماً

إعداد: جمعية كي لا ننسى/مخيم جنين

للعام الرابع على التوالي، تعقد جمعية كي لا ننسى النسوية شراكة مع مركز بديل لتنفيذ برنامج تنمية وتدريب الناشئة في مجال الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين. يستفيد من هذا البرنامج سنوياً 30 طفلاً أعمارهم تترواح بين 13-17 عاماً. وبعيداً عن الجانب النظري من خطة تطبيق البرنامج، فان الأطفال يشتركون في مجموعة من الأنشطة العملية التي تساعد على فهم المواد النظرية وتسهل على الأطفال استيعاب المنهاج بشكل يلائم أعمارهم.


وخلال عام 2009، نظمت الجمعية أنشطة ميدانية هدفها تعميم ثقافة العودة بين الجيل الناشئ في المخيم. وضمن خطة تطبيق برنامج الناشئة في فصله الأول، كان مطلوباً من المؤسسات الشريكة تنفيذ نشاط عملي يرسخ فكرة فلسطين التاريخية، خصوصاً بسبب رواج استخدام المصطلحات مثل الضفة الغربية وقطاع غزة والأرض المحتلة عام 1967، حصر وصغّر صورة فلسطين في ذهن الأجيال الناشئة وقصرها على أرض الضفة الغربية وقطاع غزة، وربما المتبقي ما بعد الجدار، وجعل من مدن وقرى الأرض المحتلة عام 1948 وكأنها ارض إسرائيل وليس لها ارتباط بفكرة فلسطين التاريخية بحدودها الانتدابية.

من هذا المنطلق، يتطرق التقرير التالي إلى نشاط مميز أقامه ناشئة جمعية كي لا ننسى في مخيم جنين تمثل في رسم جدارية عليها أسماء القرى الأصلية التي ينحدر منها الأطفال.

فكرة النشاط:
يبدأ برنامج تنمية وتدريب الناشئة في كل دورة بفصل دراسي مدته شهرين بإعطاء خلفية تاريخية عن فلسطين وكيفية نشوء قضية اللاجئين. ولإيصال الأفكار بسلاسة، يطلب من ميسري البرنامج إعطاء مادة نظرية للأطفال بعيدة عن المنهجية التلقينية، بحيث تكون مترافقة مع أنشطة ميدانية وعملية تساعد على ترسيخ المعلومة في ذهنية الأطفال. بعد إعطاء المادة النظرية عن أصول الشعب الفلسطيني والشكل الذي كانت عليه فلسطين أيام الانتداب البريطاني، طلب من الأطفال رسم خارطة فلسطين التاريخية في الصف الدراسي. بعد ذلك، قامت ميسرة البرنامج بتوزيع خارطة فلسطين على الأطفال، وطلبت منهم كتابة أسماء المدن الرئيسية على الخارطة. هذا التمرين عزز فكرة المدن والمعالم التاريخية في فلسطين عند الأطفال. ولتطوير العمل أكثر، طلبت مسيرة البرنامج من الأطفال إحضار أسماء القرى التي ينحدرون منها وساعدتهم في كتابتها على الخارطة.

من هنا، أدرك الأطفال أن أفضل نشاط يوثق فكرة فلسطين التاريخية يكون من خلال رسم جدارية تمثل خارطة فلسطين على احد جدران المخيم، بحيث تكتب أسماء القرى الأصلية التي ينحدر منها سكان المخيم على الخارطة.

تنفيذ النشاط:
حدد الأطفال بمساعدة الميسرة يوم لانجاز الجدارية، بعد ان قاموا بشراء المواد اللازمة لتنفيذ النشاط، مثل الدهان، والألوان والفراشي. ولإشراك اكبر قاعدة شعبية في النشاط، وجه الأطفال دعوة للأهالي والنشطاء الميدانيين في المخيم حتى يشاركوهم في نشاطهم.

أثناء تنفيذ النشاط، قام الأطفال برسم خارطة فلسطين على جدار مطلي باللون الأبيض، بعد ذلك كتب كل طفل اسم القرية التي ينحدر منها على الخارطة وبألوان مختلفة. عمل الأطفال بشكل جماعي، وعلى الرغم من حزنهم واشتياقهم لقراهم ومدنهم الأصلية، وخصوصاً أن اغلبهم لم تتح له فرصة زيارة الأماكن الأصلية، إلا أنهم عبروا عن سعادتهم بهذا العمل الجماعي، الذي من خلاله حفروا أسماء قراهم في الذاكرة والوجدان. كما أن السعادة عند الأطفال ازدادت عندما حضر الأهالي وحشد من النشطاء وممثلي مؤسسات المخيم نشاط الرسم. عملوا كخلية نحل، وكأنهم ولدوا في هذه القرى وليس في المخيم، عبروا من خلال رسوماتهم عن مشاعر الحب والحنين للقرى، وأرسلوا رسالة إلى العالم أنهم جيل يأبى النسيان.

بعد الانتهاء من الرسم، ألقت السيدة فرحة ابو الهيجاء رئيسة جمعية كي لا ننسى كلمه رحبت بالحضور من الأهالي والمؤسسات، وتطرقت إلى برنامج تنمية الناشئة وأهمية تنفيذه في مخيمات وتجمعات اللاجئين في الوطن والشتات. كما تطرقت إلى أهمية الأنشطة الميدانية التي تترافق مع تنفيذ البرنامج في غرس ثقافة العودة عند الجيل الناشئ، وقالت: إن رسم الجدارية يأتي ضمن استراتيجيه المؤسسة في زيادة الوعي الثقافي والتاريخي عند الأطفال، وخاصة أن هناك سياسة ممنهجة تقوم بها إسرائيل لشطب حق العودة وعزل قضية اللاجئين عن أية تسوية في المستقبل مع الفلسطينيين". أما السيدة هيفاء عامر منسقة مشروع الناشئة في الجمعية فقالت: إن فكرة تنفيذ مثل هذه المشاريع تساعد الأطفال على تعزيز الثقافة الوطنية وربطهم مع تاريخ أجدادهم وآبائهم، وتعزز نشر ثقافة العودة بين جيل وآخر".

هذا وقد ساهم أهالي المخيم وممثلوا المؤسسات من الذين حضروا اللقاء، بإعطاء الأطفال المزيد من المعلومات والحقائق التاريخية عن القرى والمدن الأصلية وما حدث لها، وربطوا ذلك الواقع المؤلم بما حدث في مخيم جنين عام 2002. كما عبر بعض الأهالي عن أن معاناة اللاجئين وتشريدهم المستمر لن ينتهي ما دام الاحتلال موجوداً. ولقد كان لحضور الأهالي ومشاركتهم اثر كبير على الأطفال، حيث أحسوا بالقيمة المعنوية العالية لعملهم.

فرصة للأطفال للتعبير عن مشاعرهم:
بعد الانتهاء من رسم الجدارية، ألقى بعض الأطفال كلمات قصيرة تطرقوا خلالها للمشاعر الجياشة التي تربطهم بقراهم الأصلية ومدى انتمائهم لهذه القرى على الرغم من مضي أكثر من ستين عاماً على النكبة. أحلام نوح إحدى المشاركات في مشروع تنمية وتدريب الناشئة تحدثت عن قريتها المهجرة اجزم وقالت:

إنني اشعر باشتياق كبير لرؤية قريتي اجزم، واستنشاق لهوائها ولمس ترابها، أنا لم ار قريتي إلا من خلال الصور، وهذه الصورة وأحاديث جدي وأبي عنها، لكن الصورة تدل على أن القرية جميلة بأشجارها وأراضيها، وليتني استطيع زيارتها والسكن فيها.

أما الطفل محمد حروب فقال: "قريتي الأصلية هي المنسي، والتي تقع قضاء حيفا، أتمنى أن أعود إليها حيث أنني لم أرها من قبل، وإنما اسمع عنها باستمرار من جدي وأمي وأبي، اشعر كل يوم أن هناك شيء ينقصني لأني لا استطيع الوصول إليها. أفكر دائماً في الصورة التي رسمها والدي لي عن القرية، ومن خلال مشروع الناشئة أصبحت اعرف أكثر عن قرانا الأصلية، والآن انقل المعلومات التي أتعلمها إلى أطفال آخرين، ودائماً أحاول أن ارفع من معنويات الأطفال بأننا حتماً عائدون إلى وطننا".

وفي ختام النشاط، قامت مجموعه الدبكة التابعة لجمعية كي لاننسى بتقديم عرض دبكة ورقص شعبي نال إعجاب الحضور.