في الذكرى الثانية والستين للنكبة - اللجان الشعبية في المخيمات: أداء سياسي مميز وعمل خدماتي متواصل

بقلم: د. زكريا الأغا*

تحيي جماهير شعبنا في الوطن والشتات الخامس عشر من آيار، الذكرى الثانية والستين للنكبة التي ألمت به عندما هجر وطرد من دياره في العام 1948 بقوة السلاح على أيدي العصابات الصهيونية، التي ارتكبت بحقه أبشع الجرائم التي عرفتها البشرية وتاريخنا المعاصر، ليتشتت في أصقاع الأرض بعيداً عن دياره، يفترش الأرض ويلتحف السماء. ولا يزال هذا الشعب بعد مرور تلك السنوات العصيبة والمريرة لأكثر من ستين عاماً ينتظر من المجتمع الدولي نصرته ورفع الظلم عنه وتحقيق العدالة الدولية بإقرار حقه المشروع بالعودة إلى دياره التي شرد منها.

ويبدو أن القدر كتب على شعبنا أن يبقى أسيراً لهذا المجتمع الذي لا يزال يواصل صمته حيال جرائم الاحتلال الإسرائيلي وعجزه عن تنفيذ قرارته التي صدرت عنه، وفي مقدمتها القرار 242 و 338 و 194 تلك القرارات التي تقر لشعبنا حقوقه المسلوبة وفي مقدمتها حقه العادل في العودة إلى دياره الأصلية وتقرير مصيره، بإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران لعام 1967 وعاصمتها القدس.

 

في هذه المناسبة الأليمة على شعبنا كنت أود ان اخصص مقالتي هذه حول ذكرى النكبة والتطورات والمستجدات السياسية التي رافقت قضية اللاجئين الفلسطينيين، لكن وبناءً على طلب الأخوة في أسرة تحرير صحيفة حق العودة ونزولاً عند رغبتهم خصصت مقالتي هذه حول اللجان الشعبية في المخيمات ودورها الخدماتي، وهو موضوع له أهمية؛ إذ جدير بنا أن نسلط الضوء عليه، خاصة وان اللجان الشعبية هي العمود الفقري للمخيمات، ولها دور مميز ورئيسي في متابعة قضية اللاجئين الفلسطينيين والدفاع عن حقهم في العودة، وقيادة الفعاليات المتعقلة بقضية اللاجئين وفي مقدمتها فعاليات إحياء ذكرى النكبة.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن اللجان الشعبية في الضفة الغربية وقطاع غزة تأسست في العام 1996م، كجسم شرعي يمثل اللاجئين الفلسطينيين، تحت إطار دائرة شؤون اللاجئين بمنظمة التحرير الفلسطينية التي تم تفعيلها وفقا لقرار المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الحادية والعشرين المنعقدة بمدينة غزة عام 1996، وذلك من أجل رعاية شؤون اللاجئين الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، فهي أحد الأذرع العاملة لدائرة شؤون اللاجئين كلجان طوعية تضم ممثلي القوى والفصائل الفلسطينية والمستقلين والفعاليات الاجتماعية والسياسية وأصحاب الكفاءات، والمؤسسات الأهلية، والأطر المدافعة عن الحقوق المدنية والاجتماعية والإنسانية للاجئين، والتي تعمل وفق قرارات وتوجهات القيادة السياسية للمنظمة.

أما اللجان الشعبية في مخيمات لبنان يرجع تشكيلها إلى اتفاق القاهرة الموقع بين م. ت. ف والدولة اللبنانية عام 1969؛ حيث نص هذا الاتفاق في بنده الثاني على "إنشاء لجان محلية من الفلسطينيين في المخيمات لرعاية مصالح الفلسطينيين المقيمين فيها، وذلك بالتعاون مع السلطات المحلية وضمن نطاق السيادة اللبنانية"، ورغم إلغاء مجلس النواب اللبناني في جلسته المنعقدة بتاريخ 21 / 5 /1997 اتفاق القاهرة من طرف واحد، إلا أن السلطات اللبنانية ما زالت تتعامل مع اللجان الشعبية داخل المخيمات بصفتها الجهة الرسمية للاجئين الفلسطينيين في لبنان؛ وان كان ضمن اطر ضيقة.

ويتمثل دور اللجان الشعبية في الاهتمام بقضايا اللاجئين القاطنين في مخيمات الوطن والشتات، إضافة إلى دورها الريادي في كافة المجالات الخدماتية والتعليمية والثقافية، حيث أثبتت قدرتها على العمل في تطوير الخدمات في المخيمات، والأخذ بمتطلبات اللاجئين، ومراقبة خدمات الانروا المقدمة، والاستجابة السريعة لاحتياجات وأولويات المخيمات. كما وتشرف اللجان الشعبية على المشاريع المقدمة للمخيمات من المؤسسات والدول المانحة ووكالة الغوث الدولية، وتعمل على تحقيق التواصل الاجتماعي داخل المخيمات، إضافة إلى دورها التنسيقي مع المؤسسات العاملة خارج المخيمات فيما يخدم أهدافها التي تصب في مصلحة أبناء المخيمات في كافة مجالات الحياة.

إن عمل اللجان الشعبية لا يقتصر على الطابع الاجتماعي والخدماتي، بل يمتد دورها للطابع السياسي، فهي ترمز إلى شعب لاجئ يدير أمره بنفسه، وتمثل الضمانة للاجئين الفلسطينيين في تثبيت حقوقهم المشروعة حتى تحقيق العودة ونيل الحرية بدحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وقد استطاعت اللجان الشعبية أن توازي بين العمل الاجتماعي والخدماتي ومعالجة قضايا المخيمات ومشاكل اللاجئين، وبين العمل السياسي في حشد وتفعيل الطاقة الجماهيرية لدعم منظمة التحرير الفلسطينية، والدفاع عن قضية اللاجئين وحقهم العادل في العودة والتعويض طبقا للقرار 194، ومواجهة كافة المشاريع التي تستهدف حق العودة، والسعي الدؤوب في الحافظ على وحدة قضبة اللاجئين في الوطن والشتات تحت مظلة دائرة شؤون اللاجئين بمنظمة التحرير الفلسطينية، وضمان استمرار الاونروا في تقديم خدماتها وفقا لقرار الجمعية العمومية رقم (302) الصادر عام 1949 الذي أنشئت بموجبه.

ومن منطلق الحرص على استقلالية عمل اللجان في المخيمات، فقد حرصت دائرة شؤون اللاجئين بمنظمة التحرير الفلسطينية على تخصيص مخصصات مالية كموازنة شهرية تصرف بشكل مستمر للجان الشعبية لتأدية مهامها بشكل مهني يخدم اللاجئين بعيداً عن التجاذبات السياسية، أو خضوعها لخدمة اجندات خارجية، أو سقوطها في شرك التحالفات الفئوية من جهة، ولضمان عدم انحراف بوصلتها عن الهدف الأساسي وهو الدفاع عن حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم التي شردوا منها في العام 48 من جهة أخرى. وهذا اكسبها ثقة أهلنا اللاجئين في المخيمات، وفي كافة أماكن تواجدهم، وعزز من أدائها السياسي واستمرار دورها الخدماتي مما يعزز صمود اللاجئين الفلسطينيين وتأمين الحياة الكريمة لهم، ويحفظ هويتهم التي سعى الاحتلال إلى طمسها، ويحمي حقوقهم العادلة والمشروعة وفي مقدمتها حقهم في العودة طبقاً لما ورد في القرار 194.

ولكي تبقى اللجان الشعبية الأذرع الأساسية لدائرة شؤون اللاجئين، ولضمان استمرارية أدائها وحيويتها في مواصلة خدماتها، ولترسيخ مبدأ الديمقراطية، فقد اتخذت دائرة شؤون اللاجئين قرارها باجراء انتخابات للجان الشعبية لضخ دماء شابة جديدة تعزز من ديمومتها ونشاطاتها داخل المخيمات بما يصب في مصلحة اللاجئ والمخيم وبما يحفظ الحقوق. وقد بدأت الدائرة باتخاذ الخطوات الفعلية نحو هذا التوجه ايمانا منها بالنهج الديمقراطي، وترسيخا لمبدأ التعددية والشراكة السياسية، خاصة أن قضية اللاجئين هي قضية الشعب الفلسطيني بكافة توجهاته السياسة، وان اللجان الشعبية تشكل التمثيل الحقيقي لشرائح المجتمع الفلسطيني بكافة فصائله وقواه السياسية.

--------------------------
* عضو اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف ، رئيس دائرة شؤون اللاجئين.