حضن واسع، أو هي الأرض التي فقدت

بقلم: سهير فراج*

كلما تم التطرق إلى قضية المرأة الفلسطينية اللاجئة، لا اسمع أو اقرأ غير سرد المعاناة، والتشرد، والفقر، والازدحام، وظروف الحياة القاسية، والتفرقة العنصرية، والحرمان والعنف وإقصاء الحقوق....الخ من الأوصاف والمصطلحات التي من الممكن أن تطلق على هذا الواقع الذي عاشته وتعيشه المرأة الفلسطينية اللاجئة عبر 62 عاما من النكبة. ب

ينما يتملكني في نفس اللحظات الإحساس بالعظمة التي تتصف بها تلك المرأة، فهي من استطاعت تحويل الضعف إلى قوة، والحرمان إلى طاقة، والحاجة إلى عطاء والازدحام إلى حياة مليئة بالتفاعل، والتمييز ضدها إلى تَميُز لها. كل هذا جذبني إلى المخيم، فقد سكن هو بداخلي قبل أن انتقل للسكن فيه. كان ذلك من خلال الأمهات اللاجئات ممن تفيض أحضانهن بحب كبير وحنان لا يوصف يتسع لكل فلسطيني، وكأنهن الأرض التي فقدن، كريمة ومعطاءة بالرغم من شُح الموارد.

مؤمنات بأن ثروتهن هي الإنسان، لذا حرِصن على أن ينشئن جيلا متعلما ومثقفا ومناضلا له من الكرامة والإباء ما يمنعه من قبول الذل والاستكانة، لذا نجد أبناءهن وبناتهن كما هن مناضلات ومناضلين لا يملون ولا يكلون، ولا يتأثرون بأي اتفاقيات تهدف لإلغاء حقوقهم. وهذا يبدو واضحا لمن ينظر إلى نسبة الأمية في المجتمع الفلسطيني التي تساوي 18.6% وتنقسم إلى ثلاث تصنيفات: الأمية في المدن وتساوي 5.2%، الأمية في المخيمات 5.9% والأمية في الريف 7.5 % وهذا يدلل على مدى الاهتمام بالتعليم والإصرار على تحسين الظروف الحياتية بالرغم من كل الظروف الموضوعية.

هنا بالتأكيد تلعب النساء دورا هاما في هذا التطور، خاصة وأنهن يشكلن اكبر نسبة بين النساء العاملات في فلسطين. فإذا ما قمنا بقياس نسبة عمالة النساء، سنجد أن نسبة عمالة النساء في المدن 9.8% وفي القرى 12% وفي المخيمات 16% من القوى العاملة. وبالرغم من رجوع ذلك إلى الظروف الاقتصادية الصعبة لدى سكان المخيمات، إلا أن ذلك انعكس ايجابيا على دور المرأة اللاجئة ومشاركتها في العملية السياسية والنضالية والجماهيرية، والحركة الاقتصادية والثقافية. وهذا ما نتلمسه جيدا من خلال العمل في الحركة النسوية، والعمل الجماهيري ومؤسسات المجتمع المدني بشكل عام. وكل ذلك يترك أثرا كبيرا على المرأة ذاتها، فهي النبع الذي يروي الجميع ولا يجد من يرويه، يوفر الحب والحنان والرعاية للجميع ولا يجد من يرعاه، فلم تعد الرعاية الصحية المقدمة من الاونروا للنساء كافية، ولا المعونة الغذائية التي لا تكاد تسد رمق أفراد من اللاجئين واللاجئات كافية، وهي حقوق للاجئين لا مِنّة ولا صدقة من الأمم المتحدة أو من أية دولة كانت. ولكن على ما يبدو أن هذه الخطوات هي تمهيد للتخلي عن مسؤوليات وكالة الغوث اتجاه اللاجئين واللاجئات، ومقدمة لإنهاء هذه القضية من الوجود.

الأمهات اللاجئات اللواتي يحدثن أبناءهن ليل نهار عن حكايات (البلاد)، والمقصود البلد الأصلي قبل اللجوء، وعن حق العودة، وليس مهما أين نختار العيش فيما بعد، المهم أن يكون لنا حق الاختيار، لن يسمحن بإنهاء قضية اللاجئين، وبالتالي قضية فلسطين كلها التي لن تنتهي طالما قضيتهم والمخيمات باقية، سواء كانت مبانيها بيوت جميلة أو زينكو أو حتى خيام، المهم أنها مخيمات أجبرنا على العيش بداخلها بعد الترحيل والتهجير رغما عنا.

------------------------
* سهير فراج: مخرجة فلسطينية.