بقلم: عبد الرحمن جميل أبو القاسم

أنا على الصعيد الشخصي عبد الرحمن أبو القاسم مواليد 1942 هُجِّرت من فلسطين من قرية متواضعة تنام على كتف الناصرة وتبعد عنها 7 كم اسمها صفورية، فيها دير قديم اسمه دير ستنا حنا، وستنا حنا هي أم السيدة مريم العذراء.

خرجنا ولا زال صوت القازان [برميل من البارود] الذي ترميه الطائرات يرعبني، خرجت بقدمين حافيتين، الشوك أدماني كما أدمى أقدام جيش من الأطفال المرعوبين الذين خرجوا مشردين. تسولنا في لبنان ومن لبنان إلى سوريا، سكنا في غوطة دمشق بعدها إلى الحسكة. ثم توجهت إلى دمشق حيث درست في مدرسة شكري العسلي، وفي المدرسة جاءنا رجل وقدم لنا ما يسمى بالتمثيلية فيها من الحركات والسحر ما دفعني لتقليد هذا الرجل، وأقامت المدرسة في نهاية العام حفلا قدمنا فيه تمثيلية كنت فيها ممثلا لدور بلال مؤذن الرسول وأجدت دوري وهذا أذكره دائما.

مدير المدرسة أعطى كل مشارك في المسرحية (صرة ملبس على لوز وأنا أعطاني صرتين) وأعتقد أن الصرة الأخرى هي التي قادتني إلى المسرح والتمثيل. ثم بدأت في المخيمات، حيث سكنا في مخيم اليرموك وانتسبت لنادي المخيم وكان ذلك عام 1954/1955.

 

وأذكر أننا كنا فريقا من 25 شخصا، وزارنا وفد أوروبي من بينهم امرأة أمريكية سألتني عن عدد أعضاء الفرقة، فأجبت 25 عضوا. قالت بعد عام كم سيكون عدد أعضاء الفرقة؟ أجبتها هل تظنين أننا سنعيش مئة سنة بالمخيمات؟ فاحتضنتني، وكان هذا دافع آخر للتمسك بالعمل.

بعد ذلك انتسبت إلى الفرقة المسرحية في دمشق وأولها (فرقة نادي الأزبكية) وكان مديرها عدنان مارديني ثم الفرقة السورية للتمثيل والموسيقى. قدمنا بعض الأعمال، وعندما انطلقت الثورة الفلسطينية شكلت في دمشق (فرقة فتح المسرحية) كنت أحد أعضاء هذه الفرقة فكرنا بأن نقاتل من خلال المسرح إلى جانب المقاتلين على الحدود. وفي هذه الفرقة جاءنا عدد من الأكاديميين أذكر منهم خليل طافش وهو في غزة الآن ونصر شما وصبري سندس.

قدمنا عددا من العروض المسرحية المعدة بشكل أكاديمي أو ما شابه وأذكر منها مسرحية (شعب لم يمت)، جلنا فيها على عدد من العواصم العربية، ومسرحية (الطريق) من تأليف وإخراج نصر شما، ومسرحية (محاكمة الرجل الذي لم يحارب) من تأليف ممدوح عدوان وإخراج حسن عويتي.

تنبهت منظمة التحرير الفلسطينية لأهمية المسرح وخاصة قيادتها الثقافية، لتروج لسياسة المنظمة وبرامجها فشكلت ما سمي (المسرح الوطني الفلسطيني) وأقمنا في هذا المقر الذي أجلس فيه الآن (دائرة الثقافة والإعلام، مقر مجموعة عائدون).

فتحت لنا المنظمة أفاقا لم تكن مفتوحة أمامنا سابقا، وكنا سفراء للقضية الفلسطينية دون منازع، وشكل المسرح الفلسطيني لبنة أساسية في جدار المسرح العربي وهذه اللبنة ذات قيمة خاصة على صعيد الفن والمسرح. في إطار المسرح الوطني الفلسطيني قدمنا عروضا مسرحية كثيرة تدعو إلى الثورة وتمجد الشهادة وتحث الناس على الصبر والصمود ورفع شأن القضية، لا تسعفني الذاكرة لذكر ذاك العدد من المسرحيات.

في عام 1982 ارتحلت القيادة السياسية والثقافية إلى تونس، وبعد عدة أعوام رحيل آخر ولكن هذه المرة إلى الوطن أو إلى أجزاء منه، نسوا تماما ما كانوا قد هيئوا له خلال سنوات ارتكازنا في الخارج هكذا، أتكلم عن المسرح الوطني الفلسطيني (تركونا على قارعة الطريق)، سامحهم الله كنا أكثر من 20 شخصا.

بجهود شخصية قدمت باسم المسرح الوطني الفلسطيني والذي لم يكن له وجود فعلي مسرحية (عمو أبو محمد) الذي حصلت على جائزة أفضل ممثل عربي في مهرجان قرطاج عام 1989 ومسرحية الشقيقة من نوع ميلو دراما، ومسرحية بيت العيد. بعد ذلك بدأنا نبحث عن لقمة العيش ولم نجد أمامنا سوى التلفزيون السوري الذي فتح ذراعه لكل الطاقات الفنية والشابة الفلسطينية، قدمنا فيه عددا من الأعمال، ذهبنا إلى الخليج وشاركنا في أعمال درامية.

لكن كما يقولون (اللي في شوكة بتنخزه) المسرح هاجسي فعدت إليه. قدمت باسم فرقة خاصة عرضين مسرحيين وآخر عمل لي مسرحية (بيان شخصي) باسم اللجنة الوطنية العليا للقدس عاصمة الثقافة العربية قدم هذا العرض في أكثر من عاصمة والآن نحن مدعوون لتقديمه في كندا.

عروضنا جميعها تحكي في قضيتنا (وضعنا- أفاقنا، تطلعاتنا، وبعدها العربي) إلى أين نريد أن نوجه سهامنا في هذه المرحلة المخصية من تاريخ الوطن العربي؟ وحتى أكون صادقاً، كانت أعمالنا في مرحلة السبعينيات أكثر ملائمة لوضعنا، فيها حرارة فلسطينية أكثر، قريبة من أحلام الشباب الثائر وتطلعاته، فكانت ملتزمة بالقاعدة الجماهيرية وتطلعاتها. أما أعمالنا الملتزمة الآن فهي تقدم القضية الفلسطينية باجتهادات شخصية، وللأسف لا يوجد دعم حقيقي لهذه الأعمال.

الآن بعد أن انتهت فعاليات القدس عاصمة الثقافة العربية للعام 2009، أقول أن القدس عاصمة الثقافة هي مشروعي الأزلي مع حلم العودة إلى الديار، أحيانا أجد نفسي عائدا إلى قريتي صفورية أتجول فيها لأنني أحفظ جغرافيتها، وأين سأزرع شجرة وكيف سأرتب حديقتها، وتجد من يقول بعد 62 عاما تفكرون بالعودة؟! نعم نحن ما زلنا نفكر بالعودة بل وأكثر، هل تعلم لدي 32 حفيدا عندما اسأل أصغرهم من أين أنت؟ يقول: من فلسطين من صفورية. فصفورية تعيش بين ظهرانيهم وهم يعيشون في ظهرانيها، وسنعود ولو بعد أجيال، إن لم يعد أحد أحفادنا سيعود أحد أحفاد أحفادنا.

من خلال المسرح أقول للفلسطيني: تلك أرضك... تمسك بحقك... وقاوم بكل أشكال المقاومة. وللعربي أقول: هذه قضيتك الأولى. وللغربي أقول: حتى لو لم يفهم لغتي، قضيتي عادلة وعدوي منتهك لكل القوانين.

أنا أريد أن يصفق الجمهور لما يقوله المسرحي- لما يقوله عبد الرحمن أبو القاسم من أفكار لا لشخص عبد الرحمن أبو القاسم على أدائه.

----------------------
* عبد الرحمن جميل أبو القاسم: فنان فلسطيني مقيم في سوريا.