×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

دور مؤسسات المجتمع المدني في التأثير على القرار السياسي الفلسطيني

تظاهرة في رام الله ,5تشرين الأول (تصوير: عصام ريماوي, ATJ) تظاهرة في رام الله ,5تشرين الأول (تصوير: عصام ريماوي, ATJ)

بقلم: رفعت عوده قسيس*
لا شك بان الدور السياسي للمنظمات الاهلية قد تراجع بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية. فإسهاماتها السابقة في العديد من الأنشطة والفعاليات الوطنية، وخاصة في مجال مقارعة الاحتلال، ومواجهة الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وفضح ممارسات الاحتلال وانتهاكاته لحقوق الشعب الفلسطيني، قد تراجعت واخذت شكلا يمكن ان يوصف "بالقانوني المهني" اكثر منه سياسي. لقد تراجعت هذه المؤسسات عن كونها مؤسسات شعبية مناضلة رافدة للعمل السياسي الى مؤسسات مهنية تقوم على الصفوة المنعزلة عن شريانها الرئيس ما قبل قيام السلطة الا وهي الاحزاب السياسية والتي، وعلى ضعفها القاتل، كانت ولا تزال قادرة على تشكيل الرافد والحاضنة الشعبية لهذه المؤسسات.

فمع "التمادي" في المهنية، فقدت المؤسسات دورها السياسي وخسرت قاعدتها الجماهيرية وقدرتها على التأثير. ضمن هذا السياق، اعتمدت المؤسسات أشكالا جديدة للتأثير، مختلفة تماما عن الأشكال المعتمدة تاريخيا، وارتضت بان تكون ادوات التأثير "شبه الوحيدة" هي الضغط والمرافعة، والتي غالبا ما تكون من وراء اجهزة الكمبيوتر. ولكي تستطيع هذه الادوات "الجديدة" ممارسة فعلها واستراتيجياتها، كان لا بد من توفر مقومات جديدة تحدد العلاقة بين تلك المؤسسات والمؤسسات الحكومية؛ أولها ترسيخ الحكم السليم وسيادة القانون، وفصل السلطات وتعزيز المساءلة والشفافية؛ أي جملة من الأمور التي لا زالت منقوصة في واقعنا السياسي. هذا بالاضافة إلى أن السلطة الوطنية لا تزال بدون سلطة حقيقية وقراراتها لا زالت مرهونة؛ إما بواقع الاحتلال، أو بواقع التمويل وما يمليه من شروط على السلطة تجعل قدرتها على صنع قرار سياسي مستقل شبه مستحيلة. بيد اننا، وبالرغم من ذلك، لا نستطيع القفز عن دور المؤسسات الأهلية في التأثير بالقوانين والتشريعات والأنظمة والإجراءات والسياسات العامة، ودورها الرقابي في متابعة عملية الإصلاح الداخلي، وبناء وتطوير الوعي المجتمعي.
هنا، وقبل الاستطراد في الحديث عن موضوع المقال، يبرز السؤال المشروع وهو ما مدى وجود قرار فلسطيني مستقل من اجل ان يكون لمؤسسات المجتمع مدني تأثير عليه؟ فالحديث الجاد عن الدور المفترض لمؤسسات المجتمع المدني في التأثير على القرار السياسي الفلسطيني متأثر بمجموعة من الاشكاليات المؤثرة في القرار السياسي نفسه أهمها:
• إجراءات الاحتلال التي لا تفرق بين السلطة ومؤسسات المجتمع المدني والتي تجرد في كثير من الاحيان السلطة من سلطتها وتصادر قراراتها وتعيق عمل المؤسسات الاهلية والعاملين فيها. فمن العوامل والتقييدات التي تؤثر بشكل مباشر في القرار الفلسطيني هو القرار الإسرائيلي. ويتجاوز هذا التأثير قدرة القرار الفلسطيني على مواجهته واحتواء آثاره. فالقرار الإسرائيلي لا زال يتحكم في مجالات السياسة والامن والاقتصاد الفلسطيني.
• الازدواجية في النظام السياسي بين صلاحيات/مسؤوليات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، والمزاجية واللامنهجية في رفع احداهن فوق الأخرى، وذلك بحسب الظرف والمصلحة السياسية الانية للطرف المهيمن على السلطتين. فالازدواجية واضحة حتى في السلطة نفسها، ما بين مؤسسة الرئاسة ورئاسة الوزراء، وما بين الاثنتين ومنظمة التحرير من جهة أخرى، وما بين منظمة التحرير وتنظيماتها المختلفة من جهة ثالثة،، الأمر الذي ما يجعل القرار في النهاية قراراً ضعيفا ويفتقر إلى الدعم والمساندة.
• الديموقراطية المنقوصة والمفصلة في كثير من الاوقات على مقاس ومصلحة الفصيل المهيمن؛ إذ يدور الحديث في كثير من الأحيان عن ضرورة فصل الاجهزة الامنية عن الفصيل السياسي المهيمن ومنحها استقلالية تامة، لكن واقع الامر يقول بان هذه الاجهزة محصورة في يد الفصيل عينه، حتى أن بعض قادة هذه الاجهزة لا يزال في قمة الهرم الفصيلي، وذلك في تناقض واضح مع ابسط مقومات اي سلطة مهما كانت طبيعتها. اضف الى ذلك، ضعف المؤسسات السياسية التمثيلية والتشريعية وغياب دورها بسبب حالة الصراع على الشرعية ما بين فتح وحماس.
• مدى حقيقة استقلالية المجتمع المدني الفلسطيني الفعلية واستقلالية قراره واجندته عن مصالح المانحين الممولين لمعظم مؤسساته ومكوناته. ففي فلسطين، كغيرها من دول الجنوب، يحتاج هذا القطاع للتمويل الخارجي من اجل دعم عمله. حاليا، تحتل مسألة التمويل الأجنبي للمنظمات الأهلية الفلسطينية مساحة كبيرة من الخلاف والجدل، بين هذه المنظمات والسلطة الفلسطينية من جهة، وبينها وبين الأحزاب السياسية من جهة أخرى.
يضاف إلى هذه الإشكاليات الأربع طبيعة العلاقة وتاريخها ما بين المؤسسات المدنية والسلطة الفلسطينية؛ حيث أن الطرفين وبالرغم من عمر السلطة الوطنية الذي قارب على العقدين، لا زالا بعيدين عن فهم احدهم للآخر، أو فهم أدوارهما المختلفة. ففي أحيان كثيرة يتم الحديث عن مفردات مفرغة من محتواها، كالحديث عن الشراكة، وأحيانا أخرى عن التبادلية، وأحيانا عن التنافسية، وأحيانا أخرى عن التكاملية. مع أن الواقع يقول ان دور المؤسسات المدنية لا يتخطى، في معظم الاحيان، موقع المراقب المغموم او الضاغط المستعين، عادة، بالرأي العام العالمي لعدم جاهزية نظامنا السياسي وضعف الرأي العام الداخلي على التحرك. فالخطة التنموية للسلطة مثلا تمت بعيدا عن مؤسسات المجتمع المدني، وبدون شراكة حقيقية معه او حتى استشارته. وعند الحديث عن الشراكة في العمل الدعوي الدولي نجد انفصالا واضحاً ما بين الطرفين كما حدث في تقرير جولدستون، حيث قامت السلطة بالتنسيق حتى مع الاسرائيليين والامريكيين لإجهاض محاولات الاستفادة من القرار وإجهاض العمل الدعوي للمؤسسات الأهلية الفلسطينية وشركائهم من المؤسسات الدولية المناصرة لقضيتنا. ومن ناحيتها، قامت هذه المؤسسات بالتعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية/ السلطة الفلسطينية كما تعاملت مع بقية الدول المعادية وشبة المعادية باعتبارها موضوعا للضغط.
هذا اللبس في العلاقة يرجع أحيانا إلى عدم وجود ثقة بين الطرفين، حيث أن معظم المؤسسات المدنية هي اما مؤسسات محسوبة على المعارضة السياسية، أو مؤسسات مهنية يتعلق دورها الأساسي في مراقبة السلطة ومراقبة انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهي منفصلة اصلا عن السلطة وأجهزتها، وغير قريبة من صانعي القرار، وتنظر للسلطة ككيان لا زال بعيدا عن الممارسة الديمقراطية وسيادة القانون، وفي بعض المناسبات تنظر هذه المؤسسات إلى السلطة على أنها منفذ لسياسات الاحتلال، فيما تنظر السلطة وأجهزتها في أحيان أخرى للمؤسسات المدنية باعتبارها معادية لما يسمى بالمشروع الوطني القائم، ومنفذة لأجندات خارجية.
يضاف إلى ذلك الحقيقة القائلة: حتى يكون لمؤسسات المجتمع المدني تأثير على القرارات المصيرية، فان هذا يتطلب أن يكون هناك نظام سياسي ديموقراطي مكتمل، تكون سلطة القانون محترمة ومبنية على احترام التعددية السياسية والفكرية، وتسود فيه امكانات المحاسبة والمساءلة للسلطة، وهذا الأمر غير قائم في نظامنا السياسي. فالمجلس التشريعي معطل منذ فترة طويلة، وحتى إبان عمله كان صوريا اكثر منه حقيقة فاعلة. باختصار، حتى يكون هناك مجتمع مدني مؤثر وفاعل، يجب أن يكون هناك سلطة حقيقية فاعلة ومؤثرة على الارض، وان تكون ديمقراطية، فيها فصل للسلطات، وبها مؤسسات فاعلة واجهزة امنية مهنية. ما يوجد في واقعنا هو نظام أكثر ما يمكن ان يقال عنه انه نظام منقوص الصلاحية او منزوع السلطة، ومرتهن بأوامر الاحتلال، فلا يستطيع احد ممارسة صلاحياته بدون موافقة المحتل الذي يستطيع نزع هذه الصلاحية واعطاءها متى اراد.
السلطة الوطنية الفلسطينية مقيدة في اتفاقيات اقل ما يمكن ان يقال عنها انها مجحفة بحقوق الشعب وبالسلطة نفسها، وبالرغم من ذلك فان السلطة، كما يبدو ومن جانب واحد، تحاول الحفاظ على هذه الاتفاقيات "وتمنع" المساس بها. في الوقت نفسه، فان معظم مؤسسات المجتمع المدني هي في تماس يومي مع اجراءات الاحتلال وعنفه وانتهاكاته لحقوق الإنسان، وتأخذ على عاتقها مقارعته وفضح ممارساته، والتي كثيرا ما تتصادم مع اجهزة السلطة، أو على الاقل تكون السلطة ضد هذه الاستراتيجيات، كحملة المقاطعة الشاملة لاسرائيل وسحب الاستثمارات منها مثلا، او حين تقوم اجهزة السلطة بالاعتقالات السياسية تحت حجة حماية المصالح الوطنية العليا. وتذهب السلطة احيانا كثيرة للتضييق على هذه المؤسسات حين تتخطى "الخطوط الحمراء".
للأسف، السلطة والمجتمع المدني يلتقيان في قضية واحدة وهي ان مرجعيتهم الاولي هي الممول وليس الشعب المغلوب على امره. فكأننا ندور في حلقة مفرغة نعرف بدايتها ونهايتها. فنحن نؤمن ان لا سلطة للسلطة وان قرارها مرهون بولائها؛ إما لقوى دولية او إقليمية، وهم يعلمون باننا لا نملك القدرة على التغيير او التأثير. يترافق هذا ايضا مع حقيقة ان معظم مؤسسات المجتمع المدني ليس لديها قاعدة جماهيرية تستطيع تحريكها للدفاع عنها عندما يلزم الأمر، أو تستطيع الضغط على السلطة وقت الحاجة. فقد أثبتت المعطيات الأخيرة أن قدرة المجتمع المدني مضافا لها الاحزاب السياسية عاجزة عن تحريك الشارع الفلسطيني، الأمر الذي يترك للمؤسسات اذا ما ارادت التأثير على القرار الفلسطيني، أن تلجأ للمجتمع الدولي الامر الذي يحرجها من جهة، ويقود إلى اتهامها بالاستقواء بالمجتمع الدولي من جهة ثانية، وبالتالي، يعطي للسلطة ولمؤسساتها الفرصة والامكانية لمهاجمة المجتمع المدني ووصفه بالاداة في ايدي الممول او الاجنبي بشكل عام.
إن آليات التأثير والضغط غير موجوده في نظامنا السياسي، حتى وفي ظل وجود المجلس التشريعي الذي كان فاعلاً قبل الانقسام لم تتمكن المؤسسات من استعمال هذه الاداة الهامة التي غالبا ما تستعمل في المجتمعات الديموقراطية للتأثير على اصحاب القرار. باختصار هذه اللعبة الديموقراطية غير موجوده أصلا، فلا عضو المجلس التشريعي، بالإجمال، عارفا لدوره من ناحية، ولا هو في حاجة لارضاء الناخبين من ناحية ثانية؛ حيث أن التصويت غالبا ما يكون على اساس عشائري او سياسي قبلي لا تمليه حقيقة البرنامج الانتخابي لهذا العضو او ذاك، أو ما يعمله بالنيابة عن الناخب ولصالحه، بل بما تمليه عليه القوى العشائرية والقبلية السياسية والتي لسان حالها يقول: "انصر أخاك حتى لو كان ظالما".
ضبابية النظام السياسي وازدواجيته يضع الجميع في خانة الضعف، ففي احد الاجتماعات الذي ضم بالاضافة لممثلي السلطة، ومنظمات المجتمع المدني، وممثلي الأحزاب السياسية على مستوى الامناء العامون، وأعضاء من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، كان لسان حال الجميع التذمر والشكوى من بعض القرارت المتخذة، ومن الآلية في كيفية اتخاذ هذه القرارات، الأمر الذي دفع باحد الحاضرين الى التساؤل عن ماهية الهيئة او الافراد الذين يقودون البلد وشؤونه اذا كان الجميع، وهم جميعا في قمة الهرم السياسي، يتذمرون من هذا الوضع ويتذمرون من تغييبه عن اخذ القرارات وعن كيفية أخذها.
في الختام، نستطيع القول بان الفلسطينيين يعانون من عدم القدرة على اتخاذ القرارات المستقلة، سواء عن الاحتلال او القوى الإقليمية أو الدولية. ولعدم القدرة أسباب متنوعة، منها غياب الثقافة الديمقراطية، وغياب آليات صنع القرار الديمقراطي المستقل. فالقرار السياسي الفلسطيني لا زال بعيدا عن الاستقلالية، ولا زال مرهونا في ايدي قلة مهيمنة ومرتهنة في اغلب الأحيان لقوى إقليمية ودولية تضعنا جميعا على اجندتها السياسية والاقتصادية. فاليوم نرى ان الجميع يجلس في نفس قفص الاتهام. فالكل يتهم الكل، قرار السلطة في ايدي اسرائيل وامريكا والدول المانحة، قرار الاحزاب المعارضة اما في ايران او دمشق، وقرار المؤسسات المدنية في أيدي المانحين، فمن هو صانع القرار الفلسطيني؟
نحن اليوم في امس الحاجة للوضوح، فقضيتنا الفلسطينية على مفترق طرق ولن ينفعنا لوم بعضنا البعض؛ بل علينا ان نتوحد فالوحدة هي صمام الامان. علينا جميعا العمل على خلق بيئة فلسطينية داخلية قوية ومتماسكة، يبنى ذلك من خلال تهيئة البيئة الديمقراطية لعملية صنع القرار السياسي، بيئة مدعومة ومحترمة من قبل الجميع: السلطة، والأحزاب، والمؤسسات، والاتحادات الشعبية، والحركات الاجتماعية. ومن الضروري العمل على النهوض بالثقافة الديموقراطية والعمل المشترك الهادف لرفع أداء السلطة والمعارضة في نفس الوقت، والعمل على سيادة القانون والقضاء على المحسوبيات وفكر الهيمنة والتسلط. اذا لم يتم كل ذلك فالسلام عليك يا وطن.
* رفعت قسيس: المدير العام للحركة العالمية للدفاع عن الأطفال- فرع فلسطين.