×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485
طباعة

شرعية التمثيل الفلسطيني واشتراطات التسوية

الرئيس عرفات يخطب في الجمعية العامة للأمم المتحدة ,13 تشرين الثاني 1974 (أرشيف الأمم المتحدة) الرئيس عرفات يخطب في الجمعية العامة للأمم المتحدة ,13 تشرين الثاني 1974 (أرشيف الأمم المتحدة)

بقلم: نضال العزة
في ظل تراكم الاصطلاحات ذات الدلالات والمعاني المبهمة غالبا، والعائمة قصدا، صار اصطلاح الحقوق الفلسطينية أو ما يسمى أحيانا بالمصالح العليا تضيع أو تُضيّع. فما بين "الشرعية" و "المشروعية" يناور الساسة، متقنو اللغة الدبلوماسية، في عرض وتناول الحقوق الفلسطينية. وفي تناولهم الدبلوماسي هذا، الذي قد يكون تأكيدا على الحقوق، أو انتقاصا منها، أو هدرا لها؛ وذلك بحسب القائل ونيته، لا يتوانى متقنو اللغة الدبلوماسية عادة عن استخدام اصطلاحات الشرعية الدولية، والمشروعية، أو الحقوق المشروعة، أو قرارات المجتمع الدولي، أو غير ذلك مما يضفي على التصريحات مهابة القانون، ويؤكد هيبة السند، ويوحي بوثوق المصرح بموقفه، وبما يضلل المتلقي طبعا، أو اقله، يدخله في حسابات تقدير النية والقصد.

وعلى المستوى الفلسطيني غدا واضحا أن اصطلاح الشرعية يتردد بمناسبة وبدون مناسبة، ضمن سياقات ذات صلة وأخرى غير ذات صلة بتاتا، حتى صارت، أو تكاد، الجملة المتضمنة اصطلاح كقرارات الشرعية الدولية البديل عن الحقوق الطبيعية أو التاريخية أو الوطنية للشعب الفلسطيني، وكأن ما يسمى خطأ الشرعية الدولية هو التعبير القانوني والسياسي المطابق تماما للحقوق الفلسطينية.

موضوع هذا المقال ليس مناقشة لماذا لم تطبق قرارات الشرعية، وليس البحث في شرعية ما شرع من قبل الهيئات الدولية، بل هو محاولة لاستجلاء معنى الشرعية ومدى جدية التمثيل الفلسطيني للحقوق الفلسطينية أمام الهيئات الدولية. ولا يفهم من هذا انه محاولة للمساس بمكانة منظمة التحرير الفلسطينية، بل هو نظرة على مصداقية الأداء.

في الشرعية والمشروعية

بدون إطالة، الشرعية كاصطلاح لها معنيان: الأول سياسي وآخر قانوني، وكلاهما يختلف عن اصطلاح المشروعية الذي هو اصطلاح قانوني صرف. وبحسب الراجح في الفقه القانوني- الدستوري والإداري، فان المشروعية تعنى إتيان السلطة أو الإدارة تصرفاتها وفقا للقانون النافذ في حينه، بصرف النظر عن محتوى القانون. وعليه، يصح القول أن ليس كل ما هو مشروع شرعي. في حين أن الشرعية في القانون لها معنى موضوعي وآخر شكلي. المعنى الموضوعي يتمثل في أن الشرعية مبدأ يتركز حول فلسفة القانون ومبادئ العدالة (المحتوى). بمعنى أن شرعية القاعدة القانونية تقاس بالنظر إلى توافقها مع المصلحة العامة، وأثرها اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا (فلسفة وأيديولوجيا النظام). والمعنى الشكلي يتمثل فيما يعرف باحترام مبدأ سيادة القانون ومبدأ المراتبية. والمعنى الشكلي للشرعية على هذا النحو هو سبب المزج بين الشرعية والمشروعية، لأنه قد يفهم منه انه إتيان الفعل كما في القانون. ولكن بالتدقيق، يظهر الاختلاف في أن المعنى الشكلي للشرعية يقصد به أولا مبدأ المراتبية؛ أي خضوع الأدنى مرتبة في القوانين إلى الأعلى، (الدستور، فالقانون العادي، فاللوائح/الأنظمة)، وثانيا سياسة الاحتكام إلى القانون النافذ، وليس تطبيق القانون النافذ. وبكلمات أخرى، موضوع المشروعية يتمثل فيما إذا كان الفعل موافقا للقانون أم لا، بينما في الشرعية الشكلية (وهي المعنى الشكلي لقاعدة سيادة القانون ومبدأ المراتبية) فتتمحور في وجود ثقافة الاحتكام إلى القانون ابتداء كسياسة عامة ومنهجية.

وفي علم السياسة، والذي يتداخل كثيرا مع القانونين الدستوري والدولي، تعنى الشرعية مدى "رضا المحكومين عن الحاكمين" بحسب تعبير ماكس فيبر، أو ان النظام/الحكم يكتسب شرعيته "ما دام اجماعيا، والعكس صحيح" بحسب روسو. ففي الفقه الموضوعي، الشرعية الحقيقية لا تتحقق بمجرد المراعاة الدقيقة للقانون، بل يجب أن تكون قواعد القانون ضامنة لحقوق الإنسان، كفرد ولحقوق الشعب عامة، وهذا ما يطلق عليه بالشرعية الشعبية، أو الشرعية الثورية، أو الشرعية الاشتراكية. ولعل أهم ما في هذا المذهب انه يرى أن الشعب يملك دائما حق تغيير السلطة، إذا أخلت بالتزاماتها تجاهه.

ويظهر التداخل بين مفهومي الشرعية والمشروعية أكثر ما يظهر في المسائل الدستورية، خصوصا التي تنشأ عند إقدام السلطة على تشريع أو القيام بعمل قد يكون أو يبدو مخالفا للدستور، أو القانون الأساسي، أو ربما البرنامج الثوري- التحرري بحسب الحال. ذلك أن مثل هذه القضايا بطبيعتها ليست قانونية محض، بل تنطوي دائما على بعد سياسي عام (المصلحة العامة). وعند توصيف هكذا حالة، فقد درج استخدام اصطلاحات مثل عدم الدستورية، أو عدم قانونية العمل، أو لا شرعية الفعل. وقد نتج عن هذا الاعتياد المزج الحاصل بين المشروعية كاصطلاح قانوني صرف، والشرعية بمعناها السياسي، وبالمعنى القانوني الموضوعي.
نخلص مما سبق، أن اصطلاح "الشرعية الدولية" (او قراراتها) ليس بالضرورة تجسيد للحقوق، وان الحقوق المشروعة تكون شرعية ما دامت تتفق مع الحقوق الأصيلة للأفراد والشعوب، وتتحقق من خلالها مبادئ العدالة. ولذلك، فان استخدام اصطلاح الشرعية الدولية على إطلاقه فلسطينيا غير دقيق، خصوصا إذا اخذ بعين الاعتبار المسعى الدولي المهيمن للانتقاص من الحقوق الفلسطينية.

في الشرعية الفلسطينية:

لقد اكتسبت منظمة التحرير الفلسطينية شرعيتها من طليعتها في التضحية ومن قيادتها للنضال بكافة أشكاله، واكتسبتها من الجماهير الفلسطينية التي أولتها قيادة العمل واستجابت لتوجيهها... واكتسبها من تمثيل كل فصيل ونقابة وتجمع وكفاءة فلسطينية في مجلسها الوطني ومؤسساتها الجماهيرية، وقد تدعمت هذه الشرعية بمؤازرة الأمة العربية كلها لها... كما أن شرعيتها تعمقت من خلال دعم الأخوة في حركات التحرر ودول العالم الصديقة المناصرة التي وقفت إلى جانب المنظمة تدعمها وتشد أزرها في نضالها من أجل حقوق الشعب الفلسطيني... إن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وهي بهذه الصفة تنقل إليكم تلك الرغبات والأماني وتحملكم مسؤولية تاريخية كبيرة تجاه قضيتنا العادلة.

بهذه الكلمات حدد الرئيس الراحل ياسر عرفات مصدر شرعية م ت ف، وسندها، وأساس ديمومتها، ومعيار مصداقيتها. فهي مكتسبة بفعل "النضال بكافة أشكاله" (وليس بالدبلوماسية وحدها كما بيّن الخطاب في مواضع أخرى). وهي مستمدة من إرادة الجماهير الفلسطينية (والجماهير هنا جاءت بمعنى الشعب الفلسطيني بحسب سياق النص والخطاب). وهي مرتكزة إلى الوحدة الوطنية (لم يستثن الآخر من الإطار الجامع الذي يمثل الفصائل والهيئات المدنية والكفاءات). وهي مدعومة بمواقف الأمة العربية (لم يقل الأنظمة باعتبار أن البعد العربي للقضية مستند إلى إرادة الشعوب العربية بصرف النظر عن شرعية الأنظمة في نظر شعوبها، وبغض النظر عن مواقف الأنظمة من القضية ذاتها). وهي عميقة لأنها مسندة بمواقف حركات التحرر، والدول الصديقة، والمناصرة (والخطاب هنا لم يستثن الدول الغربية فقط، بل حدد معيار الصداقة والمناصرة؛ أي مناط العلاقات الدولية، بدعم وإسناد النضال الفلسطيني من اجل حقوقه). وبين أن دوام الشرعية رهن بمصداقية التمثيل، الذي يتجسد في الدفاع عن والنضال من اجل حقوق الشعب الفلسطيني.

لقد كان لدى م ت ف في حينه الشجاعة والقدرة الكافيتين على طرح الحقوق الفلسطينية والتصريح بها بوضوح لا لبس فيه ودونما خجل، وبصرف النظر عما قد يترتب على هذه الصراحة أو ذلك الوضوح من عدم رضا القوى والدول المؤثرة. ويبرز ذلك في طرح الحقوق في الخطاب بقوة كموضوع تطبيق، لا موضوع بحث أو مفاوضة.

قوة الموقف الفلسطيني آنذاك ظهرت أيضا بجلاء في التأكيد على أن الأمم المتحدة، أو خيار "الشرعية الدولية" ليست الخيار الوحيد، وان اللجوء إليها لا يأتي استجداء، بل لأنها تتحمل "مسؤولية خاصة":
... وإننا، حين نتكلم من على هذا المنبر الدولي، فان ذلك تعبير في حد ذاته، عن إيماننا بالنضال السياسي والدبلوماسي، مجال معزز لنضالنا المسلح، وتعبير عن تقديرنا للدور الذي من الممكن للأمم المتحدة أن تقوم به في حل المشكلات العالمية، بعد أن تغيرت بنيتها في صالح أماني الشعوب وفي حل مشكلتنا التي تتحمل فيها هذه المؤسسة الدولية مسؤولية خاصة.

رغم أن م ت ف آنذاك كانت قوتها الأساسية مستمدة من كفاح فصائلها، وليس من حجم وتعقيد علاقاتها الدولية الرسمية، فقد استطاعت في مخاطبتها الأمم المتحدة لتحمل مسؤوليتها الخاصة، وبحضور الإسرائيليين، والأمريكيين، والأوروبيين أن ترفع الصوت بالقول:

... وقد استطاع هذا الكيان الصهيوني، وبدعم من دول الاستعمار والامبريالية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، أن يتحايل على هيئة الأمم لقبوله في عضويتها، ومن ثم على شطب قضية فلسطين من جدول أعمالها، وتضليل الرأي العام العالمي بتصوير المشكلة كمشكلة لاجئين بحاجة إلى عطف المحسنين أو إعادة توطينهم في بلاد الآخرين.

ربما ليس من الحكمة أو الدبلوماسية في الوقت الراهن استخدام ذات الاصطلاحات، رغم صحتها، ولكن الغاية من هذا الاقتباس التدليل على أن عدالة القضية، وشرعية الحقوق، ومشروعية النضال، تقتضي بالضرورة وضوح اللغة وقوتها بصرف النظر عن رضا وتقبل "الخصوم" من عدمه. طبعا، مغزى المسألة ليس القدرة اللغوية الخطابية، بل القدرة على طرح الموقف الذي يعبر عن الواقع، والحقوق، وإرادة الشعب (انظر أدناه).

عن الاعتراف الدولي ودلالاته
يشكل اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974 بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، ومن ثم منحها صفة العضو المراقب، احد أهم انجازات م ت ف منذ نشأتها وحتى اليوم. وقد كان لهذا الاعتراف في حينه، دلالات عدة مباشرة وغير مباشرة وعلى مستويات مختلفة. تمثلت أهم الدلالات المباشرة على المستوى الدولي في الاعتراف بالفلسطينيين كشعب ذي هوية وطنية، وبحقوقه غير القابلة للتصرف. أما على المستوى الإقليمي، فتمثلت في قطع الطريق على منازعة م ت ف أحقية التمثيل. واهم الدلالات غير المباشرة على المستويين الدولي والإقليمي تمثلت في الإقرار بان سياسة التقرير بالنيابة عن الشعب التي اتبعتها الهيئات الدولية والإقليمية أو الدول منفردة و/أو مجتمعة منذ صك الانتداب مرورا بقرار التقسيم وما تلاه من قرارات، ما عادت تجدي. ورغم الاعتراف الرسمي بالمنظمة، ورغم أهمية الدلالات المباشرة أو غير المباشرة، إلا أن ذلك لم ينه السعي لفرض الحل على الشعب الفلسطيني، ولم يقد إلى إنهاء منازعة م ت ف على استقلالية قرارها، بل نتج ذلك في تغيير الإستراتيجية.

التمثيل وسيلة نضالية
ترتب على الاعتراف بالمنظمة الإقرار بأحقيتها في تمثيل الشعب الفلسطيني. وأهمية الاعتراف ومن ثم أحقية التمثيل تفوق مجرد رفع صوت الشعب الفلسطيني على المستوى الدولي، إذ أنهما جاءا ليكشفا عن حقيقة طالما غيبت، وهي أن مشاريع الحلول الدولية لا طريق أمامها للنجاح إلا بموافقة الطرف المعني بها. ولعل أهمية م ت ف نفسها تبدو اليوم أكثر من أي وقت مضى في أنها تحمل هذه الصفة. فالاعتراف بداية اكسب م ت ف شرعية وجودها وشرعية كفاح فصائلها، والتمثيل شكل للفلسطينيين وسيلة نضالية لتحقيق حقوقهم. أما اليوم، فان أهمية م ت ف تكاد تنحصر في كونها تحظى بهذا الاعتراف وبحق التمثيل؛ أي بهذه المكانة القانونية على المستوى الدولي. غني عن القول أن الكفاح الوطني الفصائلي أو حتى الفردي شكل الرافعة التي أوصلت م ت ف إلى مكانتها الدولية، وكان مصدر قدسيتها على المستوى الفلسطيني. وعليه يصح القول أن المكانة والقدسية مكتسبتان بفعل النضال الجدي من اجل الحقوق الوطنية. وهما بالتالي، مشروطتان بدوام الشرعية (ليس الشرعية الدولية) على النحو المتقدم أعلاه. طبعا ليس في هذا أي انتقاص من مكانة وقدسية م ت ف، إنما القصد هنا أن مفاهيم "الإطار الجامع"، أو "الجبهة الوطنية الموحدة"، وحتى الدوائر والاتحادات والمؤسسات التي خلقتها المنظمة (والتي اغلبها لم تعد قائمة منذ زمن) لا تساوي شيئا في ميزان الشرعية (حقوق الشعب وإرادته).

ومن غير شك، أن إدراك قيادة المنظمة لهذا الحقيقة، جعلها متيقنة منذ اوائل الثمانينيات أن "البدائل"، حتى وان كانت فلسطينية، لا يمكنها أن تنجح. لأنه إذا كان من الممكن بناء جسم بديل في إطار جامع جديد، وبصرف النظر عما يحظى به من شرعية في تجسيد إرادة الشعب وحقوقه، سيبقى هكذا بديل غير قادر على الحلول محل م ت ف التي تحظى بالاعتراف الدولي. وهذا الإدراك، شجعها على إهمال صوت المعارضة، إذا ليس بمقدور أي "تشكيل" جديد أن يحظى بشرعية الوجود أو التمثيل ما لم ينتزع ذلك من داخل المنظمة نفسها، أو بالعمل جديا من خارجها لسنوات قد تطول لاكتساب شرعية وجوده فلسطينيا وفرض ذاته بالتالي إقليميا ودوليا. والتجارب على الساحة الفلسطينية تؤكد ذلك، إذ أن "البدائل" إما انهارت باصطدامها بحقيقة عدم الاعتراف بها، وإما انكمشت بسبب عدم قدرتها على اكتساب التفاف الشارع الفلسطيني. وهذا بالذات ما مكن القيادة الحالية من الاستمرار في تسويق شرعيتها فقط بالركون إلى قبول المجتمع الدولي لها ليس كأشخاص فحسب بل كموقف، وبالاعتماد على عامل عجز الآخرين، وعامل السبق الزمني، أي وجودها في موقع القيادة المتنفذة قبل غيرها. والمحصلة تحول سؤال الشرعية بمعنى الحقوق وتجسيد إرادة الشعب، إلى نداءات إعادة بناء وتفعيل م ت ف، التي تستحضر فقط في المناسبات الخطابية، أو لدواع انتخابية، وغالبا للجم صوت شذ عن تغريد السرب هنا أو هناك.
 

الالتفاف على الممثل الشرعي:
بعد الاعتراف بمنظمة التحرير تغيرت الإستراتيجية الدولية بما فيها الأمريكية والإسرائيلية، إذ أصبح من الضروري اخذ المعطى الجديد، الممثل الشرعي، في الحسبان. وتغيير الإستراتيجية لا يفهم على انه يطابق الاعتراف، أو القبول بالأمر وما يترتب عليه من التزامات قانونية وفعلية؛ بل نشأ هذا التغير عن ضرورة التعاطي مع الممثل الشرعي المعترف به دوليا. وعليه، كان لا بد من تبني إستراتيجية تتجاوز فشل سياسة إنكار وجود الشعب الفلسطيني، والتنكر لحقوقه، وتغييب من يمثله حقا. وقد انيطت مهمة بلورة إستراتيجية التعاطي هذه، بمهندس السياسة الخارجية الأمريكية كيسنجر؛ حيث لخصها بمقولته الشهيرة: "ليس بالقمع أو بالتجويع وحدهما تقهر الثورات".

جوهر إستراتيجية التعاطي وغايتها اقتضت الالتفاف والإفراغ من المحتوى والمحافظة على الهيئة شكليا. وبكلمات أخرى، هي إستراتيجية الوصول بالممثل الشرعي إلى مستوى القبول بما يرفضه، أو كان يرفضه- ومن ثم القبول بما هو مقبول فقط على المهيمنين في المجتمع الدولي. والمتتبع لمسيرة التعاطي مع م ت ف واستجابة الأخيرة يمكن أن يرى بوضوح التعبيرات الكثيرة التي تجسدت عبرها هذه الإستراتيجية الجديدة. يجدر الملاحظة هنا أن الاستجابة الفلسطينية يمكن رصدهما في تحولات برامجية وعملية، إنما الأخيرة، وهي الأسبق، كانت أكثر بروزا في الخطوات الفعلية التي لما تكن قد تسربت أو وضعت في برامج ووثائق رسمية. فمثلا جرى الانخراط فعليا في التسوية عبر لقاءات، مؤتمرات، مبادرات، واتفاقيات دولية في ظل نصوص تحرم ذلك. ففي تعاطيها مع المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، تبنت ما يعرف بقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وانتقلت م ت ف من إطار المادة 21 للميثاق الوطني الفلسطيني إلى المطالبة بالحل العادل والدائم على أساس قرارات "الشرعية الدولية". المادة 21 من الميثاق والتي تم إلغائها في الدورة العشرين في غزة، عام 1998، كانت تنص على:
الشعب العربي الفلسطيني معبراً عن ذاته بالثورة الفلسطينية المسلحة يرفض كل الحلول البديلة عن تحرير فلسطين تحريراً كاملاً ويرفض كل المشاريع الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية, أو تدويلها.
وعلى مستوى حركة فتح، فقد كان نظامها الداخلي منذ عام 1972 حتى ما قبل المؤتمر السادس الذي انعقد 2009، ينص في فصل الأسلوب على:
المادة (22) - مقاومة كل الحلول السياسية المطروحة كبديل عن تصفية الكيان الصهيوني المحتل في فلسطين، وكل المشاريع الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية أو تدويلها أو الوصاية على شعبها من أية جهة.

إن تجاوز نص الميثاق الوطني، أو نص النظام الداخلي للتنظيم القائد في م ت ف، ليس هدرا لمبدأ المشروعية (تطبيق القانون)، وليس إهدارا لأساس الشرعية (إرادة الشعب وحقوقه) وحسب، بل هو - لغايات هذا المقال - نتيجة لسياسة الاستجابة التي قادت الى التكيف مع متطلبات التسوية. وقطعا، يثور السؤال فيما إذا كان التكيف الحاصل حاليا، إذا ما قيس بالمعطيات الملموسة، يشكل تلبية "للمصالح العليا" وينسجم معها.

ومن ابرز مكونات إستراتيجية الالتفاف والاحتواء: سياسة النفخ المالي، فالإفساد، فالإلحاق/الإخضاع، وسياسة تسويق واستكشاف الجانب الآخر من إسرائيل؛ فالتشبيك معه، وسياسة الإغراء بالممكن باعتبار أن "السياسة فن تحقيق الممكن"، وسياسة الإقحام ومنع التراجع عبر مزيد من التوريط لـ م ت ف. إستراتيجية الالتفاف والاحتواء هذه قابلتها إستراتيجية فلسطينية بررت نفسها بضرورة الاستجابة الفلسطينية، وبضرورة طرق كل الأبواب بلا استثناء، وبشعارات مثل: "إن لم نكسب فلن نخسر"، "وإنقاذ ما يمكن إنقاذه"، وواقعية التعامل مع المتغيرات والمجتمع الدولي، والتنسيق العربي. والمحصلة أن الاستجابة بالمشاركة صارت سلوكا مفروضا؛ وإلا اتهمنا بالتقصير، أو بالإرهاب، أو بعدم الأهلية... حتى انتهى الأمر بالمشاركة في كل مؤتمر، وورشة عمل، أو لقاء، وحتى ندوة. وبكلمات، الحضور الفلسطيني دوليا بأي ثمن في ظل إستراتيجية الاستجابة، أنتج بالضرورة تكيفا مع شروط/اشتراطات التسوية، والأخيرة بدورها أفقدت الأداء التمثيلي أمام المحافل الدولية غايته الأصلية.

فعلى سبيل المثال، في الوقت الذي تعلن فيه الولايات المتحدة رسميا أنها عجزت عن تحقيق تقدم مع إسرائيل بشأن وقف الاستيطان مؤقتا، وفي الوقت الذي تؤكد فيه - علانية أيضا- أنها ستستخدم الفيتو ضد أي قرار للاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 67 - بحجة أن الأمر رهن بنتائج مفاوضات قضايا الحل النهائي، وفي الوقت الذي يهزأ به قادة إسرائيل من مجرد الطلب منها وقف الاستيطان ولو مؤقتا، تخرج لجنة المتابعة العربية لتقول في بيانها أنها: "ترى أن مسار المفاوضات أصبح غير فاعل بسبب الموقف الإسرائيلي، وعدم تمكن الوسيط الأميركي من تحقيق نتائج في مساعيه. وبناء عليه فإن اللجنة تقرر أن استئناف المفاوضات سيكون رهنا بتلقي عرض جدي يكفل تقدم العملية السلمية". طبعا، هكذا موقف بلغة الدبلوماسية مقبول جدا، ولكنه بمنطق الحقوق (الشرعية) لا يختلف عن القول أن "لا بديل عن التفاوض إلا المفاوضات"، وهو موقف عدمي، بصرف النظر عما تضمنه البيان من حشو ولغو بشأن "الشرعية الدولية" أو التهديد باللجوء إلى مجلس الأمن.
 

في التبريرات والمسوغات
ربما يقال انه لم يكن ممكنا على م ت ف التغاضي عن كل ذلك، فقد كانت مضطرة لتبني سياسة الاستجابة تلك. ولكن يبقى السؤال أين وصلت؟ أو لنقل ماذا أنجزت إستراتيجية الاستجابة والتكيف في مجال تحقيق الحقوق؟ الحقيقة إن م ت ف، على أحسن تقدير، لم تكن واعية لغاية إستراتيجية الالتفاف على الممثل الشرعي. لم تكن واعية أن الغاية ليس الجزرة، بل الانتقال بالممثل الشرعي المعترف به من معسكر الثورة (التمثيل المسند بإرادة الشعب، المسند بالوحدة الوطنية، والمرتكز إلى الحقوق...) إلى معسكر اللاعبين الهامشيين، أي توظيفها كلاعب احتياط هامشي، مطلوب منه التواجد أكثر مما هو مطلوب منه اللعب، يستدعى لتسويغ أمر ما شكليا وليس أكثر، وذلك بغرض إسباغ المشروعية على الفعل والذي لن تكون له قيمة فعلية أو إستراتيجية ما لم يتم إثبات وجود (مجرد وجود) الممثل الشرعي في المحضر.

قد يقال هنا أن إستراتيجية الاستجابة والتكيف لم تكن مطلقة، فقد برز الرفض أحيانا، وقد مارسته م ت ف في أكثر من موقف. ولكن بالنظر إلى الحقوق الأساسية والوطنية للشعب الفلسطيني، لو تم تعداد ما تم رفضه من قبل م ت ف بعد انخراطها في شبكة العلاقات الدولية والمراهنة على ما يمكن تحقيقه، فانه لا يساوي ذرة رمل بالقياس إلى ما تم قبوله أو فرضه، أو تحقيقه موضوعيا (بصرف النظر عن القبول أو الرفض). والنتيجة ماثلة للقاصي والداني؛ فالعملية السلمية وسواء كانت فاعلة أو غير فاعلة، بمفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، لا زالت تحظى "بالشرعية" لمجرد المشاركة أو التواجد، رغم أنها بمنظور النصوص أنتجت "خارطة الطريق" كقرار دولي يحط من حقوق الشعب، ويعومها إذا ما قورنت بقرارات الشرعية الدولية السابقة. وعمليا، انقضت سنواتها العشرين في تمتين بنى نظام إسرائيل العنصري، الاستعماري الاحلالي، وفي تأسيس كيان فلسطيني هش، أصبح مضطرا لتحمل العبء الذي كان يفترض أن يثقل على الاحتلال.

في الأداء التمثيلي
ناهيك عن الخلل الاستراتيجي الخطير في اختيار ممثلي الشعب الفلسطيني، والذي يتمثل في تقييد و/أو نقل صلاحيات م ت ف ورئيس اللجنة التنفيذية إلى السلطة الوطنية الفلسطينية ووزير خارجيتها، وذلك بموجب قانون السلك الدبلوماسي الفلسطيني، رقم (13) لعام 2005، ثمة تراجع ملحوظ في الأداء التمثيلي على المستوى الدولي. يظهر ذلك في مواقف ممثلي م ت ف في المحافل الدولية التي افتقدت للروح الفلسطينية فتطابقت مع الموقف الأوربي، والموقف الأمريكي، بل وأحيانا مع الموقف الإسرائيلي! البعض لجأ إلى تفسير المسألة وكأنها متعلقة بقدرات الأشخاص، رؤساء وطواقم البعثات، وسلوكهم، وعلاقاتهم وما إلى ذلك. إذا صح هذا التفسير، فنحن بألف خير، لأنه سيكون من الممكن معالجة الأمر، بقرارات إدارية تنظيمية. ولكن الأمر أكثر من ذلك؛ حيث أن مسألة الضعف ليست مسألة قدرات شخصية، بل بنيوية (العلاقة بين م ت ف والسلطة من جهة، وانخراطهما في دائرة العلاقات الدولية من جهة ثانية)، ومسألة سياسية (مكونات البرنامج التحرري من جهة، واشتراطات التسوية في ظل موازين القوى من جهة ثانية).

فطلب ممثل بعثة فلسطين في جنيف، عبر ممثلي منظمة المؤتمر الإسلامي ودول عدم الانحياز، تأجيل بحث تقرير غولدستون، لم يكن تقديرا ذاتيا، بل موقفا رسميا. وتبني ممثل فلسطين في الأمم المتحدة في نيويورك، للمقترح الأوروبي بشأن الهجوم على غزة في الجلسة الجمعية العامة الطارئة 15 و 16 كانون الثاني 2009، في مواجهة مشروع قرار دول عدم الانحياز الذي قدمه رئيس الجمعية آنذاك ميغيل ديسكونتو، والذي قدمته فيما بعد باسم المجموعة دولة الاكوادور، لم يكن مجرد تقدير شخصي خاطئ. للتوضيح، كان مشروع القرار قد اسقط مقابل تبني مشروع القرار الفلسطيني المصري – الأوروبي. المشروع المسقط كان يحمل إسرائيل صراحة المسؤولية الكاملة عن الوضع، ويطالبها بالوقف الفوري للاعتداء، وبالانسحاب الفوري وغير المشروط، وبفك الحصار كليا عن غزة، وتشكيل لجنة تحقيق، وبمحاكمة المسؤولين، وتكليف مجلس الأمن بالتصرف وفق الفصل السابع إن لم تلتزم إسرائيل بقرار الجمعية العامة. وهو قفزة نوعية إذا ما قورن بقرار مجلس الأمن الهزيل رقم 1860 الصادر في 8 كانون الثاني. في خطابه، طالب ممثل فلسطين بقرار "واقعي"، مثل قرار مجلس الأمن رقم 1860، و "بإسقاط بعض النقاط رغم أهميتها" من مشروع الإكوادور المقدم باسم مجموعة عدم الانحياز، "حفاظا على وحدة الجمعية العامة" وبغرض "عدم منح إسرائيل نقض الإجماع الدولي".

والتفسير أو التبرير الرسمي المقدم، هو إعطاء فرصة لعملية السلام (المفاوضات). ويلاحظ هنا أن الجزرة صارت هي المفاوضات لذاتها، أو على الأقل، صار توقع الحصول الجزرة رهنا باستكمال لعب دور المفاوض. ترى هل دفع عملية السلام يستحق طلب تأجيل غولد ستون؟ هل هل صدفة تماثل الموقفين الفلسطيني والإسرائيلي حيال أداء مقرر حقوق الإنسان ريتشارد فولك والتوصية باستبداله؟ ترى هل الاستجابة مع مساعي إجهاض تقرير غولدسيتون عبر التأجيل يخدم "المصالح العليا"؟ ترى لماذا لا يتورع أي من القادة إسرائيل عن إعلان نيتهم في تهويد القدس، وتوسيع الاستيطان... في حين أن ممثلي م ت ف يواصلون اختيار كلماتهم بدقة؟ هل هذا من باب اللباقة الدبلوماسية أم انه ثمن المحافظة على شبكة "العلاقات الدولية" التي حلت محل الشرعية الدولية؟
ليس المطلوب شطب م ت ف، بل المطلوب وقفة مسؤولة لجعل التمثيل الفلسطيني دوليا أداة نضالية تجسد معنى الشرعية المكتسبة بالارتباط بمصدرها إرادة الشعب وحقوقه الوطنية ومصالحه العليا وليس منبر علاقات عامة.

* نضال العزة، مدرس القانون الدولي للاجئين في جامعة القدس، منسق وحدة المصادر والمعلومات والإسناد القانوني في مركز بديل.