×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

إسرائيل وجريمة الفصل العنصري بموجب القانون الدولي

كاريكاتير الفنان عبد المهدي حنني نابلس،جائزة العودة 2011 كاريكاتير الفنان عبد المهدي حنني نابلس،جائزة العودة 2011

بقلم: غيل بولينج*
في بدايات العام 1965، تم إقرار حظر نظام الفصل العنصري وفقاً للقانون الدولي، بالترافق مع صياغة الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والتي دخلت حيز التنفيذ في الرابع من كانون الثاني لعام 1969. وقد صنف نظام الفصل العنصري رسمياً كجريمة بموجب القانون الدولي بتاريخ 30 تشرين الثاني عام 1973، حيث تم اعتماد هذا التصنيف من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة عبر الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها. ونتيجة للانتقادات الواسعة النطاق لنظام الفصل العنصري وسياسات الفصل الذي كانت تمارسه الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا؛ دخلت المعاهدة حيز التنفيذ بتاريخ 18 تموز عام 1976. وحتى اليوم، صادقت 107 دول على اتفاقية الفصل العنصري، وكذلك الحال بشأن ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي دخل حيز النفاذ في 1 تموز عام 2002، والذي بحسبه تصنف جريمة الفصل العنصري كواحدة من الجرائم ضد الإنسانية. وقد تم التخلي عن نظام الفصل العنصري من قبل حكومة جنوب إفريقيا عام 1990 بعد ممارسته كسياسة ممنهجة في جنوب إفريقيا منذ عام 1948 بشكل رسمي؛ ولاحقاً في العام 1994، تم التحول إلى بناء جنوب إفريقيا الديمقراطية. ورغم انتهاء نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا، تندرج جريمة الفصل العنصري في القانون الدولي العرفي، وبقيت محظورة بموجب اتفاقية نظام الفصل العنصري وميثاق روما الأساسي.

هذا المقال يتناول مدى انطباق جريمة الفصل العنصري على إسرائيل. كما سيتطرق المقال إلى تطور التعاطي مع جريمة الفصل العنصري بموجب القانون الدولي، إضافة إلى تعريفها وفقاً لاتفاقية الفصل العنصري وميثاق روما الأساسي، ثم يأتي المقال لاحقا على فحص مدى امكانية محاكمة مرتكبي هذه الجريمة في إطار هذين العهدين الدوليين. وعلى الرغم من عدم وجود ملاحقات قضائية في الماضي ضد مرتكبي جرائم الفصل العنصري في جنوب إفريقيا بموجب اتفاقية الفصل العنصري؛ إلا أن الاتفاقية وميثاق روما الأساسي ايضا، تضمنان إمكانية الملاحقة القضائية.

تطور جريمة الفصل العنصري في القانون الدولي
تعد الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (ICERD)، أول معاهدة متعددة الأطراف لحقوق الإنسان تتناول بوضوح حظر التمييز العنصري، والتي تم تبنيها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 21 كانون الأول، عام 1965، حيث دخلت حيز النفاذ لاحقاً في عام 1969. وتضم هذه المعاهدة حالياً 175 دولة كأطراف في الاتفاقية من ضمنها إسرائيل والولايات المتحدة. وتنص ديباجة الاتفاقية بأن الدول الأطراف "يساورها قلق شديد لوجود مظاهر التمييز العنصري، التي لا تزال ملحوظة في بعض مناطق العالم، بسبب السياسات الحكومية القائمة على التفوق العنصري أو الكراهية العنصرية، مثل سياسات الفصل العنصري أو العزل، أو التفرقة" ( إضافة التشديد). أما المادة (3) من الاتفاقية، فتشير بوضوح إلى أن على الدول حظر التمييز العنصري، حيث تنص: "تشجب الدول الأطراف بصفة خاصة العزل العنصري والفصل العنصري، وتتعهد بمنع وحظر واستئصال كل الممارسات المماثلة في الأقاليم الخاضعة لولايتها". وكان صائغو الاتفاقية قد تجنبوا بعناية أي إشارات مباشرة لممارسات أي دولة محددة للتمييز العنصري في المعاهدة؛ إلا أن الإشارة المباشرة لنظام الفصل العنصري في اتفاقية حظر جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها كانت استثناء لهذا المبدأ. ورأى صائغوها انه يتوجب الإشارة إلى نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا كونه تم تبنيه من قبل دولة عضو في الأمم المتحدة.

وقد أدانت الأمم المتحدة سياسة الفصل العنصري بطرق أخرى. حيث أدانت الجمعية العامة وبشكل سنوي في الفترة الواقعة ما بين 1952- 1990 سياسة الفصل العنصري، على اعتبار انه يتعارض مع المادتين 55 و56 من ميثاق الأمم المتحدة. حيث تنص المادة 55 من الميثاق، على أن تقوم الأمم المتحدة بتعزيز "العلاقات السييمة الودية بين الأمم على أساس احترام مبدأ المساواة في الحقوق وتقرير المصير للشعوب". ويليها ما جاء في المادة 55 (ج)، التي تنص تحديدا على أن يكون للأمم المتحدة الدور في تشجيع "الاحترام العالمي لحقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع دون تمييز على أساس العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين". كما تنص المادة 56 على: " تتعهد جميع الدول الأعضاء باتخاذ إجراءات مشتركة ومنفردة بالتعاون مع المنظمة من أجل تحقيق الأهداف المنصوص عليها في المادة 55". وترتب على ذلك أن بدأ مجلس الأمن الدولي بإدانة الفصل العنصري على نحو منظم بعد عام 1960. وتبع ذلك قيام الجمعية العامة للأمم المتحدة بإصدار قرار في العام 1966 يقضي بان الفصل العنصري هو جريمة ضد الإنسانية ( القرار 2202 أ (XXI) والمؤرخ في 16 أيلول 1966). و حظيت هذه التسمية بتأييد مجلس الأمن الدولي عام 1984 (وفقاً للقرار 556 (1984) والمؤرخ في 23 من تشرين الأول، لعام 1984).

تعريف جريمة الفصل العنصري وفقاً لاتفاقية الفصل العنصري
لقد قامت اتفاقية حظر جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها (اتفاقية الفصل العنصري، فيما بعد) بناءً على جهود الأمم المتحدة التي سبقتها بالإعلان الذي ينص على "أن سياسة الفصل العنصري غير شرعية؛ ليس فقط لأنها تنتهك ميثاق الأمم المتحدة، بل لأنها تشكل جريمة بحد ذاتها". وقد تم اعتماد اتفاقية الفصل العنصري من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 30 تشرين الثاني عام 1973 بأغلبية 91 صوتا مؤيدا، وأربعة ضد (البرتغال، وجنوب إفريقيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة) وامتناع 26 من الأعضاء عن التصويت. وقد دخلت حيز النفاذ بتاريخ 18 تموز عام 1976. أما اليوم، فان اتفاقية الفصل العنصري تضم 107 أعضاء. وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة ليستا من ضمن هذه الدول. ومما يثير الدهشة، أن الحكومة التي أعيد تشكيلها حديثا في جنوب إفريقيا بعد القضاء على نظام الفصل العنصري ليست طرفا فيها حتى الان!

وتنص الاتفاقية على أن الفصل العنصري يشكل جريمة ضد الإنسانية، اذ تنص المادة (1) من الاتفاقية بأن "الأفعال اللاانسانية الناجمة عن سياسات وممارسات الفصل العنصري والسياسات والممارسات المماثلة للفصل العنصري والتمييز العنصري" هي جرائم تنتهك مبادئ القانون الدولي (إضافة التشديد). وتعرف المادة (2) من الاتفاقية الفصل العنصري :
في مصطلح هذه الاتفاقية، تنطبق عبارة "جريمة الفصل العنصري"، التي تشمل سياسات وممارسات العزل والتمييز العنصريين المشابهة لتلك التي تمارس في الجنوب الأفريقي، علي الأفعال اللاإنسانية الآتية، المرتكبة لغرض إقامة وإدامة هيمنة فئة عنصرية ما من البشر علي أية فئة عنصرية أخري من البشر واضطهادها إياها بصورة منهجية:
(أ) حرمان عضو أو أعضاء في فئة أو فئات عرقية من الحق في الحياة والحرية الشخصية:
"1" بقتل أعضاء من فئة أو فئات عنصرية،
"2" بإلحاق أذى خطير، بدني أو عقلي، بأعضاء في فئة أو فئات عرقية، أو بالتعدي علي حريتهم أو كرامتهم، أو بإخضاعهم للتعذيب أو للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة،
"3" بتوقيف أعضاء فئة أو فئات عرقية تعسفا وسجنهم بصورة لا قانونية،
(ب) إخضاع فئة أو فئات عرقية، عمدا، لظروف معيشية يقصد منها أن تفضي بها إلي الهلاك الجسدي، كليا أو جزئيا،
(ج) اتخاذ أية تدابير، تشريعية وغير تشريعية، يقصد بها منع فئة أو فئات عرقية من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلد، وتعمد خلق ظروف تحول دون النماء التام لهذه الفئة أو الفئات، وخاصة بحرمان أعضاء فئة أو فئات عنصرية من حريات الإنسان وحقوقه الأساسية، بما في ذلك الحق في العمل، والحق في تشكيل نقابات معترف بها، والحق في التعليم، والحق في مغادرة الوطن والعودة إليه، والحق في حمل الجنسية، والحق في حرية التنقل والإقامة، والحق في حرية الرأي والتعبير، والحق في حرية الاجتماع وتشكيل الجمعيات سلميا،
(د) اتخاذ أية تدابير، بما فيها التدابير التشريعية، تهدف إلي تقسيم السكان وفق معايير عنصرية بخلق محتجزات ومعازل مفصولة لأعضاء فئة أو فئات عرقية، وبحظر التزاوج فيما بين الأشخاص المنتسبين إلي فئات عرقية مختلفة، ونزع ملكية العقارات المملوكة لفئة أو فئات عنصرية أو لأفراد منها،
(هـ) استغلال عمل أعضاء فئة أو فئات عرقية، لا سيما بإخضاعهم للعمل القسري،
(و) اضطهاد المنظمات والأشخاص، بحرمانهم من الحقوق والحريات الأساسية، لمعارضتهم للفصل العنصري.

بناءاً على ما سبق من العبارات الأساسية المستخدمة؛ فإن المقصود ليس فقط الفصل العنصري الممارس في جنوب إفريقيا على انه جريمة بحد ذاتها، ولكن ممارسات الفصل العنصري في أي مكان تم تضمينه في نطاق الاتفاقية.
إضافة لذلك فان المادة (3) من نفس الاتفاقية تنص على أن المسؤولية الجنائية الدولية تترتب على الأفراد وأعضاء المنظمات وممثلي الدولة الذين يرتكبون، ويحرضون أو يتآمرون لارتكاب جريمة الفصل العنصري. وتتضمن المادتان (4 و 5) على وجود شكل من أشكال الولاية القضائية العالمية على مرتكبي الفصل العنصري. ويستفاد ذلك من نص المادة 4 (ب) على أن تتعهد الدول الأطراف في الاتفاقية بـ:- "اتخاذ تدابير تشريعية وقضائية وإدارية للقيام، وفقا لولايتها القضائية وبملاحقة ومحاكمة ومعاقبة الأشخاص المسؤولين عن ارتكاب الأفعال المعرفة في المادة الثانية من هذه الاتفاقية أو المتهمين بارتكابها، سواء كان هؤلاء من رعايا هذه الدولة أو من رعايا دولة أخري أو كانوا بلا جنسية". وتعطي المادة (5) الدولة سلطة محاكمة الأشخاص المتهمين بارتكاب أعمال منصوص عليها في المادة الثانية من هذه الاتفاقية من قبل محكمة مختصة من محاكم أية دولة طرف في الاتفاقية، والتي قد يقع الشخص المتهم ضمن ولايتها القضائية. بهذا الشكل فإن اتفاقية الفصل العنصري تعطي الدول الأطراف السلطة لإدماج قواعد الولاية العالمية للقضاء ضمن قوانينها المحلية لغايات مقاضاة مرتكبي الفصل العنصري.

تعريف جريمة الفصل العنصري بموجب ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية
إن ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ("نظام روما الأساسي")، والذي دخل حيز النفاذ في 1 تموز 2002، يصنف جريمة الفصل العنصري كشكل محدد من أشكال الجرائم ضد الإنسانية. واليوم هناك 119 دولة مصادقة على نظام روما الأساسي. ومن الجدير ملاحظته أن كلا من إسرائيل والولايات المتحدة لم تنضما الى هذا النظام.
تصنف المادة 7 (1) من نظام روما الأساسي الفصل العنصري باعتباره جريمة ضد الإنسانية، وبناءً عليه فإن المادة 7 (2) تحدده كما يلي:
1- لغرض هذا النظام الأساسي، يشكل أي فعل من الأفعال التالية "جريمة ضد الإنسانية" متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بالهجوم:
ي - جريمة الفصل العنصري
2- (ح) تعنى "جريمة الفصل العنصري" أية أفعال لا إنسانية تماثل في طابعها الأفعال المشار إليها في الفقرة 1 وترتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه الاضطهاد المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء أية جماعة أو جماعات عرقية أخرى، وترتكب بنية الإبقاء على ذلك النظام؛
ويتضح من هذا التعريف أن الفصل العنصري بموجب نظام روما الأساسي لا يقتصر على أعمال (تصرفات) حكومة جنوب إفريقيا، ولكنه ينطبق على أي سلوك ينطبق عليه تعريف المادة 7 (2) (ح).
وبشكل عام، تستطيع المحكمة الجنائية الدولية ممارسة سلطتها القضائية عندما يكون المتهم من رعايا الدول الأعضاء أو في حال أن الجريمة المزعومة تكون قد حدثت في الدول الأعضاء، أو إحالة الوضع إلى المحكمة من قبل مجلس الأمن الدولي. حيث تم وصف دور السلطة القضائية للمحكمة كدور مكمل. ولا يمكن للمحكمة أن تمارس سلطتها القضائية إلا عندما تكون المحاكم الوطنية غير راغبة أو غير قادرة على إجراء المحاكمة.

إسرائيل وجريمة الفصل العنصري
بموجب اتفاقية الفصل العنصري، فانه يحظر وبشكل واضح سن تشريعات تهدف إلى حرمان مجموعة عرقية من الحق في المغادرة والعودة إلى بلادهم. وقد حرمت إسرائيل لاجئي 1948 ولاجئي 1967 على حد سواء من الحق في العودة إلى منازلهم وبيوتهم في بلدهم الأصلي، اذ يستند هذا الحرمان الى التصنيفات العرقية- الاثنية أي العنصرية. كما ويشكل هذا العمل انتهاكا صارخا لاتفاقية الفصل العنصري. ويبدو أيضا انه يتناسب مع تعريف التمييز العنصري الوارد ضمن نظام روما الأساسي. وفي حين أن نظام روما القضائي يسري فقط على الجرائم التي ارتكبت منذ دخوله حيز النفاذ في عام 2002، فقد بات من الممكن القول بأن انتهاك إسرائيل لحق العودة هو جريمة مستمرة حتى يومنا هذا.
إن إنكار ورفض إسرائيل للاعتراف و/أو تطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين ربما يعتبر المثال الأكثر وضوحا لممارسات الفصل العنصري، لكنه بالتأكيد ليس المثال الوحيد. حيث وجدت المحكمة الشعبية"Russell Tribunal"حول فلسطين، والتي عقدت في كيب تاون، جنوب إفريقيا، في الفترة من 5-7 تشرين الثاني لعام 2011، أن إسرائيل مذنبة بارتكابها العديد من الانتهاكات التي تندرج ضمن جريمة الفصل العنصري بموجب القانون الدولي. كما يمكن إيجاد التقرير الكامل حول هذه المحكمة على الرابط التالي: http://www.russelltribunalonpalestine.com/en/sessions/south-africa/south-africa-session-%E2%80%94-full-findings .

_________________________________________

*غيل بولينج: محامية أمريكية تعيش في مدينة سولت ليك،اوتا.