×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

الفصل العنصري: الجريمة والالتزامات القانونية

من أنشطة حركة التضامن العالمية مع الشعب الفلسطيني (استراليا2011) من أنشطة حركة التضامن العالمية مع الشعب الفلسطيني (استراليا2011)

بقلم: أمجد متري*
"من واجب كل دولة ان تمارس ولايتها القضائية الجنائية على اولئك المسؤولين عن الجرائم الدولية". "مقدمة نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية".
مدخل:
لقد تزايد خلال العقود السابقة الاهتمام المنصب نحو القانون الجنائي الدولي وكيفية التأكد من محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية ومساءلتهم، إلى جانب ضمان تحقيق العدالة للضحايا.
أن الفصل العنصري لا يمثل فقط خطأ اخلاقياً، ولكنه يشكل جرماً دوليا غير مشروع، وجريمة بموجب القانون الدولي، وبالتالي فانه يترتب على هذه الجريمة عواقب قانونية تلقي بالمسؤولية على عاتق الدول والمنظمات الدولية في سبيل مواجهتها. في ضوء ذلك، نصل إلى الاستنتاج القائل بان سياسات إسرائيل القائمة على التمييز والفصل العنصري في الأرض الفلسطينية المحتلة وكذلك في إسرائيل عموما؛ يترتب عليها نشوء مسؤولية الدول والمنظمات الدولية بموجب القانون الدولي. فمنذ محاكمات نورمبرغ، أيد المجتمع الدولي المبدأ الاخلاقي والقانوني الذي يوجب تحمل الأفراد المسؤولين عن ارتكاب جرائم دولية خطيرة تبعات أفعالهم وبالتالي القضاء على الإفلات من العقاب. اضف الى ذلك، أن إسرائيل كقوة محتلة، تبقى ملزمة بالحقوق الانسانية الدولية والقانون الدولي الانساني في الأرض الفلسطينية المحتلة وفي إسرائيل كذلك. وهذا؛ أي وجوب أن تتحمل دولة الاحتلال المسؤولية عن الوفاء بالتزاماتها بموجب قانون حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، تم تأكيده من قبل محكمة العدل الدولية مرارا وتكرارا.
لهذا السبب، تتناول هذه الورقة بإيجاز " تصنيف الفصل العنصري كجريمة دولية"، والالتزامات الدولية الناشئة جراء القوانين والسياسات الإسرائيلية التي تصل إلى حد ممارسة الفصل العنصري.

الفصل العنصري: جريمة دولية
تصنيف الجرائم الدولية الخطيرة يقوم على بديهيات القانون الدولي والمبادئ الآمرة. و تعتبر هذه البديهيات والمبادئ أعلى فرع في القانون، كونها تحل مكان جميع القوانين الدولية الأخرى. وفي حال تمت صياغة معاهدة دولية، واتضح أنها تنتهك هذه الديهيات والتي هي بطبيعتها مبادئ آمرة، فان المعاهدة تكون لاغية وباطلة. فالجرائم الدولية التي يتم النظر لها على أنها تؤثر على المجتمع الدولي بأسره؛ ترتقي إلى مستوى المسلمات والمبادئ الآمرة. لهذا السبب، فإن جميع الدول في العالم لديها المصلحة في منع وقوع هذه الجرائم الخطيرة. وهذا هو السبب وراء نشوء التزامات كافة الأطراف/الدول، والتي هي قطعية في طبيعتها، حيث لا يجوز الانتقاص منها تحت أي ظرف من الظروف. كذلك، تشتمل الالتزامات القانونية -الناشئة من مكانة اعلى من هذه الجرائم- على واجب ملاحقة وتسليم مرتكبي مثل هذه الجرائم، وذلك وفقا لمبدأ الولاية القضائية العالمية. وتشكل جرائم الإبادة الجماعية إلى جانب كل من جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك جريمة الفصل العنصري و العبودية (الرق) أمثلة على مثل هذه الجرائم الدولية. أما على الصعيد الفردي، فإن مرتكبي هذه الجرائم والملقى القبض عليهم على خلفية هذه الجرائم، فالمسؤولية تقع عليهم بشكل فردي. ومن الأمثلة على ذلك ما حصل في جمهورية يوغسلافيا السابقة، فقد اتهم بعض الزعماء السياسيين والقادة العسكريين في هذه الجمهورية بارتكاب جرائم إبادة جماعية خلال الحروب السابقة.

تم تأكيد تعريف جريمة الفصل العنصري، طبيعتها الجرمية وبالتالي حظرها ووضع أليات المحاسبة عليها، ومسؤوليات الدول حيال ذلك في عدد من المواثيق والوثائق الدولية. وحيث تم تناول هذه المواضيع في مواضع اخرى من هذا العدد، فسيتم التركيز على الولاية القضائية المحلية والدولية، ودور المجتمع المدني في قمع ومناهضة جريمة الفصل العنصري.

ولاية القضاء المحلي/ الوطني
ان الالتزام بالتحقيق وملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية يقع بالدرجة الأولى ضمن مسؤوليات الدول الوطنية/ القومية. وبناء على هذه القاعدة، يترتب على إسرائيل كدولة ترتكب تلك الجرائم أن توقف جميع الأنشطة والممارسات التي تصل إلى حد جريمة الفصل العنصري. لكن في الوقت ذاته، ونظرا لأن إسرائيل لا تبدي استعداداً للقيام بذلك، فيتوجب على المجتمع الدولي الحفاظ على الالتزام بالقوانين، وهذا عن طريق مواجهة ومنع إسرائيل من ارتكاب جريمة الفصل العنصري. وعلى الصعيد المحلي فان تلك الالتزامات تنبع من مبدأ الاختصاص العالمي المستمد من مبدأ العالمية القائل بان الجرائم الدولية هي تلك التي تنتهك القيم الأساسية وتثير قلق المجتمع الدولي بأسره – انظر اعلاه-.

في مطلع العام 1960، أصبحت إسرائيل واحدة من اول البلدان التي تطالب بمبدأ الاختصاص العالمي في المحاكمة ضد ادولف ايخمان. حيث يوفر الاختصاص العالمي للمحاكم المحلية اساس (الولاية) القضائية للفصل في القضايا التي ليس لها ارتباط مع دولتهم. بالتالي فان إصدار الحكم القضائي يكون بغض النظر عن المكان الذي تم ارتكاب الجريمة فيه، وصرف النظر عن جنسية المتهمين أو الضحايا. وهذا ضروري لضمان خضوع الأفراد من مرتكبي الجرائم الكبرى للمساءلة في اطار سيادة القانون. كما أن قبول بعض أشكال الاختصاص العالمي كامن في اعتماد اتفاقيات جنيف الأربع، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية واتفاقية الفصل العنصري. ان المحاكم الوطنية العاملة بموجب هذا المذهب تلاحق المجرمين المزعومين، تبعاً للفظائع التي ارتكبت في الخارج. وهكذا على سبيل المثال واجه المسؤولون الإسرائيليون في العقد الماضي دعاوى جنائية متعلقة بأنشطتهم السياسية والعسكرية في الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي على التوالي. فعلى سبيل المثال، تم تقديم شكاوى جنائية في بلجيكا ضد رئيس الوزراء السابق أرييل شارون في عام 2001، وفي المملكة المتحدة لمقاضاة اللواء دورون الموغ في عام 2005. أضف إلى ما سبق أن اتفاقية الفصل العنصري تطلب من الدول الأعضاء اعتماد التدابير التشريعية والقضائية والإدارية، في سبيل ملاحقة ومحاكمة ومعاقبة الأشخاص -وفقا لولايتها القضائية- المسؤوليين عن، أو المتهمين بجريمة الفصل العنصري. وينبغي على الدولة العضو؛ التصرف وفق مبدأ الاختصاص العالمي، بمعنى القيام بمحاكمة أي شخص وطني او غير وطني بخصوص جريمة ارتكبت في أي ارض، وحتى في اراضي دولة غير عضو في الاتفاقية (اتفاقية الفصل العنصري). لكن للأسف، حتى اليوم لم تتم مقاضاة أي شخص بتهمة ارتكاب جريمة الفصل العنصري في محاكم محلية.

الالتزامات الدولية
يشكل الفصل العنصري، عملا غير مشروع دوليا، كما انه جريمة دولية. وكلاهما يقود إلى حيز من المسؤوليات المحددة على الصعيد الدولي. إضافة إلى وجوب التعاون من قبل " الدول/الدولة الطرف الثالثة"، من اجل إنهاء ممارسة الفصل العنصري في إسرائيل، بما في ذلك عدم تقديم العون او المساعدة لإسرائيل وعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناشئ عن أفعالها. كما يجب إنهاء تعديات إسرائيل وانتهاكها للقانون الجنائي الدولي، وهذا يتم من خلال محاكمتها ووضع نهاية لارتكاب جريمة الفصل العنصري بالاضافة إلى اتخاذ تدابير أخرى.
أنشأ مجلس الأمن الدولي في الأمم المتحدة محاكم خاصة لجرائم الحرب، فيما يتعلق بكل من يوغوسلافيا السابقة في عام 1993 ورواندا في عام 1994. أما في العام 1998، فقد اجتمعت حكومات العالم في روما لتتبنى معاهدة في سبيل إنشاء محكمة جنائية دولية دائمة؛ مع الاختصاص العالمي فيما يتعلق بالجرائم التي تشكل خرقا للقواعد البديهية وللمبادئ الآمرة. وفي عام 2002، دخل نظام روما حيز النفاذ بعد ان صادقت عليه أكثر من 60 دولة. وأصبح يتم استدعاء الولاية القضائية للمحكمة من خلال مبدأ التكامل الذي يعتبر حجر الزاوية لعملياتها. هذا المبدأ ينظم العلاقة الوظيفية بين المحاكم المحلية والمحكمة نفسها، وهذا يقودنا إلى أن المحاكم المحلية لها الأولوية في ممارسة الولاية القضائية على الجرائم المنصوص عليها في إعلان روما الأساسي، وبالتالي فان المحكمة لا تمارس ولايتها القضائية الا اذا كانت الدول المعنية غير قادرة او غير راغبة في التحقيق او المحاكمة، على عكس المحكمتين آنفتي الذكر (يوغسلافيا ورواندا) واللتين لهما أسبقية على المحاكم المحلية. لقد بات من الواضح اليوم أن إسرائيل ليست لديها الرغبة في ذلك، كما أن السلطة الفلسطينية على النحو المنصوص عليه في اتفاقيات أوسلو لا تملك حق الولاية القضائية في الحكم على المواطنين الإسرائيليين. ولكن، حتى الآن لم يصدر أية إجراءات ضد دولة إسرائيل. (للمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع المتعدد الجوانب راجع www.icc.com ).

وعلى أية حال، فإن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لديها التزام قانوني " لاتخاذ إجراءات مشتركة ومنفردة بالتعاون مع المنظمة العالمية لتحقيق الاحترام العالمي ومراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية" ( ميثاق الأمم المتحدة). ولذلك، فإن جميع الدول ملزمة بعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناتج عن اقامة نظام الفصل العنصري في اسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة. كما انها ملزمة بعدم تقديم العون او المساعدة في الابقاء على الوضع الناشىء عن هذا النظام. ولعل هذا يستدعي ما حصل نتيجة وجود جنوب افريقيا غير الشرعي في ناميبيا، فقد قضت محكمة العدل الدولية بأن على الدول واجب " الامتناع عن الدخول في الأعمال الاقتصادية وغيرها من العلاقات او التعامل مع جنوب افريقيا نيابة عن / أو المتعلقة بناميبيا والتي قد ترسخ سلطة جنوب افريقا غير القانونية على ناميبيا". علاوة على ذلك، فإن مشروع المواد المتعلقة بمسؤولية الدول والتي اعتمدتها لجنة القانون الدولي يفرض على الدول (كطرف دولي ثالث)، وعندما تشهد انتهاكا دوليا واجب التدخل بوسائل قانونية لوضع حد للممارسات غير القانونية مثل جريمة الفصل العنصري. إضافة إلى ذلك، يتوجب على الدولة المسؤولة الكف فورا عن السلوك غير المشروع وتقديم تعويضات كاملة. إن على الجمعية العامة ومجلس الأمن، بموجب بموجب الفصل السادس والسابع من الميثاق، أن ينظرا بقوة لما هو مطلوب من زيادة اتخاذ التدابير اللازمة لوضع حد لهذا الوضع غير القانوني الناجم عن نظام الفصل العنصري في إسرائيل.

المجتمع المدني
إلى جانب الدور الذي تقوم به الدول على هذا الصعيد، هناك ايضا دور مهم للمجتمع المدني في عملية المناصرة واليات التنفيذ لرفع مستوى الوعي لحالة عدم وجود محاكمات لمرتكبي الجرائم والمساءلة للإسرائيليين، كما اتضح مؤخرا من قبل "المحكمة الشعبية حول فلسطين" والتي تم انشاؤها في مطلع تشرين الثاني عام 2011 في جنوب إفريقيا؛ بهدف تحديد ما إذا كانت دولة اسرائيل ترتكب جريمة الفصل العنصري. وهناك أمر آخر إضافي، إذ من المهم جدا أن تتضمن حملة المجتمع المدني لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات عليها، تنفيذ مبادرات مشابهة لتلك التي تم تطبيقها في جنوب افريقيا في عهد الفصل العنصري والحفاظ على هذه الاجراءات العقابية السليمة حتى تفي اسرائيل بجميع التزاماتها القانونية الدولية، وتنهي نظامها العنصري.

________________________________

* امجد متري: باحث قانوني في مركز بديل.
Bibliography
I. John Dugard, “Convention on the Suppression and Punishment of the Crime of Apartheid” (2008).
II. Palestinian Centre for Human Rights, “The Principle and Practice of Universal Jurisdiction” (2010).
III. Russell Tribunal on Palestine, “Findings of the South African Session” (2011).
IV. Cherif Bassiouni, “International Crimes Jus Cogens and Obligatio Erga Omnes” (1997).
V. Simone O’Broin, “Applying International Criminal Law to Israel’s Treatment of the Palestinian People” (2011).
VI. William A. Schabas, “The International Criminal Court: A Commentary on the Rome Statute” (2010).
VII. Max Du Plessis, “The Prohibition of Apartheid in International Law” (2011).