×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

إنكار حق اللاجئين في العودة: البعد الأساسي لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي بقلم: حازم جمجوم*

على الحدود اللبنانية الفلسطينية ايار 2011 (تصوري كوستانزا ارايا،بديل) على الحدود اللبنانية الفلسطينية ايار 2011 (تصوري كوستانزا ارايا،بديل)

بتاريخ 15 أيار 2011، وللمرة الأولى منذ تهجيرهم في العام 1948، سار عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين في كل من لبنان وسوريا والأردن والأرض الفلسطينية المحتلة في مسيرات شعبية حاشدة، توجهت نحو الحدود التي تربطهم بأي جزء من فلسطين التاريخية المحتلة منذ العام 1948. وكان المنظمون "اللوجستيون" لكلٍ من مسيرات العودة عاقدين النية على عمل خطوات رمزية تتمثل بوقوف المشاركين في المسيرات بالقرب من الحدود، والاستماع إلى الخطب المكررة عن حق العودة وقداسة الوطن، ومن ثم استقلال الحافلات والعودة إلى أماكن سكناهم في مخيمات اللجوء. وبقي العديد من المنظمين بالقرب من منصات الخطابة، مهنئين أنفسهم بنجاح النشاط وحجم الإقبال على المشاركة، ولكن خطبهم توجهت إلى المقاعد الفارغة!

لم يأخذ المنظمون بعين الاعتبار أنه وبعد مضي أربعة أجيال على جيل النكبة في العام 1948، لم يتمكن اللاجئون الفلسطينيون في اللحظة التي استدركوا فيها أنهم على بعد خطوات قليلة من فلسطين، أن يقفوا مكتوفي الأيدي وأن يمنعوا أنفسهم من تجسيد عودتهم إلى ديارهم على أرض الواقع. فاندفع عشرات الآلاف من الشباب والشيوخ والنساء تجاه الحدود أملاً في أن يكون هذا هو اليوم الذي طال انتظاره، اليوم الذي يستطيعون من خلاله تجربة الشعور بالعودة إلى ديارهم بعد طول انتظار. وأطلق القناصة الإسرائيليون النار على اللاجئين الذين احتشدوا على بعد أمتار قليلة عن وطنهم، ولكن تلك الحشود أخذت تكبر وتكبر مع كل جولة من إطلاق النار. وكان على كل شخص يتقدم نحو الحدود الأكثر تحصيناً من الناحية العسكرية في العالم؛ كان عليه أن يتخطى عدداً لا يحصى من الألغام الأرضية ورشقات الأعيرة النارية. قتل العديد من اللاجئين وجرح المئات منهم من قبل الجنود الإسرائيليين المتمركزين خلف الأسلاك الشائكة على الحدود، حيث كانت الأوامر العسكرية الصادرة إليهم بأن لا تطأ أقدام أي لاجئ فلسطيني أرض فلسطين. ومع ذلك، أمست الحقيقة واضحة وجلية بأن اللاجئين الفلسطينيين على استعداد لتقديم أقصى التضحيات للحصول على فرصة العودة إلى ديارهم.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تصدر فيها الحكومات الإسرائيلية أوامر بسفك الدماء لمنع عودة اللاجئين الفلسطينيين. فقد كان هذا القرار أمراً مركزياً عند إنشاء الدولة التي فرضت على الأرض نظام فصل عنصري بحق الفلسطينيين الذين تمكنوا من البقاء في بلدهم. وفي حين تعالى النقاش في أوساط الناشطين، فإن الكثير من تلك المناقشات تجاهلت الدور المركزي لقضية اللاجئين في سياق ارتكاب إسرائيل لهذه الجريمة. سبب واحد لهذا "الإغفال" (إذا ما كان لنا أن نسميه بذلك)، وهو أن هناك سوء فهم شائع على المستوى الشعبي لجريمة الفصل العنصري -يعمل بشكل جزئي على تبييض الكفاح المناهض للاستعمار في جنوب أفريقيا- سوء الفهم الذي يفرّق ما بين ارتكاب الجريمة وبين السياق الاستعماري لجريمة الأبرتهايد في كلٍ من جنوب أفريقيا وفلسطين. من وجهة نظر غير تاريخية، أصبحت جريمة الأبرتهايد مرادفةً لجرائم العنصرية والتمييز. إعادة صياغة حركة التحرر الوطني الفلسطيني إلى حركة مناهضة للفصل العنصري أو هكذا يبدو للعديد من الناشطين الفلسطينيين الذين يعتبرون أن عودة اللاجئين والتحرر من الاحتلال هي بمثابة محك الاختبار لصحة أي تحليل قد يأتي كجزء من مؤامرة لتمييع حدة المطالبة بوجود حركة مناهضة للاستعمار، حركةٌ توصف بأنها تقول إذا ما عاملنا الإسرائيليون بشكل أفضل قليلاً، فستصبح الأمور على ما يرام.

إذا ما شعر نشطاء العودة والتحرر بنوع من الاغتراب عن الخطاب المناهض للتمييز العنصري، فذلك يعود إلى أن كثيراً من الكتابات التي تقدم دراسات حول ارتكاب إسرائيل لجريمة الفصل العنصري تعمل على تخفيض أهمية حقوق اللاجئين الفلسطينيين إلى المراكز الثانوية. الجزء الأكبر من تلك الجهود يسترشد طريقه من خلال الاندفاع للمقارنة ما بين فلسطين مع جنوب أفريقيا في ظل الفصل العنصري، و/أو أنه مدفوع من منطق التقسيم (حل الدولتين). وكما هو مشروح أدناه، لم تكن عودة اللاجئين أمراً مركزياً في النضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ولهذا، لم يأخذ الساعين للمقارنة أو المقاربة بعين الاعتبار مركزية قضية العودة في الحالة الفلسطينية. الأخطر هو منطق التقسيم، والذي يتخذ من تقسيم فلسطين إلى دولتين حلاً للصراع. لقد ساهمت حقيقة أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية نفسها قد اعتمدت هذا الموقف وحولت نفسها من حركة تحرر إلى إدارة بانتوستان "معازل" في إشعال حدة منطق التقسيم هذا. وبموجب هذا المنطق، سيكون غرض إجراء دراسة تتناول الفصل العنصري الإسرائيلي هو عزل وفضح الممارسات الإسرائيلية العنصرية التي تجري في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي أحسن الأحوال تمديدها لتشمل ذلك الجزء من فلسطين المحتلة عام 1948. إن الأمر الذي أخفق هذا التحليل في إدراكه هو أن الفصل العنصري كجريمة، تنطبق على النظام في مجمله وليس على أحد مخرجاته، والأهم من ذلك، أن موقع النضال من أجل عودة اللاجئين الفلسطينيين يأتي في صميم نظام الفصل العنصري الإسرائيلي. وفيما يلي، أتناول مكانة اللاجئين الفلسطينيين في ظل الفصل العنصري الإسرائيلي والدور الذي تلعبه عودة اللاجئين في وضع حدٍّ لارتكاب تلك الجريمة بحق الإنسانية.

إنكار حق العودة وجريمة الفصل العنصري

في 30 تشرين الثاني 1973، صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرارها رقم 3068. والذي بموجبه تم تبني الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها، والتي دخلت حيز النفاذ في 18 تموز 1976. وللمرة الأولى، قدمت الاتفاقية تعريفاً قانونياً قابلا للتطبيق عالمياً لهذه الجريمة، فضلاً عن وضعها آلية تنفيذ لاعتمادها ضد الدول التي يثبت بحقها ارتكاب تلك الجريمة. تنص المادة الثانية من المعاهدة على أن أي دولة ترتكب "أعمالاً لا إنسانية... لغرض إقامة وإدامة هيمنة مجموعة من الأشخاص على أساس عنصري على أية مجموعة أخرى من الأشخاص على أساس عنصري، واضطهادهم وقمعهم بشكل منهجي" فهي بالتالي مذنبة بارتكاب جريمة الفصل العنصري (الأبارتهايد). ومن ثم تذهب المعاهدة إلى تفصيل قائمة بتلك الأعمال اللاإنسانية، حيث اشتملت بحسب المادة الثانية (ج) على:

اتخاذ أية تدابير، تشريعية وغير تشريعية، يقصد بها منع فئة أو فئات عنصرية من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلد، وتعمد خلق ظروف تحول دون النماء التام لهذه الفئة أو الفئات، وخاصة بحرمان أعضاء فئة أو فئات عنصرية من حريات الإنسان وحقوقه الأساسية، بما في ذلك ... والحق في مغادرة الوطن والعودة إليه، والحق في حمل الجنسية، والحق في حرية التنقل والإقامة،..."

رغم أن المادة الثانية تعدد حقوقا أخرى غير العودة ، مثل الحق في الجنسية، حرية الحركة والتنقل والإقامة، والتي تؤثر أيضاً بشكل مباشر على اللاجئين، ولكن لن يتم التعامل معها في هذه المقالة.

ومن الواضح في هذا التعريف والتعريفات القانونية اللاحقة لجريمة الفصل العنصري، أن ارتكاب "أيٍ" من الأعمال اللاإنسانية المذكورة (مثل إنكار حق العودة) في سياق "إنشاء وإدامة هيمنة" لمجموعة واحدة على حساب مجموعة أخرى (مثل مجموعة "الشعب اليهودي" بحسب تعريف القوانين الإسرائيلية على حساب مجموعة "غير اليهود"، كما حددتها نفس القوانين والسياسات الإسرائيلية بهدف استثنائهم) تكفي لنجد أن الدولة الإسرائيلية ترتكب فعلا من أفعال هذه الجريمة ضد الإنسانية. على هذا النحو، وبمراجعة سريعة للسياسات والممارسات تجاه الفلسطينيين الذين يعيشون ضمن حدود فلسطين التاريخية المنتدبة، فإنه يثبت أن إسرائيل لا تزال ترتكب جريمة الفصل العنصري بحق اللاجئين الفلسطينيين طالما إنها تستمر في إنكار حقهم الشرعي في العودة إلى ديارهم التي هجروا منها قسراً في العام 1948.

إنكار حق العودة والقوانين والسياسات الإسرائيلية

"هل لنا من ]مبرر] لفتح النار على العرب ]الفلسطينيين[ الذين يعبرون [الحدود[ لجني المحاصيل التي زرعوها في أراضينا، هم ونسائهم وأطفالهم؟ وهل سيخضع هذا للمراجعة الأخلاقية؟... قمنا بإطلاق النار على أولئك من بين 200.000 من العرب [الفلسطينيين] الجياع الذين عبروا خط الهدنة [لرعي قطعانهم[ --فهل سيخضع ذلك لمراجعة أخلاقية؟ العرب الذين عبروا خط الهدنة لجمع الحبوب التي تركوها في القرى المهجورة ونحن زرعنا الألغام لهم فعادوا من دون ذراع أو ساق... ]وقد يكون هذا] غير قابل للمراجعة، لكنني لا أعرف أية طريقة أخرى لحراسة الحدود".
مقتبس من كلمة لموشيه ديان، أحد جنرالات إسرائيل العسكريين الأكثر شهرة ووزير الدفاع في الستينات والسبعينات.

يتضح أنه ومنذ لحظة تأسيسها، كانت المهمة الرئيسية لدولة إسرائيل هي مواصلة السير في الطريق التي وضعتها الحركة الصهيونية للسيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي الفلسطينية حصراً لصالح المستوطنات اليهودية، وفي ذات الوقت استخدام أية وسيلة أو جميع الوسائل التي تكفل بقاء أقل عدد من الفلسطينيين على تلك الأراضي.

الآلية القانونية التي أنكرت إسرائيل من خلالها حق العودة للاجئين الفلسطينيين في العام 1948 جاءت من خلال قانون المواطنة لعام 1952. فالمادة 3 من هذا القانون التي تنص على أنه للحصول على الجنسية، فإن على الشخص أن يكون حاضراً "في إسرائيل، أو في المنطقة التي أصبحت أراضي إسرائيلية بعد قيام الدولة، بدءاً من اليوم الذي أقيمت به الدولة ]مايو [1948 إلى اليوم الذي يصبح به هذا القانون نافذاً [أبريل 1952]". وقبل ذلك بعامين، كان البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) قد مرر قانون العودة الذي يعطي الحق لجميع اليهود، واليهود فقط، في الدخول والحصول على جنسية الدولة الجديدة.

وبعد تشتيت وتهجير أكثر من نصف مليون فلسطيني قسراً عن أرضهم في العام 1967، قامت السلطات العسكرية الإسرائيلية بتعداد سكاني للفلسطينيين في الأراضي التي احتلتها عام 1967، ولم يسمح للفلسطينيين غير المسجلين في ذلك التعداد الإقامة، وبالتالي حرموا من حقهم في دخول فلسطين، حيث تم تجريد 90.000 من الفلسطينيين الذين تواجدوا خارج فلسطين وقت الاحتلال من حقهم في الإقامة. وعلاوة على ذلك، فقد عدد آخر من الفلسطينيين الذين شملهم التعداد السكاني حقهم في الإقامة حيث أنهم بقوا في الخارج لمدة تزيد عن فترة من الزمن حددتها القوانين الإسرائيلية ذات العلاقة، وهكذا أضيفوا إلى صفوف الفلسطينيين المهجرين في الخارج. بتجريدهم من مواطنتهم على هذا النحو، أصبحت مسألة منع عودة اللاجئين مسألة إدارية روتينية بالنسبة للجنود الإسرائيليين المصطفين على مداخل فلسطين. لقد كان حرمان الفلسطينيين من دخول البلد بسيطاً ودون تعقيد، بحيث يكفي الختم على وثائق سفرهم بطابع "الدخول مرفوض".

الاقتباس الذي ورد سابقاً عن "موشيه دايان" يقودنا للفهم بشكل واضح كيف تعاملت إسرائيل مع الفلسطينيين الذين حاولوا جاهدين وبشتى الطرق دخول البلاد ومن أماكن عديدة على طول الحدود (يشار إليهم رسمياً باسم "المتسللين"). وإذا كان بإمكان اللاجئ الفلسطيني الحصول على جواز سفر أجنبي من بلدٍ له علاقات طيبة مع إسرائيل، وحتى لو لم يتمكن هذا اللاجئ من الحصول على تأشيرة دخول وطنه، فلا يمكن لهذا اللاجئ أن يفعل ذلك إلا بصفته سائحاً وبتصريح زيارة مؤقت، وهو ذات التصريح، من حيث الحقوق والامتيازات، الذي يحصّل عليه السائح أو الحاج الأجنبي الذي يأتي لزيارة الأماكن الدينية المقدسة والمواقع الأثرية لبضعة أيام.

الخيار الوحيد الآخر المتاح للاجئين الفلسطينيين يتمثل في الدخول في معمعان سلسلة إجراءات إسرائيلية معقدة لطلب لم شمل الأسرة، وهي عملية يقدم من خلالها أحد الأزواج، أو أحد أفراد الأسرة الآخرون، طلباً إلى السلطات الإسرائيلية للحصول على وضع الإقامة لأحد أقربائهم في المنفى. وقد ترتب على ذلك عمليتين لجمع شمل الأسرة، واحدة خاصة بالمواطنين الإسرائيليين (الفلسطينيين الحاصلين على الجنسية الإسرائيلية)، وأخرى خاصة بالفلسطينيين المقيمين في الأرض المحتلة عام 1967. وقد توقفت العملية الأولى في عام 2002، ومن ثم حظرت بحسب قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل لعام 2003، القانون الذي تم تجديده سنوياً منذ ذلك الحين. أما بالنسبة للعملية الثانية الخاصة بالفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة، بالإضافة إلى مئات الآلاف من الطلبات لـ"غير المقيمين" الذين حرموا من لم شمل أسرهم في سنوات السبعينيات والثمانينيات، علّقت إسرائيل بشكل مفاجئ العمل على تلك الملفات تماماً في العام 2000، مما أجبر حوالي 120.000 فلسطيني من المتواجدين في الضفة الغربية وقطاع غزة على الاختيار ما بين الانفصال عن أسرهم أو الذهاب إلى المنفى. في العام 2007، أصدرت السلطات الإسرائيلية حوالي 4.000 تأشيرة دخول كبادرة حسن نية، في سبيل تعزيز موقف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ومنذ ذلك الحين، تستخدم إسرائيل هذه التصاريح كأحد الأدوات المتعددة التي تقع تحت تصرفها لمكافأة أو معاقبة السلطة الفلسطينية.

في العام 2001، ولضمان عدم تراجع المفاوضين الإسرائيليين عن التزامهم بالإجماع الصهيوني، أقر الكنيست الإسرائيلي قانون " التاكيد على منع العودة". القسم 2 من هذا القانون ينص على أنه " لن يسمح للاجئين بالعودة إلى أراضي دولة إسرائيل إلا بموافقة غالبية أعضاء الكنيست". ويعرّف القسم 1 من القانون اللاجئ على أنه الشخص الذي "عبر حدود دولة إسرائيل في وقت الحرب، وهو ليس مواطناً في دولة إسرائيل، بما في ذلك، الأشخاص الذين هجّروا في العام 1967 والذين لجأوا في العام 1948 أو أحد أفراد العائلة". وعلى هذا النحو، وحتى لو قرر الزعماء السياسيون الإسرائيليون، إلى حد ما، وقف انتهاك نظامهم للقانون الدولي من حيث صلته باللاجئين الفلسطينيين، فإنهم سيكونون عند هذه النقطة بحاجة إلى إذن من أغلبية برلمانية للقيام بذلك. ومن خلال الجمع بين تلك القوانين والسياسات، عمل النظام الإسرائيلي بشكل فعّال على حرمان اللاجئين الفلسطينيين من "حقهم في مغادرة بلادهم والعودة إليها". وفي سياق ذلك العمل، وللحفاظ على روابطهم الأسرية أجبر عدد إضافي كبير من الفلسطينيين على مغادرة فلسطين وأن يصبحوا لاجئين بموجب الانظمة والقوانين الإسرائيلية.


العودة: السبيل الوحيد لإنهاء الفصل العنصري الإسرائيلي (الأبارتهايد)

مما سبق شرحه أعلاه، يتضح جلياً أن إسرائيل تحرم الفلسطينيين حقهم في العودة إلى بلادهم من خلال جملة من القوانين والسياسات والممارسات، وتقوم بذلك في سياق غير قانوني يهدف إلى الحفاظ على أغلبية ديموغرافية يهودية، وكذلك ضمان سيطرة صهيونية على الأراضي الفلسطينية التي صودرت خلال سنوات القرن الماضي. وبكلمات أخرى، تنكر إسرائيل حق الفلسطينيين في العودة من أجل إنشاء نظام هيمنة اليهود على من هم غير اليهود والحفاظ على هذا النظام، وهذا ما يسمى جوهر جريمة الفصل العنصري (الأبرتهايد).

المقارنة والمقاربة مع النظام العنصري في جنوب أفريقيا أدت إلى نتائج كبيرة ذات دلالات. في الحالة الجنوب أفريقية، الجزء الأكبر من التهجير القسري جرى داخل حدود البلد، وتبنى نظام الفصل العنصري هناك سياسة تجميع وتركيز السكان الأصليين من السود الجنوب أفريقيين والذين شكّلوا ما نسبته 90% من السكان في معازل (بانتوستونات)، وكانت عبارة عن مناطق غير متصلة جغرافياً وتشكل حوالي 13% من المساحة الكلية للبلاد. وقد كان الهدف من وراء إنشاء تلك المعازل هو الاعتراف بها لاحقاً كدول مستقلة، فإذا ما حظي جميع السود باعتراف دولي باعتبارهم مواطنين في دول أخرى - حتى لو كانت دول "ميكي ماوس" منزوعة السيادة (كما وصفتها المقاومة الجنوب أفريقية)- عندها سيظهر نظام الفصل العنصري الجنوب أفريقي كدولة ديمقراطية ملتزمة بالمساواة السياسية لسكانها من المستعمرين السود. ولهذا السبب، تم تشريد الملايين من الأفارقة السود وتجميعهم في المعازل، ومن ثم منعوا من العودة إلى مناطق البيض على افتراض أنها أصبحت دولة أخرى. لقد تميز الأبرتهايد الجنوب أفريقي بالتهجير الداخلي، الذي يمثل في حالة الأبرتهايد الإسرائيلي أقلية فقط من المهجرين الفلسطينيين (حوالي 500.000 من مجموع يزيد عن 7 مليون لاجئ فلسطيني). ميزة مركزية أخرى لنظام الأبرتهايد الجنوب أفريقي تكمن في عدم إنكاره لحق العودة، ولكن في إنكاره لحق السود في مغادرتهم لبلادهم. وكان يطلب من السود في جنوب أفريقيا التقدم للحصول على تأشيرة خروج لمغادرة البلاد، الأمر الذي من شأنه توفير فرصة لنظام الأبرتهايد لحرمان من يريد الحصول على وثائق السفر التي من شأنها تمكين حامليها من السفر.

ولفهم هذا الاختلاف، فإننا بحاجة إلى تصور الأبرتهايد كوسيلة وليس كغاية. أهداف الأبرتهايد في في كلٍ من جنوب أفريقيا وفي إسرائيل، وعلى الرغم من كلاهما يندرجان ضمن اطار المشاريع الاستعمارية الاستيطانية، إلا أن النظامين يختلفان اختلافاً جذرياً. في حالة جنوب أفريقيا، كان الهدف الرئيس لنظام الأبرتهايد هو استغلال السود في المناجم والمصانع المنتشرة في البلاد وفي الأعمال المنزلية الدنيا. هذا النوع من الاستغلال، الذي يتجلى أساساً كشكل من أشكال السخرة والعبودية، مكّن البيض كطبقة حاكمة من جني الأرباح الهائلة، مما جعل اقتصاد جنوب أفريقيا هو الأكثر ربحاً في القارة الأفريقية. طرد أي شخص أسود في هذا السياق إلى خارج حدود البلاد لا معنى له، فذلك يمثل خسارة أحد العمال الذين من المحتمل استغلالهم. وعلى هذا النحو، عملت حركة مناهضة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا الكثير لتأكيد الحق في تشكيل نقابات عمالية فعّالة، وحماية العمال واستعادة موارد البلاد الطبيعية لسكانها الأصليين وبالتالي عملت على حق التصويت.

الصهيونية، على الجانب الآخر، سعت إلى إقامة دولة يهودية حصرية على أرض فلسطين. وقد جاء الدافع وراء الأبرتهايد الإسرائيلي في السياق الفلسطيني من خلال الأيديولوجية الاستعمارية وحاجتها لتطهير الأرض عرقياً من سكانها الأصليين واستبدالهم بالمستوطنين اليهود. وكل فلسطيني يهجّر إلى خارج حدود أراضي فلسطين المنتدبة يعد نجاحاً لنظام الأبرتهايد الإسرائيلي، ويقابل ذلك ان نجاح أية عودة لمهجّر فلسطيني تشكل خطراً على نظام الأبرتهايد بمجمله. ان رفض عودة اللاجئين ليست مجرد ميزة بسيطة لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي؛ بل هي حجر الزاوية في مشروع الأبرتهايد الاستعماري الإسرائيلي ككل.

وبغروب شمس الأحد عن مسيرات العودة يوم 15 أيار 2011، اجتاحت عاصفة من المشاعر الحشود الفلسطينية في كلٍ من لبنان وسوريا والأردن والأرض الفلسطينية المحتلة. لقد قيل لهم أن "الوقت قد حان للعودة إلى الديار". لا أحد اعتقد أن "الديار" هي المكان الذي ستنقلهم إليه الحافلات، ولكنها، أي الديار، تلك التي وراء الجنود الذين اصطفوا لمنع عودتهم الفعلية إلى أرض الوطن. وعلى الرغم من الجهود المبذولة لإنكار هذا الحق وتشتيت مساعيه، ومع العلم بأن فلسطين هي الوطن الحق والحقيقي لأكبر مجموعة لاجئين في العالم وأطولها عمراً، ولهذا السبب، ليس هناك من إمكانية لإنهاء الأبرتهايد الإسرائيلي، والتوصل إلى سلام دائم، من دون تمكين اللاجئين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم الأصلية.

______________________________________

* حازم جمجوم: باحث فلسطيني لا زال محروماً العودة إلى وطنه، طالب دراسات عليا في الجامعة الأمريكية في بيروت .