×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

القيمة الإستراتيجية لـ "الدولة اليهودية" في النضال من أجل حقوق الفلسطينيين

نشطاء متضامنون أمام مقر الحكومة الاسرائيلية (القدس 2011) نشطاء متضامنون أمام مقر الحكومة الاسرائيلية (القدس 2011)

بقلم: توفيق حداد*

طرأت سلسلة من التحولات التاريخية والإستراتيجية الهامة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة وعلاقتها مع إسرائيل، هذه العلاقة التي لم يستطع أي من السياسيين أو المعلقين على حدٍ سواء أن يتوقع حجم تبعاتها وثمارها. حيث يجد المتتبع أن التصريحات العلنية لإدارة أوباما ساهمت على نحو متزايد باعتماد مصطلحات الحكومة الإسرائيلية فيما يتعلق بتعريف إسرائيل كـ "دولة يهودية" وبالتحديد "وطن الشعب اليهودي".

يظهر أحد المؤشرات على هذا النهج، والذي يتضح من خلال تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، والتي أدلت بها خلال جلسة نقاش لها مع الرئيس الإسرائيلي شيمعون بيريز في أيلول 2010، حيث صرحت كلينتون بان: "الوضع الراهن غير قابل للاستمرار"، حتى لو استمر لمدة 30 عاماً أخرى؛ إن الطريق الوحيد (لضمان مستقبل إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية وآمنة) يتمثل بإنشاء دولة عربية، ترأسها السلطة الفلسطينية، (جنباً إلى جنب مع إسرائيل)"..

بينما كان الرئيس أوباما أكثر وضوحاً، كما هو موثق في خطابه أمام مجموعة الضغط الإسرائيلي المتمثلة في لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "أيباك-AIPAC" في العام 2011:

"هذه هي الحقائق التي يجب علينا جميعاً أن نواجهها. الأولى، أن عدد الفلسطينيين الذين يعيشون غربي نهر الأردن يشهد نمواً سريعاً، الأمر الذي من شأنه إعادة تشكيل أسس الواقع الديموغرافي في كلٍ من إسرائيل والمناطق الفلسطينية. هذا الأمر يجعل من الصعوبة - من دون التوصل إلى اتفاق سلام- الحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية ودولة ديمقراطية على حدٍ سواء [...]. الهدف النهائي هو دولتان لشعبين: إسرائيل كدولة يهودية ووطن للشعب اليهودي -(تصفيق)- ودولة فلسطين كوطن للشعب الفلسطيني ".

بالنسبة لبعض المراقبين، قد لا تظهر هذه المصطلحات تباعداً كبيراً عن الترتيبات السابقة، التي تقدم الحكومة الأمريكية من خلالها دعماً لإسرائيل تصل قيمته من 3 إلى 5 مليارات دولار سنوياً، إلى جانب الدعم الدبلوماسي والمالي والعسكري الذي تحظى به حليفتها الأكبر في منطقة الشرق الأوسط. ولكن هذا التحول كان كبيراً في ما يخص السياسات الأمريكية والإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وبنفس القدر من الأهمية لكيفية صياغة إستراتيجية المواجهة الفلسطينية ومواصلة النضال التاريخي من أجل تقرير المصير والعودة، والتحرر الوطني.

ومن الجدير ملاحظته أن اشتراط الاعتراف بإسرائيل كـ"دولة يهودية" وبأنها "وطن الشعب اليهودي" كان غائباً عن الصياغات السابقة في السياسة الخارجية الأميركية. حتى جورج بوش، الذي طالما تم تعريفه على أنه من أكثر الرؤساء الأمريكان "الموالين لإسرائيل"، كان قد امتنع عن اعتماد مثل تلك المصطلحات كجزء من سياسة إدارته الرسمية. على سبيل المثال، في خطابه الشهير في حديقة الورود، الذي دعا فيه إلى إقامة دولتين، لم يذكر بوش مطلقاً مصطلح "الدولة اليهودية". وبالرغم من حقيقة أن الرسالة السرية التي مررها الرئيس جورج بوش إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أرئيل شارون في العام 2004، قد تضمنت تطميناً وتأكيداً على أن "الولايات المتحدة ملتزمة بشدة بأمن إسرائيل ورفاهيتها كدولة يهودية"، هذه الرسالة لا تعبّر عن وضع ومكانة سياسية ملزمة للولايات المتحدة، ولم تحظ بتشريع الكونغرس الأميركي ومجلس الشيوخ.

وبصرف النظر عن التوقيت والتخويل لتوصيف إسرائيل على أنها "دولة يهودية" بحسب ما اعتمدته الحكومة الأمريكية، إلا أنه من الواضح أن إدارة أوباما تبنت هذا المصطلح دون تمحيص وبشكل صريح. وبهذا العمل، فإن أصداء الطلب الإسرائيلي المتصاعد في السنوات الأخيرة بأن على القيادة والشعب الفلسطيني (بمن فيهم الفلسطينيون الموجودون داخل الخط الأخضر ويحملون الجنسية الإسرائيلية) الاعتراف على وجه التحديد بهذا الشرط.

لحسن الحظ، كان للقيادة الفلسطينية ما يكفي من الحكمة لأن ترفض مثل هذا الطلب، بحيث أنها تعي حجم الآثار السياسية الخطيرة المترتبة على حقوق الشعب الفلسطيني في حال قبوله، ناهيك عن الطابع الاستثنائي لمثل هذا الطلب ليكون شرطاً تبدأ به التأسيس لاتفاق. قيادة منظمة التحرير الفلسطينية قبلت بالفعل بوجود دولة إسرائيل، سواء كان ذلك رمزياً في إعلان قيام دولة فلسطين في العام 1988، وكذلك صراحةً في إعلان المبادئ في العام 1993. وعلاوة على ذلك، فإن الاعتراف بديانة وأيديولوجية محددة لدولة ما، هي من الأمور التي ليس على الدول أو الكيانات الخارجية إقرارها، ولكنها تبقى أمورا داخلية؛ على مواطني تلك الدولة تحديدها وإقرارها بأنفسهم. الدول والهيئات الدولية تعترف بسيادة وكينونة الدولة وليس توجهاتها الدينية أو العرقية.

بالنسبة للفلسطينيين، فإن اعترافهم بالتعريف الإيديولوجي الإسرائيلي الذاتي من شأنه أن يسمح لإسرائيل مبدئياً باستخدام هذا الاعتراف كمبرر لرفض حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم (بحسب ما ينادي به القانون الدولي). علاوة على ذلك، فإنه يثير شبح التطهير العرقي ضد 1.5 مليون فلسطيني يعيشون داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، استناداً إلى حقيقة أنه سيصبح لإسرائيل "الحق" - (في حال منحها هذا النوع من الاعتراف من قبل الفلسطينيين أنفسهم)- في تحديد المكون الديموغرافي لسكان "دولتها اليهودية"، بحيث تعني الحفاظ على "أغلبية يهودية".

جوهرياً، شرط "الدولة اليهودية" هو السبب الجذري للصراع الصهيوني-الفلسطيني. أنه يلخص الصفات التمييزية العنصرية / العرقية / الاثنية التي أدت إلى المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني، والذي تجسّد في دولة إسرائيل. هذا المشروع الذي فتك بأرض فلسطين تاريخياً، وفي الوقت الحاضر صاحبته عمليات تهجير وتشتيت بحق الشعب الفلسطيني. في كلمة واحدة، مشروع "الدولة اليهودية" هي السبب في وجود الاستعمار الاستيطاني، وفي وجود الاحتلال والأبارتهايد في فلسطين.

لماذا نعتبر أن قضية "يهودية الدولة" ذات أهمية كبرى؟ ولماذا تزداد أهميتها إذا ما تبنت الولايات المتحدة هذه الصياغة بشكل أكثر وضوحاً؟ إسرائيل من جانبها لا ترى مشكلةً في وصفها لذاتها، وترى فيه ترتيباً مؤقتاً تستطيع من خلاله التعايش بسلام مع جيرانها، وتتفاخر بتلاحمها وانتمائها لأهدافها وقيمها.


وتكمن أهمية "يهودية الدولة" في فهم طبيعة الظلم والقمع الجاري بحق الفلسطينيين، وكذلك التناقضات المركزية التي يجسدها هذا الظلم في العالم الحالي.

العدو السياسي الرئيس للشعب الفلسطيني يتمثل في سياسات الحكومات الغربية، وبالتحديد سياسة الولايات المتحدة التي لطالما دعمت إسرائيل ولا زالت، وتعمل على تسهيل مشروعها على أرض الواقع. لم يكن بالإمكان إنشاء دولة إسرائيل دون ذلك الدعم السياسي والدبلوماسي والمعنوي والمالي والعسكري الفعّال، ولم يكن باستطاعتها الاستمرار في الوجود بشكلها الحالي دون الحفاظ على نفس القدر والزخم من هذا الدعم. الدعم الغربي لإسرائيل يشكّل العمود الفقري للمشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي "الناجح"، وإذا ما تم حجب هذا الدعم (المستمد بالأساس من الوعي الشعبي الغربي، حيث معقله الرئيسي)، سيبدأ كامل المشروع الإسرائيلي بالتداعي والانهيار: أخلاقياً وقانونياً أولاً، ومالياً وسياسياً وعسكرياً في وقت لاحق. بالتأكيد لدى إسرائيل قوتها الخاصة بها، استطاعت تطويرها على مدى ستة عقود من وجودها، ولكن تلك القوة أو المشروع لا يمكن أن يستمر من دون دعم الدول الامبريالية التي أنجبته بادئ ذي بدء، وجعلت من إسرائيل مشروعاً استعمارياً يعتمد على تأييدها ودعمها المتواصل حتى يومنا هذا.

بالإضافة إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الميزة الحاسمة التي تسهّل عملية توفير ستار لهذه الشراكة (ما بين المشروع الاستعماري الإسرائيلي والإمبريالية الغربية) هو الطابع "الديمقراطي" لإسرائيل. فبدون واجهة ديمقراطية، سيكون من حق الجميع فضح إسرائيل وتوصيفها كنموذج دولة عرقية-دينية من مخلفات العصور البائدة، عملت على سلب وتشريد الفلسطينيين على أسس عنصرية وعرقية ودينية. ديمقراطية إسرائيل البديلة المصطنعة تضعها ضمن السياق الإنساني الليبرالي والسياسي لأوروبا الغربية، (والتي تشكل إحدى ركائز المسوغات للدول الغربية)، وكذلك تساهم في ترويج الإدعاء في كونها مشروعاً وطنياً لتقرير مصير "للأمة اليهودية" في جميع أنحاء العالم، وتبرر ضرورة وجود بقعة جغرافية تعد بمثابة ملجأ ليهود العالم هرباً من التمييز.

لطالما كان هناك، ودائماً سيكون هناك تناقض أساسي بين ميزات إسرائيل كـ"يهودية" وكـ "ديمقراطية". العديد من المثقفين الإسرائيليين والمحكمة العليا الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي وكذلك عدد من المعلّقين الصهاينة انخرطوا في نقاشات وعصف فكري جدلي باءت جميعها بالفشل، ليس هناك من حل لمعضلة تناغم وتجانس اليهودية-الديمقراطية، لأن واحدة من هذه الصفات أو الميزات يجب أن تكون المهيمنة وتطغى على الأخرى: فقواعد السلوك الديمقراطية لا تتسامح مع التوارث العرقي، بل مع المساواة بين جميع المواطنين. ولأجل أن تكون إسرائيل "يهودية"، فيجب عليها أن تتحمل عبء السياسات غير الديمقراطية وغير الليبرالية التي تترافق مع تلك الصفة. لقد كان هذا تماماً ما حصل عند إنشاء دولة إسرائيل (وتتمثّل بعمليات التطهير العرقي التي جرت بحق الفلسطينيين قبل وبعد العام 1948) والتي هدفت إلى الحفاظ على الطابع اليهودي للدولة، وأدت إلى استمرار أشكال التطهير العرقي والفصل العنصري، وتهجير الفلسطينيين في وجه من تبقى من الفلسطينيين على أراضيهم على جاني الخط الأخضر، والذين تزيد نسبة معدلات الولادة لديهم عن تلك التي لليهود الإسرائيليين، ولا زالوا يشكلون بالمجموع مجتمعاً وطنياً منظما ذاتياً اسمه (الفلسطينيون).

ماذا الذي يعنيه هذا بالنسبة للفلسطينيين وحلفائهم اليوم؟

الاستراتيجي العسكري الصيني الشهير "سن تسو" كتب في رائعته (فن الحرب): "الأهمية القصوى في الحرب تكمن في مهاجمة إستراتيجية العدو". الإستراتيجية الغربية تجاه الفلسطينيين تمثلت في دعمها للقمع الإسرائيلي بحق الفلسطينيين والعرب كوسيلة للحفاظ على المنطقة مقسمة وضعيفة وقابلة للاستغلال، من أجل تحقيق أرباح مادية للشركات الأميركية والمصالح الجيو-إستراتيجية. المطلب المتصاعد بأن يتم الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية يفتح مدخلاً ومرتكزاً لبناء إستراتيجية مواجهة فلسطينية محتملة. ذلك لأن عدم القدرة على تبرير قيام دولة يهودية ضمن القيم الليبرالية، تستعرض خطوط الهجوم الذي يمكن توسيعها واستغلالها لتقويض شرعية المشروع الصهيوني ككل، ومهاجمة الدعم الغربي له. وفي سياق وجود أول رئيس أميركي من أصول أفريقية، والذي كان قد وصل إلى الحكم بناء على حاجةٍ محسوسةٍ من قبل الناخبين في الولايات المتحدة لتداول أنظمة اجتماعية وسياسية ومالية غير عنصرية وأكثر إنصافاً، فإن وزن هذه التناقضات أمسى كبيراً وأكثر وضوحاً.

على الناشطين الفلسطينيين أن يكونوا مجهزين ومدربين ومنخرطين في خطة تهدف إلى استغلال هذا الضعف الاستراتيجي. لسوء الحظ، فشلت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية الحالية في إقرار هذا الضعف الاستراتيجي، على الرغم من اعترافها بوجود العديد من المزايا الهامة. ففي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2011، قال رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس: "جهودنا ليست موجهة إلى عزل إسرائيل أو نزع الشرعية عنها، بل إننا نسعى لكسب الشرعية لقضية شعب فلسطين. إننا نهدف إلى نزع الشرعية عن النشاطات الاستيطانية والاحتلال والأبرتهايد ومنطق فرض القوة الغاشمة، ونحن نعتقد أن جميع دول العالم ستقف معنا للوصول إلى هذا الهدف".

ومع ذلك فإن نزع الشرعية عن إسرائيل، بوصفها مظهراً لـ "الدولة اليهودية" --وقلب الصهيونية السياسية-- هو بالتحديد ما نحتاجه اليوم. فجميع الاستراتيجيات الأخرى تعالج المظاهر الأخرى للصراع، ولكن ليس جذوره.

الذخر الفلسطيني الأساسي وأحد أشكال قوته يكمن في شرعيته الأخلاقية باعتباره شعباً أصيلاً مضطهداً، وشعباً مستعمراً يقاتل من أجل حقوقه في مواجهة المشروع الاستعماري الذي يرتكب جريمة الفصل العنصري بحقهم. بدون الركيزة الأخلاقية الأساسية لقضيتنا، وبالتوازي مع عدم فضح لشرعية المشروع الصهيوني، فسوف يظل نضالنا رهناً للعديد من العوامل --ولكن الثانوية-- التي لا تصب في صالحنا (القوة العسكرية، النفوذ المالي، والصراعات الدبلوماسية...وغيرها). فما دام الرئيس أبو مازن قادرا على تحديد ملامح نظام الفصل العنصري (الأبرتهايد) المتمثلة في القمع والقهر والاضطهاد والطغيان الإسرائيلي، فإنه من غير المعقول أن يمتنع عن تبني نهج استراتيجي من شأنه أن يشكك في شرعية المشروع الإسرائيلي، وبالتالي الخروج بنتائج عكسية لا تحمد عقباها.

وبغض النظر عما تقوم به القيادة الفلسطينية، يبقى هناك مجال واسع للناشطين الفلسطينيين، والأحزاب والحركات ومجموعات التضامن مع القضية الفلسطينية، لخوض نضال يمكن أن يمد مثل هذا المشروع بالحياة. وهناك أشكال كثيرة يمكن لهذا النضال أن يتخذها، وتقع على عاتق الفاعلين في الحركة الوطنية وحلفائها لتنسيق جهودهم نحو تحقيق هذا الهدف.

الحملة العالمية لمقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها حتى تنصاع للقانون الدولي وشرائع حقوق الإنسان (BDS) والتي انطلقت في العام 2005، جاءت كبداية هامة لهذا المسعى. ولكن من أجل أن يكون لديها "أسنان" وتثبت فعاليتها، فإن ذلك يتطلب تجهيز جيش من الأفراد والمنظمات المهنية الراغبة بشدة للمواجهة والطعن في المواقع التي تكمن فيها التناقضات ما بين دعم "الدولة اليهودية" والوفاء لقيم الليبرالية والديمقراطية. وهذا يتطلب صبراً، وتثقيفاً، وتنظيماً، وموارد، ولكن إذا ما توافرت الإرادة السياسية، فيمكن إنجاز تلك المهمة بسهولة.

السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه هو: ما الذي سيحدث لو يمتنع الفلسطينيون عن الانخراط في مثل هذه الإستراتيجية، وعدم قدرتهم على توقع إسقاطات الاعتراف بـ"يهودية الدولة" على الفلسطينيين على المدى البعيد؟ إننا بغنى عن القول أن إسرائيل لم تكن لتبني عشرات المستوطنات في جميع أنحاء الضفة الغربية فقط لمصلحة عابرة، بل هي استثمارات إستراتيجية يدعمها الغرب من خلال غضه البصر عن مدى شرعيتها، وذلك لغرض تعزيز "الدولة اليهودية" التي قد تشكّل يوماً من الأيام قاعدة لإنهاء "معضلة السكان الأصليين". التاريخ يعلمنا أن حركة الاستيطان الإسرائيلي في مرحلة ما قبل العام 1948، لعبت دوراً مماثلاً في نكبة الفلسطينيين، وليس هناك سبب يدعو إلى الاعتقاد بأن المشروع الصهيوني قد تغيرت أهدافه، ولهذا السبب، وضع الناشطون في الساحتين العربية والدولية في موقف المواجهة أمام المناورات الخطيرة المحتملة عندما تحل النهاية "الطبيعية" المنطقية لـ"الدولة اليهودية". الأطماع الإسرائيلية المستقبلية في أن تكون مورداً دولياً للغاز الطبيعي إلى أوروبا، يصلب من مواقفها المتشددة من جهة، وتضعف الحكومات الغربية في مساعيها الرامية لتحصيل الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية من جهة ثانية.

ولهذا السبب، فإن الحاجة إلى بناء حركة واسعة حول المبادئ الهادفة إلى فضح وعزل وهزيمة فكرة يهودية الدولة هو أمر حتمي. وفي الوقت الذي تجتاح فيه الأزمات الرأسمالية العالم الغربي، أدت إلى نشوء طبقة اجتماعية دنيا من الشباب والعمال الفقراء، تطالب بسياسة أكثر عدلاً في توزيع الثروات والمزيد من التمسك بحقوق الإنسان - هذه الفئة الاجتماعية المناصرة ستشكل تلقائياً مجموعة مناصرة لقضيتنا، مجموعة يتوجب علينا أن نولي المزيد من الاهتمام بنضالها ونشترك فيه. تقع على عاتقنا مسؤولية ربط الدعم الغربي لإسرائيل بعلميات اضطهاد الفلسطينيين التي تأتي كجزء من المنطق الجائر للنظام الرأسمالي المعاصر وأولوياته، وذلك من أجل المنفعة المتبادلة بين الفلسطينيين وأولئك الشعوب الذين استغلتهم الرأسمالية الغربية في بلدانهم الأصلية- وبالتحديد الطبقة العاملة في الدول الغربية. وإذا كان بالإمكان توحيد ما تعد به الثورات العربية في شكل نظام عربي إقليمي أكثر ديمقراطية وإنصافاً في المدى المتوسط، عندها يمكن وضع حجر الأساس لأكبر انتصار على الصهيونية.

_______________
* توفيق حداد: باحث وناشط سياسي.