الشباب الفلسطيني ما قبل منظمة التحرير

الشباب الفلسطيني ما قبل منظمة التحرير

بقلم: عبد الفتاح القلقيلي*
يشكل الشباب الفلسطيني نسبة عالية من المجموع العام للشعب الفلسطيني، سواء في الأراضي الفلسطينية أو على صعيد بلدان اللجوء والشتات. وقد كان كذالك وما زال، فقد أشارت التقارير الإحصائية إلى أن نسبة الشباب في المجتمع الفلسطيني تعدت الـ 38% نهاية العام 2011.
ولا شك ان شريحة الشباب في المجتمع الفلسطيني كانت على الدوام حاضرة بقوة في مختلف المحطات والمراحل النضالية التي مر بها شعبنا وقضيتنا الوطنية الفلسطينية. ويجدر بنا التنويه هنا ان الكاتب الفلسطيني بكر أبو بكر (على موقعه الالكتروني) يعيد تاريخ الحركة الطلابية الفلسطينية إلى بدايات القرن العشرين (أواخر العهد العثماني)، حيث انخرط الطلاب في الأحزاب والجمعيات والنوادي الثقافية والخيرية والرياضية والكشفية مثل جمعية الإخاء، والمنتدى الأدبي، والجمعية القحطانية، وجمعية العهد، وحزب اللامركزية، وكان اهتمامهم يتجه إلى السياسة، وخاصة التصدّي للصهيونية. كما أنضم الطلاب العرب (وفي مقدمتهم الفلسطينيون) في الأستانة لجمعية الإخاء العربي التي ولدت عام 1908 بعد إعلان الدستور العثماني، وقام إسماعيل الحسيني بتأسيس فرع للجمعية في القدس.

وفي العام 1912 تأسست جمعية العلم الأخضر، وهي جمعية طلابية هدفت لتقوية الروابط بين الطلاب العرب في المدارس العليا، وتوجيه القوى إلى النهوض بالأمة العربية، شارك في تأسيسها ثلاثة فلسطينيين: هم عاصم بسيسو ومصطفى الحسيني وشكري غوشة، وكانت الجمعية بمثابة اتحاد طلابي.
لاحقاً لذلك، وتحديداً في العام 1913 تأسست في نابلس جمعية شبابية لمكافحة الصهيونية على أثر حملة صحيفة (الكرمل) لصاحبها نجيب نصار في دعوتها للعمل الواعي والمنظم ومواجهة الخطر الصهيوني، كما قام الطلبة الفلسطينيون في جامعة الأزهر بإنشاء (جمعية مقاومة الصهيونية) في ذات العام. ولم يبتعد الطلبة والشباب الفلسطيني عن المشاركة في التنظيمات السياسية التي انتشرت في فلسطين منذ العام 1918 تحت عنوان الجمعيات الإسلامية-المسيحية.
وفي أعقاب ثورة البراق (1929) شعر القوميون العرب من الشباب الفلسطيني أن الوقت قد حان لإعطاء الأولوية للبعد القومي في النضال الوطني الفلسطيني، فأقدموا في تموز (يوليو) 1931 على تغيير اسم "الجمعية الإسلامية – المسيحية" في نابلس إلى "الجمعية الوطنية العربية". وعقدت مؤتمرها في عام 1932، حيث تم انتخاب لجنة تنفيذية برئاسة راسم الخالدي ضمت 36 عضوا. وفي العاشر من أيار من عام 1935، عقد مؤتمر الشباب اجتماعا في حيفا ضم ألف شاب من مدن وقرى فلسطين برئاسة يعقوب الغصين، وقد تحول إلى حزب مؤتمر الشباب بهيئته السابقة التي انتخبت في 5 أيلول 1932 حيث اتخذت القرارات التالية: تنظيم الشباب في مدن وقرى فلسطين، وتوحيد الجهود لدرء الخطر المحدق بالبلاد، كما الاهتمام بالمشاريع الاقتصادية والعمرانية، وتقوية الروح الوطنية بالخطب والمحاضرات، كذلك نشر الدعاية للقضية الفلسطينية داخليا وخارجيا، وتوثيق العلاقة مع الأقطار العربية، إلى جانب الاهتمام بالأرض والتمسك بها، وتأسيس صندوق لإنقاذ الأرض المعرضة للبيع، والعناية التامة بالمعارف والتعليم القومي، دون إغفال تنظيم العمال في كل بلد لدراسة مشاكلهم والأخذ بأيديهم، والعمل على توفير العناية الكافية بالحركة الكشفية وإقامة المخيمات.
وفي تلك الفترة أنشئت منظمة النجادة الفلسطينية، والتي اعتمدت على الشباب بهدف تدريبهم عسكريا استعدادا لتحرير الوطن، وقد كان لاسم النجادة وقع محبب في النفوس، ولكن المنظمة أخفت أهدافها العسكرية وراء نشاطات رياضية عامة كما جاء في القانون الأساسي للمنظمة. ولم تحصل المنظمة على موافقة رسمية من سلطات الانتداب بالعمل العلني حتى تاريخ 21/12/1945 .وبعد ان تم الترخيص رسميا للمنظمة أنشأت المعسكرات واتخذت زيا موحدا شبيها بالزي العسكري، واتخذت عدة شارات للرأس والصدر والحزام واتخذت ألقابا خاصة بها تطلقها على أفرادها وفق نظام عسكري خاص.
توزعت مراكز النجادة في المدن الفلسطينية: الناصرة، وحيفا، ونابلس، ويافا، والقدس، وغزة. وكان يشرف عليها جميعا قيادة مركزية ومجلس أعلى ومجلس قيادة ومجلس استشاري، حيث ينتخب القائد العام من هذه الأطر. وبالفعل تم انتخاب المحامي محمد نمر هواري قائدا عاما للنجادة وأعلن ولاء النجادة للمفتي الحاج محمد أمين الحسيني وللعروبة، واتخذت شعارا لها "بلاد العرب للعرب".
وعلى الرغم من أن السنوات القليلة التالية للنكبة شهدت ذهولا للفلسطينيين عموما فكانت الحياة السياسية الفلسطينية طوال النصف الأول للخمسينات تتميز بطابع الركود والتعطيل، إلا أن النكبة (1948) ولّدت آثاراً وردود فعل عميقة في وسط أبناء فلسطين، فبفقدان الأرض والتشريد، لم يعد مجال للحياة وكسب العيش الا بالتعليم، فانتشر التعليم بين الشباب الفلسطيني، فكانت الأسر الفلسطينية هي الوحيدة تقريباً من بين الأسر العربية التي تكدح وتستدين لتعليم أبنائها. وبانتشار التعليم بين الشباب الفلسطيني، كانت الفرص أمامهم للعمل في الأقطار العربية وخاصة الخليجية في فترة خمسينات القرن العشرين. وهناك التقى لأول مرة الشباب الفلسطينيون القادمون من المناطق المختلفة (غزة، والأردن، وسوريا، ولبنان، ومصر، والعراق، ومناطق أجنبية). تفاعل الشباب الفلسطينيون مع بعضهم، وأدركوا أن أحد أسباب المأساة يكمن في الوضع الذاتي لشعب فلسطين متمثلاً في انعدام القيادة والوعي والتنظيم. وان الحل يكمن في التنظيم والوعي على الصعيد الفلسطيني، والتغيير باتجاه التحرر من الإمبريالية على الصعيد العربي. وقد شكلت التغيرات التي حدثت في البلدان العربية في تلك الفترة دافعاً إيجابياً وزادت من الأمل والتفاؤل بإمكان خوض معركة مع إسرائيل واسترداد فلسطين. وكان النشاط الطلابي الفلسطيني أحد التعبيرات الفلسطينية الناشئة عن هذا الوضع. ولما كانت الحركة النقابية الفلسطينية هي حركة سياسية في الأساس، فمن الممكن تلمس ذلك بوضوح في الحركة الطلابية الفلسطينية منذ بدايتها أيضا.
العمل الطلابي لم ينحصر في مساعدة الطلبة وتأمين شروط أفضل في شؤونهم التعليمية وحسب، بل كان يعمل على تنظيم الطلاب وتوعيتهم وتجنيدهم في العمل الوطني، ومد هذا النشاط إلى أوساط الفلسطينيين في أماكن تجمعاتهم، وذلك انطلاقاً من الاعتقاد القائل بأن ذلك يجسد تعبيراً عن السير على الطريق الصحيح المؤدي إلى التحرير والعودة. ويبدو هذا جلياً إذا نظرنا إلى الأهداف التي أعلنتها الحركة الطلابية وهي تحدد أهداف عملها وغاياتها وسبل تحقيقها. ففي القانون الأساسي "لرابطة الطلاب العرب الفلسطينيين" في دمشق، نجد أغراض الجمعية محددة كما يلي: "رفع المستوى الثقافي لعرب فلسطين، والاهتمام بأعضاء الرابطة من الناحية الاجتماعية والمساهمة بالأعمال الخيرية، والسعي لتوفير سبل العلم للطالب الفلسطيني ودراسة مشاكل الطلبة الفلسطينيين والمساهمة في حلها، وتنمية وعي شعبنا لقضية فلسطين وشرحها بشكل قومي صحيح، والاشتراك بالمؤتمرات الطلابية العالمية وشرح قضية فلسطين للرأي العام العالمي، وإعداد الشباب العربي الفلسطيني لمعركة العودة".

وقد عُرفت تلك الفترة من تاريخ الحركة الطلابية الفلسطينية "بمرحلة الروابط". وكانت رابطة القاهرة أقدم هذه الروابط وأنشطها، ففي عام 1952 انتخب ياسر عرفات رئيساً للرابطة وظل كذلك حتى تخرجه عام 1956، حيث أسس رابطة الخريجين الفلسطينيين، وترأسها.

استطاعت الرابطة تحقيق إنجازات هامة على صعيد الحركة الطلابية الفلسطينية، فاعترفت بها جامعة الدول العربية والهيئات الرسمية كشخصية معنوية لها كيانها وذلك بسبب كونها أكبر هيئة شعبية فلسطينية منتخبة. كذلك مثلت الرابطة فلسطين لأول مرة على مستوى عالمي، واستطاعت بإمكاناتها البسيطة أن تقف في وجه النفوذ الصهيوني وتصبح عضواً في اتحاد الطلاب العالمي. ففي العام 1955 اشتركت الرابطة بمهرجان وارسو واجتماع صوفيا، وفي عام 1956 دعيت الرابطة لحضور اتحاد الطلاب العالمي كعضو مراقب، وبرغم محاولات الوفد الإسرائيلي إحراج وفد فلسطين وإخراجه من المؤتمر، استطاع وفد الرابطة في النهاية أن يحصل على العضوية الكاملة في الاتحاد. وفي عام 1957 اشتركت الرابطة باسم فلسطين في مهرجانات الشباب في موسكو. وفي المؤتمر الخاص لاتحاد الطلاب العالمي الذي عقد في بكين 1958 اعتبرت الرابطة عضواً عاملاً في هذا الاتحاد، وبقيام الاتحاد العام لطلبة فلسطين (29/11/1959) تحولت العضوية من الرابطة إليه وانتخب في المؤتمر السادس لاتحاد الطلاب العالمي عضواً عاملاً في لجنته التنفيذية.

وهنا نشير إلى انه في أواخر الخمسينيات بادرت رابطة القاهرة بالاتصال برابطة الإسكندرية، وتشكلت منهما لجنة تحضيرية مع رابطتي دمشق وبيروت لتوحيد الجهود والدعوة لعقد مؤتمر "يكون نواة لتنظيم قطاع الطلاب من أجل تهيئتهم لخوض معركة استرداد فلسطين، عن طريق توطيد علاقات طلبة فلسطين مع كافة المنظمات الطلابية العالمية الوطنية، العربية منها والأجنبية، وبالذات لتنسيق الجهود مع أطراف الحركة الطلابية العربية من أجل فلسطين ومعركة المصير المشترك".

إذن، مارس طلبة فلسطين في البداية نشاطهم من خلال تشكيل روابط طلابية في العواصم العربية، ثم جاء الاتحاد العام لطلبة فلسطين في العام 1959 ليوحد هذا النشاط وينقل الحركة الطلابية الفلسطينية إلى مرحلة جديدة. وقد نصّ دستور الاتحاد العام لطلبة فلسطين، في مقدمته على أن "التنظيم الشعبي الديمقراطي هو الطريق السليم للعودة المظفرة، وبأن الاعتراف بشخصية فلسطينية مستقلة يشكل دعامة أساسية لنضال شعبنا في سبيل العودة".

وكما كان لغزوة نابليون على مصر أواخر القرن الثامن عشر، إسهاما في تشكيل النهضة العربية، فقد كان غزو إسرائيل لقطاع غزة عام 1956 بداية لمرحلة استعادة الوعي الفلسطيني، وانطلاق الشبيبة الفلسطينية لتلمّس المخارج من النكبة، والانطلاق في مسارات استعادة الهوية الفلسطينية على طريق تحرير الإنسان والأرض الفلسطينية.
لم يكن الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة درسا خاصا بفلسطينيي القطاع وحدهم، بل أخذت تشهد بدايات حركة جديدة، حيث أخذت بعض الطلائع الشبابية تتحرك لبلورة عمل فلسطيني منظم، وخلق وجود سياسي فلسطيني خاص .
نستطيع القول أن السنوات الأولى التي تلت انسحاب إسرائيل من غزة شهدت الإرهاصات الجدية الأولى للكيانية الفلسطينية، حيث ظهر عدد من الظواهر الكيانية الفلسطينية التي عبرت عن نفسها عبر مؤسسات مختلفة، بعضها استمر وبعضها الآخر عجز عن الاستمرار وأصبح جزءاً من التاريخ. ومن أهم تلك المؤسسات التي ظهرت قبل قيام منظمة التحرير الفلسطينية: الاتحاد القومي العربي في غزة، منظمة الأرض في مناطق الـ48، حركة فتح دون تحديد لمكانها وان أصدرت مجلة فلسطيننا في لبنان، فيلق فلسطين في العراق، الاتحاد العام لطلبة فلسطين في القاهرة.
ساهمت رابطة الطلبة الفلسطينيين في جامعة القاهرة -التي كان يترأسها ياسر عرفات آنذاك- مساهمة رائدة في تشكيل الاتحاد العام لطلبة فلسطين كما أسلفنا، حيث وجهت الدعوات لكل من روابط الإسكندرية ودمشق وبيروت وأسيوط لعقد أول مؤتمر طلابي فلسطيني في القاهرة. وفي ذكرى تقسيم فلسطين 29/11/1959 عقد المؤتمر بحضور ممثلي الاتحادات الطلابية العربية والأجنبية بالإضافة لممثلي اتحاد الطلاب العالمي، ووضع المؤتمر دستور الاتحاد ولائحة تنظيمية لعمله، وأعتبر أن مهمته الأساسية هي خلق الإنسان الثوري القادر على المشاركة في معركة التحرير والإعداد للمعركة وتوعية الشباب الفلسطيني، وذلك في خضم الخلافات التي ظهرت في المؤتمر التأسيسي (الأول) هذا حول أولوية العمل السياسي أو النقابي. وبعد تشكيل الهيئة التنفيذية الأولى برئاسة زهير الخطيب باشرت عملها بإنشاء الفروع، فإضافة لفرع مصر، كان لفرع كونفدرالية ألمانيا الغربية دوراً بارزاً في تاريخ الاتحاد، واستطاعت الهيئة التنفيذية أن تبلور اللوائح والدستور بشكل واضح، كما نشط الاتحاد على الصعيد الخارجي حيث شاركت وفود عدة في مؤتمرات مختلفة أبرزها مؤتمر اتحاد الطلاب العالمي، ومؤتمر بغداد ومؤتمر بكين.
وعقد الاتحاد بين عامي 1959 _ 2000 عشر مؤتمرات، و 37 مجلسا إداريا. وعقد الاتحاد مؤتمره الخامس لأول مرة في عمان في 31/7/1969. أما مؤتمراته الأربعة قبل مؤتمر عمان وقبل سيطرة المنظمات الفدائية على منظمة التحرير فكانت على الشكل التالي: المؤتمر الأول في القاهرة في 29/11/1959، والثاني في غزة في 28/10/1962، وجاء المؤتمر الثالث في غزة أيضا في عام 1963 ، أما الرابع فكان في القاهرة في 6/12/1965.
من المعروف والبدهي؛ أن الشباب هم جيش حركات التحرير في العالم منذ الحرب العالمية الأولى، ولكن المميّز للشباب الفلسطيني أنهم لم يكونوا جنود حركة التحرير فقط، بل كانوا القادة أيضا، لدرجة انه كان بالإمكان أن يطلق على الحركة الوطنية الفلسطينية منذ النكبة حتى الثورة الفلسطينية المسلحة المعاصرة أنها ثورة الشباب، مما يجعلنا نتفق مع المحللين السياسيين الذين قالوا: "ان الربيع الشبابي الفلسطيني سبق الربيع العربي بعدة عقود، إذ بدأ منذ أواسط خمسينيات القرن العشرين؛ حيث تكاد تكون المرحلة (1956-1965) هي بجدارة مرحلة النشاط الشبابي الفلسطيني العلني والسري، حيث تشكلت العديد من المنظمات الفلسطينية التي كانت جسما وقيادة من الشباب. بعض هذه المنظمات تطورت وتعاظم دورها مثل حركة فتح والجبهة الشعبية، وبعضها انحل وانضم أعضاؤها إلى المنظمات الناجحة. وقد أطلق البعضُ ومنهم ياسر عرفات على الاتحاد العام لطلبة فلسطين "فقّاسة القيادات الوطنية الفلسطينية"، حيث يكاد يكون كل القيادات في المنظمات الفلسطينية (وخاصة فتح) قيادات في الجسم الطلابي.
وبغرض التدليل على ذلك؛ يمكن تقديم امثلة للشباب الفلسطيني الذي تبوأ مواقع قيادية في النضال الفلسطيني في شبابه، لإتاحة المساحة أمام القارئ أن يتخيل أعمارهم يوم بدأوا نشاطهم السياسي الجادّ سواء كان في المجال النظري والإعلامي، أو في المجال العملي ومنه العسكري السري والعلني:
كانت حركة التحرير الوطني الفلسطيني –فتح-، وما زالت، أهم المنظمات الفلسطينية المسلحة في الثورة الفلسطينية المعاصرة، وقد تأسست عام 1958، وانطلقت بالكفاح المسلح في بداية عام 1965. وما يهم بحثنا هو أن قيادة فتح السياسية والعسكرية جميعها كانت من الشباب. فعند التأسيس كان ياسر عرفات الرقم الأول في القيادة، وكان عمره 29 عاما، أما أبو جهاد الرجل الثاني فكان عمره 23عاما فقط. وعند الانطلاقة المسلحة تم تشكيل القيادة العامة لقوات العاصفة، حيث كان القائد العام الشاب ياسر عرفات، وعمره 36 سنة، ولأنه أكبرهم سنا أطلقوا عليه منذئذ لقب "الختيار". فقد كان أعضاء القيادة العامة كما يلي: ابو جهاد ثلاثون سنة، وأبو علي إياد ثلاثون سنة، أما ابو صبري فكان أصغرهم سنا حيث كان خمسة وعشرين سنة. ومن الجدير ذكره هنا أن أبا جهاد كان الوحيد المتزوج منهم. وكذلك اللجنة المركزية للحركة كانت أيضا من الشباب، فإضافة لأعضاء القيادة العامة كان فاروق القدومي 34 سنة، وصلاح خلف 32 سنة، ومحمود عباس 30 سنة، وعبد الفتاح حمود 32 سنة. وحينما اعتُقلت اللجنة المركزية لحركة فتح في دمشق لمدة شهر (عام 1966) أُسندت القيادة مؤقتا لأم جهاد ذات الأربعة وعشرين ربيعا آنذاك. والمؤشرات الشبابية في حركة فتح متعددة، وفي كل المجالات، فهاني الحسن كان عام 1970 المفوض السياسي العام للقوات المسلحة الفلسطينية ولم يتجاوز الثانية والثلاثين من عمره. وأشير أيضا إلى انه عام 1968 طلبت القيادة العراقية من حركة فتح التوسط بينها وبين القيادة السورية لرأب الصدع بينهما باعتبارهما سلطتين بعثيتين في قطرين شقيقين متجاورين. وقد رحبت حركة فتح بهذه المهمة، واقترحت للقيام بهذه المهمة رسميا محمد أبو ميزر، والذي لم يتم الثانية والثلاثين من عمره أيضا.
ومن الطرائف في حركة فتح والتي كانت ذات دلالة، وكنت شاهدا عليها أن الشهيد ماجد أبو شرار، أبلغني بأنه عندما يبلغ الأربعين سيعتزل السياسة ويتفرّغ للأدب. ولكنه –طبعاً- لم يعتزل السياسة، ولم يتفرغ للأدب حتى استشهد عام 1981 وقد بلغ الخامسة والأربعين.
وكما كان حال فتح كان حال المنظمات الأخرى، أي كان جسمها ورأسها من الشباب. فحركة القوميين العرب أسسها، وقادها، وقاد فصيلها المسلح (شباب الثأر) جورج حبش وعمره لم يتجاوز الثلاثين عاما. وعندما أسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (عام 1967) كان عمره واحدا وأربعين عاما، أما الرجل الثاني في الجبهة والقائد العسكري أحمد جبريل، فكان في التاسع والعشرين من عمره عندما انشق عن الجبهة الشعبية ليشكل ويقود الجبهة الشعبية القيادة العامة، أما الرجل الثالث نايف حواتمة، فكان اثنين وثلاثين سنة، والذي انفصل عن الجبهة الشعبية ليقود الجبهة الديموقراطية، وعمره خمسة وثلاثون عاما، وكان الرجل الثاني معه ياسر عبد ربه ذا الخمسة والعشرين ربيعا، والذي انشق عنه ليرأس تنظيما جديدا باسم "فدا" عندما كان في الرابعة والثلاثين من عمره. وأما الرجل الذي لقّب بأخطر رجل في العالم عام 1968 وهو وديع حداد فكان عمره حينئذ 41 سنة، أما الفتاة التي لقبت بأخطر امرأة في العالم فكانت ليلى خالد ابنة الرابعة والعشرين.
وزهير محسن رأس منظمة الصاعقة ومثّلها في اللجنة التنفيذية وعمره 35 ستة، وقبله كان لطف غنطوس الأصغر منه سناً. بينما كان عبد الله الريماوي أمين سر حزب البعث العربي الاشتراكي في الأردن، وعضو البرلمان الأردني ولم يتجاوز الثلاثين من عمره.
ومن المعروف أن الأحزاب الدينية عموما والإسلامية خصوصا، غالبا ما تكون قياداتها من الشيوخ المتقدمين في العمر، ولكن حزب التحرير الإسلامي الذي كانت قيادته المتمثلة باللجنة المركزية فلسطينية بالكامل، كان تقي الدين النبهاني رئيسه ومؤسسه عام 1953 في التاسعة والثلاثين من عمره. أما أعضاء لجنته المركزية الأربعة الآخرين (عبد القديم زلوم، ونمر المصري، وداود حمدان، وخالد الحسن) فكانوا جميعا من الشباب دون الثلاثين، فكان خالد الحسن مثلا في السادسة والعشرين، والذي ترك الحزب، وانضم لحركة فتح، ليصبح عضوا في لجنتها المركزية قبل أن يتم الأربعين من عمره.
هكذا كانت أعمار القيادات العليا للمنظمات الفلسطينية، ويمكننا أن نتصور أعمار القيادات في المستوى الثاني وكوادرها العسكرية والسياسية. بمعنى أن الحركات السياسية الفلسطينية العلمانية منها والدينية، القطرية منه والقومية وشبه القومية، كانت تعبيراً عن حركات شبابية من أخمص قدمها حتى مفرق رأسها، من القاعدة حتى رأس الهرم، ولكنها الآن بدأت تشيخ فتهرم قاعدةً وقمةً وبرامجَ سياسية، مما يبرر تحركا شبابيا في كل المجالات بمعناه الضروري.
--------------------
*عبد الفتاح القلقيلي (أبو نائل): كاتب وباحث فلسطيني، الأمين العام للمجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم في م.ت.ف، وعضو الهيئة العامة لمركز بديل.