×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

الهوية والحراك الشبابي الفلسطيني: نظرة تاريخية في الأدب

بوستر الفنان مصطفى بدر، فائز بالمرتبة الثالثة، جائزة العودة ©( ٢٠١٢ بديل( بوستر الفنان مصطفى بدر، فائز بالمرتبة الثالثة، جائزة العودة ©( ٢٠١٢ بديل(

بقلم: د. منار مخول*

مما يتضح للمراقب؛ أن الحراك الوطني عموما مرتبط عضوياً بالهوية وتطورها على محور الزمن. ويستند هذا المقال على تقديم محاورة تتطرق إلى تطور الهوية الفلسطينية في أراضي 48 منذ النكبة حتى اليوم، وهذا من خلال قراءة نقدية للروايات والسير الذاتية الفلسطينية المنشورة هناك. يمكن اعتبار الأدب الروائي الفلسطيني في الداخل أرشيفاً تاريخياً لتطوّر الهوية والخطاب السّياسي، وقد توفر للشباب دور مركزي مزدوج فيه من حيث: تدوين الواقع السياسي، الاقتصادي والاجتماعي في القصة الروائية من جهة، والمحاولة للتأثير على هذا الواقع وتحويله من جهة أخرى. سأتطرق في هذا المقال إلى ثلاث مراحل مفصلية في تطور الهوية الفلسطينية في الداخل، والتي بإمكانها تسليط الضوء على العوامل المحفّزة للحراك الشبابي اليوم.

مرحلة التأقلم - سنوات الحكم العسكري 1948-1966
كان لأحداث النكبة، والسنوات القليلة التي تلتها، أثر كبير على الفلسطينيين. فقد تحوّل النسيج الاجتماعي للمجتمع الفلسطيني جذرياً خلال هذه الفترة، نتيجة للتهجير القسري لأغلبية السكّان، الذي تبدّى جليا في تقطيع أوصال العائلات. الحكم العسكري الذي فُرض بعد الحرب على بقايا الشعب المتبقي في دياره كان يمتاز بالقمع والقسوة، كسمتين مميزتين، مؤديا بذلكً لتحطيم الاقتصاد الفلسطيني من خلال مصادرة الأراضي والأملاك وتحديد حرية الحركة من خلال نظام التصاريح، الذي لا يزال مألوفاً حتى يومنا هذا في المناطق المحتلة عام ١٩٦٧. كان على الفلسطينيين الباقين في ما احتل من فلسطين على اثر النكبة، التأقلم مع الأوضاع الجديدة، بما عكس ذاته في طبيعة خطابهم السياسي - من خطاب تحرر وطني وتقرير المصير، إلى الخطاب الذي دعا إلى دمج الفلسطينيين في مشروع تأسيس الدولة. استند هذا الخطاب إلى حق الفلسطينيين الأوّلي على فلسطين، إلى معايير حقوق الإنسان، والمواطنة المبنية على المساواة. وفي هذا الصدد يمكن طرح عدة عوامل دفعت لتبني هذا الخطاب: أولها يعود لميزان القوى بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أما الثاني فيأتي، استنادا للخبرة المسبّقة في سنوات الانتداب البريطاني حيث كانت مؤسسات “الدولة” مختلطة (مثل الشرطة على سبيل المثال). بالإضافة إلى ذلك، أعتقد الكثيرون أن الوضع القائم في تلك الفترة كان مؤقتاً، مثلما كانت كل الأنظمة السابقة في فلسطين.

في أواخر الستينيات طرأ تطور جديد على الخطاب الفلسطيني في الداخل. فبدل من التحدث عن إدماج الفلسطينيين في الدولة بناءً على حقوقهم كسكان أصليين، اتخذ بعض المؤلفين الشباب خطاباً كان يربط بين وضع الفلسطينيين وبين الحداثة. حسب هذا الطرح، المساواة بين الفلسطينيين والإسرائيليين متعلقة بشكل مباشر بمستوى تحديثهم. المجتمع الفلسطيني، حسب روائيي الحداثة، هو مجتمع متأخر ومنحط؛ لذلك فانه لا يستطيع الاندماج في المجتمع الإسرائيلي المتطور. بهذا وضع روائيي الحداثة المسؤولية عن عدم تحقق المساواة على الفلسطينيين، ليس على إسرائيل - متجاهلين في خطابهم، ورواياتهم، واقع الحكم العسكري، ومصادرة الأراضي وباقي السياسات القمعية ضدهم.
ومما يؤخذ على خطاب "الحداثة" الفلسطيني، إذا ما تم فحصه ضمن هذه المرحلة، أن جذوره مغروسة في خطاب الحداثة الصهيوني الذي يرى اليهود كشعب متطور وحامل شعلة الحضارة والتقدم لكافة شعوب العالم. هدف خطاب الحداثة الفلسطيني في إسرائيل أن يقلل من حدّة الصراع بين الشعبين والطبيعة العنصرية للخطاب الصهيوني، ماحيا بذلك تاريخ الصراع على فلسطين. والحل للصراع، بحسب ما تمليه حيثيات هذه الرؤية، يكمن في مسؤولية الفلسطينيين في اللحاق بركب التطور على كافة الأصعدة: الاجتماعية، الاقتصادية والتكنولوجية.

هوية مزدوجة متناقضة ١٩٦٧-١٩٨٧
منذ أواخر سنوات الستّين، أدرك الفلسطينيون أنّ التعايش بين الشعبين لن يكون سهل المنال كيفما إعتقدوا سابقاً، وبدأ يتطور خطاب بديل يفصل بين مسألتي الحداثة وكيفية التعامل مع الصهيونية. سأتطرّق للمسألة الأولى باختصار حيث ان قراءة شاملة لروايات هذة المرحلة تظهر ان نقاشاً فلسطينياً داخلياً صاخباً كلان يدور حول موضوع الحداثة وتأثيرها على بنية المجتمع، من الفردانية (وتأثيرها على العائلة) إلى العلمانية. كان هناك حذر من تفكك وتشرذم المجتمع نتيجة ضعف مكانة الدين فيه، وهنا يمسي من الجدير القول: أن تأسيس الحركة الإسلامية في إسرائيل جاء ضمن هذه المرحلة، وكان هناك من دعا إلى إعادة النظر في دور الدين في المجتمع، مقتبساً المفكر المصري خالد محمد خالد.
أمّا بالنسبة لموضوع التعامل مع الصهيونية، فهناك عدد من ردود الفعل الجديرة بالذكر. بينما كانت هناك أصوات فلسطينية في الستينيات، والتي دعت للإندماج في المجتمع الإسرائيلي متجاهلة تاريخ الصراع وماحيةً الهوية الفلسطينية، جاءت روايات عديدة في السبعنييات قلبت هذا الخطاب ومحت الوجود اليهودي. بينما كان التعايش مع الإسرائيليين مرتبطاً بالحداثة سابقاً، فان التعددية في التعامل في مسألة الحداثة في هذه المرحلة عكست توجهاً موّحداً ورافضاً - تجاه الصهيونية. من ناحية أخرى، فإن الخطاب الروائي الفلسطيني، منذ الستينيات حتى أواخر الثمانينيات، قد تجاهل الفلسطينيين خارج الخط الأخضر. نتيجة هذا التجاهل تكوّنت لدى الفلسطينيين في الداخل هوية مزدوجة متناقضة - بما معناه أنهم ليسوا فلسطينيين “مائة بالمائة”، وليسوا إسرائيليين أيضاً. كان تجسّد هذه الهوية في الخطاب السياسي الفلسطيني الداعي لإقامة دولة فلسطينية في حدود ١٩٦٧، بدون إشراك فلسطينيي الداخل في حل القضية. وكان هذا الموقف مشترك بين القيادات الفلسطينية على جانبي الخط الأخضر.

المرحلة الحالية: ١٩٨٧-٢٠١٢
كان للانتفاضة الأولى أثر كبير على الفلسطينيين في إسرائيل، بحيث لا يمكن إنكار هذا الأثر، الذي أدّى بهم لإعادة النظر في مسائل عديدة متعلقة بهويتهم ومواقفهم الوطنية والسياسية. تطوّر هذا التحوّل خلال مرحلة أوسلو وما بعدها. حيث طرحت اتفاقية أوسلو حلاً للقضية الفلسطينية دون أخذ وضع وحقوق فلسطينيي الداخل بعين الاعتبار. وقد عكست الروايات الفلسطينية تحولات جذرية في الهوية الفلسطينية في هذه المرحلة تتلخص بإعادة وضع فلسطينيي الداخل ضمن حيز النظر إلى القضية الفلسطينية - مذكّرين أن “مركز ثقل” الصراع، ونقطة البدء للتفكير في الحل، يجب أن يكونا نكبة ال١٩٤٨، وليس نكسة ال١٩٦٧: أي التركيز على النكبة باعتبارها الحدث الأساسي في القضية الفلسطينية - الحدث الذي يجمع كلّ الفلسطينيين بتأثيراته. طُرح هذا روائياً من خلال فلكرة النكبة - أي سرد النكبة من خلال سرد الفولكلور الفلسطيني.

ركّزت روايات الفولكلور على أحداث النكبة وآثارها الماحية للهوية والوجود الفلسطيني من خلال مشروع الحداثة الصهيوني. ويمكن اعتبار هذا الخطاب قلباً للخطاب الفلسطيني الحداثيّ في المراحل الأولى، معيداً النظر في خيارات تلك الفترة. بالإضافة إلى ذلك، فإن روايات الفولكلور تُنهي الحيرة المتجسدة بالهوية المزدوجة/المتناقضة، مكثفة لهويتها، وتاريخها، وثقافتها الفلسطينية. بعض الروائيين رأى أهمية سرد نضال الفلسطينيين تحت الاحتلال، مدوّنين في رواياتهم قصص الانتفاضة ونضال الفلسطينيين للحرية. هدفت روايات الانتفاضة أن تعيد الصلة، والتواصل، بين جميع الفلسطينيين في كل أنحاء العالم، ووحدة صراعهم ومصيرهم. وبينما كان الخطاب الحداثي في السابق يشدّد على الفردانية، فإن الخطاب الحالي يعكس جماعية الهوية الفلسطينية.
روايات الفولكلور وروايات الانتفاضة تكمّل بعضها البعض مكانياً وزمانياً: هنا وهناك - الماضي والحاضر. روايات الفولكلور ركّزت على تاريخ الصراع، من وجهة نظر التجربة الفلسطينية في الداخل (هنا)، بينما ارتأت روايات الانتفاضة التركيز على الصراع في الزمن الحاضر ضد الاحتلال الإسرائيلي (هناك). كلتا المجموعتين، بالنتيجة، تعبّران عن الإغتراب (alienation) الفلسطيني في داخل الخط الأخضر والبحث عن حلول لهذا الاغتراب في الماضي والحاضر الفلسطيني. كان لهذا التحوّل تعبير واضح في الخطاب والعمل السياسي الفلسطيني في الداخل. على سبيل المثال، بينما كان هناك ١٨٠ مؤسسة أهلية فلسطينية في إسرائيل في العام ١٩٩٠، وصل عددها في العام ١٩٩٩ إلى ٦٥٦، وهذا من شانه أن يعتمد كتعبير واضح لعدم ثقة الفلسطينيين بالمؤسسة الإسرائيلية، وتجسيداً لخطابهم الذي يدعو لأخذ زمام الأمور المتعلقة بحياتهم ومستقبلهم.

بكلمات أخرى، لم يعد النضال الفلسطيني في إسرائيل يتمركز بالمسائل المتعلقة "بميزانيات للأقلية الفلسطينيةإنما بوعيّ وطنيّ داعي لأخذ المبادرة. بالإضافة لروايات الفولكلور والانتفاضة، هنالك مجموعة ثالثة من الروايات التي لا ترى حلاًّ في الماضي أو عبر الخط الأخضر، إنما تعكس غربة الفلسطينيين في الداخل وحيرتهم بالنسبة لمستقبلهم. لكن الخطاب في هذه الروايات أيضا هو جماعيّ فلسطيني.

ليست الهوية صلبة أو متحجّرة، إنما ليّنة وتلائم نفسها للبيئة المحيطة المتغيّرة. والأدب يشكّل أحد المنابر المهمّة لطرح أفكار جديدة، وعمليات إعادة النظر في خيارات سابقة، وصقل الهوية الوطنية. كان، ولا يزال، للشباب الفلسطيني الأديب دور فعّال في هذه العملية التاريخية المركّبة. سمّى غسان كنفاني الأدب الفلسطيني في إسرائيل في الستينيات "أدب المقاومة" (مرتكزاً على الشعر آنذاك؛ وكما رأينا سالفاً فإن ذلك لا ينطبق تماماً مع الخطاب الروائي في تلك المرحلة)، طابعاً هذه التسمية لكل آداب المقاومة في العالم، ومعطياً الأدب مكانه الحقيقي في الفعل السياسي. إن الأدب الفلسطيني في الداخل في المرحلة الآنيّة يدل على تطور وعيّ فلسطيني جماعيّ، ويرى أنّ حل القضية الفلسطينية لا بدّ أن يكون شاملاً، للفلسطينيين جميعاً وقضاياهم الجمعية كذلك.
-------------------------
د.منار مخول: منسق التحشيد والمناصرة في مركز بديل، حاصل على شهادة الدكتوراه في الدراسات الشرق أوسطية من جامعة كامبريدج/المملكة المتحدة.