الشباب العربي: وقود للثورة بلا تنظيم - لماذا لم يحصد الشباب العربي- خاصة مصر وتونس- نتائج ثوراتهم؟ كيف للشباب الفلسطيني أن يتقي ذلك؟

رسم كرتوني للشاب التونسي محمد بوعزيزي الذي أحرق نفسه في بداية الثورة التونسية ) ©كارلوس لطوف( رسم كرتوني للشاب التونسي محمد بوعزيزي الذي أحرق نفسه في بداية الثورة التونسية ) ©كارلوس لطوف(

بقلم: أحمد أبو غوش*
ثورة الكاهن الأرثذوكسي جورجي جابون في روسيا سنة 1905، كانت ثورة عمالية سلمية ألهمت بقية فئات الشعب وأدت في نهاية الأمر إلى قيام أول برلمان منتخب في روسيا، وقيام الملكية الدستورية في البلاد. وفي عام 1917 قاد البلاشفة ثورة عمالية بالتحالف مع الفلاحين وأقاموا أول دولة اشتراكية كان لها تأثير كبير على العالم. وما بين عامي 1930-1931 قاد المهاتما غاندي حركة عصيان مدني واسعة النطاق ضد البريطانيين في الهند، إلى أن أدت إلى استقلال الهند وإنهاء الاستعمار البريطاني فيها. وفي السلفادور بأمريكا الجنوبية، نظمت مجموعة من الطلاب والأطباء والتجار عام 1944 حملة إضراب عام ضد الانتهاكات المتواصلة للحكم العسكري الدكتاتوري للبلاد، أجبرت " الجنرال مارتينز Martine" على الاستقالة، ونجحت دون استخدام قطعة سلاح واحدة في إقناع أقرب الموالين للدكتاتور، بما فيهم كبار الضباط، بإيقاف دعمهم له؛ مما اضطره في النهاية إلى الرحيل إلى المنفى وانتصار الثوره. وفي الصين استطاع الحزب الشيوعي الصيني سنة 1949 السيطرة على الصين بعد ثورة مسلحة قادها ذراعه العسكري "جيش التحرير الشعبي".

وفي فيتنام استطاع الحزب الشيوعي الفيتنامي هزيمة عدة دول استعمارية وعلى رأسها أمريكا وأقام دولة اشتراكية في فيتنام. أما في أمريكا فقد قاد مارتن لوثر كينغ Martin Luther Kin، وهو زعيم أمريكي من أصول افريقية، حملة سلميه تواصلت على مدى خمسة عشر عاماً ضد سياسة التمييز العنصري في الجنوب الأمريكي، مستعينة بشكل أساسي بالمسيرات ونشاطات العصيان المدني والمقاطعة والإضراب، كآليات نضالية لهذه الحملة، فنجحت مساعي مارتن لوثر في تسجيل خمسة ملايين من الأمريكان ذوي الأصول الأفريقية في سجلات الناخبين في الجنوب، وأنهى العديد من مظاهر التمييز العنصري ضد السود في أمريكا.

وبين العامين 1977-1979 شهدت إيران احتجاجات سلمية واسعة جمعت الإسلاميين واليساريين والعلمانيين في جبهة واحدة، بهدف الإطاحة بحكم الشاه محمد رضا بهلوي الموالي للولايات المتحدة الأمريكية. وفي نهاية 1978م، هيمنت المعارضة الإسلامية على الثورة بقيادة آية الله الخميني، وتزايدت أعداد المحتجين إلى أن بلغت 6-9 مليون إنسان في أوسع تظاهرة شعبية عرفها التاريخ حتى ذلك الوقت. وفي بولندا أطلق العمال عام 1980م حملات إضراب واسعة انتزعوا بواسطتها من السلطات حقهم في التنظيم الحر، فنتج عن ذلك لاحقاً إنشاء منظمة سوليداريتي "تضامن"، وهي المنظمة التي نجحت في النهاية في إسقاط الحكم الشيوعي في بولندا. بينما في الأرجنتين انطلقت مجموعة من الأمهات الأرجنتينيات في مسيرات شهيرة عبرت الساحة المركزية للعاصمة "بيونس آيريس" تعبيراً عن سخطهم تجاه صمت حكومتهم عن اختفاء ذويهم، ولم تتوقف المسيرات حتى قوّضت شرعية الحكم العسكري في الأرجنتين بشكل كامل.
وليس بعيداً عن سقوط الحكم العسكري في الأرجنتين، انطلقت الحركة الشعبية ضد حكم الجنرال "اوغستو بينوشيه Augusto Pinochet " في جمهورية التشيلي عام 1983 وسرعان ما تصاعدت وتيرتها على شكل مسيرات وإضرابات واحتجاجات شعبيه شامله ضد نظام حكمه، وقد نجحت الاحتجاجات في إسقاط نظام بينوشيه. وفي الفلبين عام 1986، وبعد محاولة تزويرٍ قام بها الدكتاتور "فرديناند ماركوسFerdinand Marcos " لسرقة الانتخابات الرئاسية في البلاد، قادت أرملة أحد الزعماء الذين تم اغتيالهم سابقاً "كورازون اكينو Corazon Aquino"، مئات الآلاف من المواطنين إلى الشوارع في إحدى أكبر التظاهرات السلمية التي شهدتها البلاد في تاريخها، وقد أسفرت هذه الحركة عن سقوط الديكتاتور الذي هرب هو وعائلته إلى خارج الفلبين. وفي جنوب أفريقيا عام 1983م، توحدت مجموعة من النقابات والتنظيمات والقيادات الدينية في حملة سلميه واسعة ضد سياسة الفصل العنصري، نجحت الحملة، بالتزامن مع العقوبات الدولية التي فرضت على جنوب أفريقيا، في الضغط على السلطة لإطلاق سراح الزعيم "نيلسون مانديلا"، وبدأت على إثرها مفاوضات أدت فيما بعد إلى ترسيخ الأسس الديمقراطية في البلاد. ونجحت حركات شعبية بالغناء في التشيك والأناشيد في أستونيا وبالسلاسل الشعبية في لاتفيا من تحقيق استقلال هذه الدول عن الاتحاد السوفييتي.

واذا ما تمحصنا الثورات الرأسمالية في وجه الإقطاع، والثورات الاشتراكية ضد الرأسمالية، والثورات الوطنية في مواجهة القوى الاستعمارية، على أنها حركات رفض احتجاجية على أشكال الاستغلال والاضطهاد أو احدها، فاننا نخرج بتوصيف مفاده: أنها استدعت أشكالا تنظيمية وتأطيرية وتعبوية للنضال من أجل تحقيق أهداف محددة. ولقد تناولت العديد من الدراسات نظرية الثورة، وككل النظريات المتعلقة بالجوانب الإنسانية لم تكن متكاملة ومحددة المعالم ومتماثلة، وأفضلها التي تناولت خطوطا عامة عريضة عن الرؤية والأساليب والشكل والجوهر والأهداف. فقد أكد البعض على أهمية وجود أداة تنظيمية، وبرامج وأهداف وأساليب قبل قيامها. بيد أن بعض الثورات قامت ونجحت على أساس وجود نخبة، كما حدث في الثورة الكوبية مثلاً. كما تناولت بعض الدراسات الفرق بين الانتفاضة والثورة والنضال المطلبي. وكان من أهم ما تناولته هذه الدراسات نقاش العنف واللاعنف في الثورة. وأجمعت هذه الدراسات على أن قيام الثورة يتطلب وجود أزمة في النظام، سواء كانت سياسية أم اقتصادية، تؤثر على وضع الجماهير بشرط إدراك الجماهير لهذه الأزمة وأنه لا مناص لها سوى النضال لتغيير الواقع الذي خلقها. اما في ظل السيطرة الاستعمارية، فالواقع بشكل عام، ملائم لقيام ثورة قد تطول أو تقصر تبعا لنضوج العامل الذاتي والظروف الموضوعية. إلا أن نجاح الثورة، بشكل عام، يتطلب معرفة الواقع الذاتي، والظروف الموضوعية المؤثرة، ووجود إطار أو أطر قائدة للنضال، وتبني أهداف موضوعية قابلة للتحقيق، واختيار الزمن الملائم لتفجير الثورة، وإتباع أساليب نضال ملائمة لتحقيق الأهداف.

ان الثورة بهذا المعنى، إنما تعبر عن عملية تغيير في واقع سيء لمصلحة غالبية جماهيرية تعاني من هذا الواقع تأهلت لقيادة هذا التغيير. وهي تطلق على التغيير الكيفي في هذا الواقع، المرتبط على الأغلب بتغيير النظام السياسي والسلطة السياسية. لذلك، اختلفت قوى الثورة باختلاف الواقع السائد ومستوى التطور فيه. ففي المجتمعات الرأسمالية، حيث الديموقراطية الليبرالية قائمة وتداول السلطة سلميا ممكنا، لم نشهد ثورات حقيقية، بل احتجاجات متنوعة ومتعددة الأهداف، همها تحقيق العدالة والمساواة لشرائح محددة في المجتمع. بينما في دول العالم الجنوبي والتي خضعت في معظمها للسيطرة الاستعمارية، وما زالت تتعرض للهيمنة، قامت ثورات تحررية أو اجتماعية أو ثورة تحقق الهدفين معا. وفي كل نوع من هذه الثورات، قوى الثورة، وقياداتها، وأساليب نضالها كانت مختلفة بالضرورة. فالثورة الفرنسية كانت بقيادة الرأسمالية ضد الإقطاع. والثورة الروسية كانت بقيادة الطبقة العاملة وبالتحالف مع الفلاحين. أما في الصين فقد كانت ثورة اشتراكية ولكنها اعتمدت أساسا على الفلاحين. وفي دول العالم الخاضعة للسيطرة أو الهيمنة، قوى الثورة هي كل القوى الشعبية بما فيها الرأسمالية الوطنية. بالمقابل كان هنالك ثورات طلابية وعرقية وطائفية. وأخيرا سمعنا عن ثورات شبابية، فيبرز التساؤل المركزي القائل هل هناك حقاً ثورة شبابية؟

الشباب فئة عمرية، حددتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ما بين سن 15-25 عاما، كما حددها البعض بين 15- 29. المهم في هذا الصدد؛ أن الشباب شريحة عمرية وليست فئة أو طبقة اجتماعية، إذ منهم الفقير والغني ومنهم المتعلم والأمي، والعامل وغير العامل، ومن العاملين الفلاح والعامل والموظف والطبيب والمحامي ورجل الأعمال وغيرها من الوظائف، وهذا ما يتوجب إبقائه في خلفية التعاطي مع المفهوم الذي نتسائل حوله. كما أنهم يتميزون، وبغض النظر عن جنسيتهم أو لغتهم، الأقرب للحداثة، والأكثر تعليما، والأكثر مغامرة، والأكثر إقبالا على الحياة، والأكثر نشاطا. وفي دول العالم الجنوبية وبسبب إيلاج العلاقات الرأسمالية فيها، وبسبب التحولات البنيوية المشوهة، حدث التقدم في جزر اجتماعية تركزت في المدن، وتطور قطاع الخدمات على هامش تطور العلاقات التجارية بين الداخل والخارج، وتطور التعليم، وحدث انقسام في المجتمع، كان فيه الشباب أكثر تعليما، واطلاعا على التطورات الدولية. وفي ظل التطور الدولي غير المتكافئ، كان الشباب مع الحرية والتقدم والديموقراطية، والتنمية، أكثر من الشرائح العمرية الباقية.

بيد أن الشباب ليسوا فئة موحدة ولم يمتلكوا يوما إطارا سياسيا واحدا. لذلك، لم يمتلك الشباب بشكل عام، والعربي بشكل خاص، رؤية موحدة للتغيير، رغم اتفاقهم على خطوط عامة عريضة. وقد ساعدتهم الشبكة-ويقصد هنا شبكات التواصل الاجتماعي الكترونياً-، التي أصبحت في متناول العديدين، على التواصل بينهم. وكان للفساد، وعدم توفر الفرص، والأزمة الاقتصادية المتراكمة، واللاديموقراطية، ودكتاتورية السلطة، واقتران الأزمات الشخصية بأزمة الواقع العام أثرها في تفجر الثورات العربية، فالرشوة والمحسوبية واللا إنصاف، والمهانة الوطنية على المستوى الفردي والجماعي خلقت إحساسا مريرا. وفي ظل فشل الأطر السياسية المعارضة، كان لتحرك الشباب صداه لأن الأزمات كانت ولا زالت مستفحلة. فالثورة ليست مجرد رفض الواقع، بل تشترط امتلاك أداة تنظيمية لتغييره كشرط أساسي لقيامها، وهي أيضا ليست مجرد الإطاحة بالسلطة القائمة، بل هي امتلاك رؤية للواقع الجديد وكيفية بنائه.

لقد استطاعت ثورات الشباب تحريك الجماهير للإطاحة بالسلطة القائمة، ولكنها فشلت في بلورة الشكل السياسي والفلسفي والاقتصادي للنظام السياسي الذي يحقق أهدافها. فالشباب كما أسلفنا، ليسو بالشريحة أو الطبقة وإنما هم فئة عمرية يتبنون رؤى سياسية وطبقية وتنموية، هي بالتأكيد متباينة وتجمعها نقاط التقاء مفتاحية، وبالتفاصيل يتبنون أشكالا مختلفة للنظام السياسي. لقد أجمع الشباب على أهمية وجود حرية وعدالة وديموقراطية في بلدانهم، إلا أن كل مصطلح من المصطلحات السابقة قابل للتأويل والتفسير أيديولوجيا وفلسفيا وسياسيا بطرق مختلفة. ولأن الشباب لم يمتلكوا تنظيمات سياسية لها تاريخ وقدرة تنظيمية، فقد حصدت القوى السياسية الأكبر والأقدم والأكثر تنظيما نتائج تغيير السلطة وجيرته لمصالحها استناداً إلى واقعها المؤسسي. وفي الواقعين التونسي والمصري كان للتيارات الدينية، خاصة الأخوان المسلمين الحظ الأوفر في جني ثمار الثورة. لكننا نتوقع، إن استمرت الديمقراطية كنظام سياسي ونهج حياة، وجعل الشباب الحفاظ عليها مهمتهم الاساسية في الرمحلة القمبلة، فان سيحصدون نتاج نضالاتهم وتضحياتهم وان بعد حين. فمن ذاق طعم النصر سيستمر في نضاله على الأرجح حتى يحقق كامل أهدافه. ولا يغيب عنا، أن ذلك يتطلب منهم بناء أطر نضالية فاعلة قادرة على التأطير والتثقيف وصياغة البرامج وترجمتها إلى سياسات وآليات عمل بأساليب تتلاءم مع العصر.

بالتعريج على صورة الواقع الفلسطيني، يتضح أن المسألة أكثر تعقيداً، فما يعاني منه الشباب ليس مجرد ظلم طبقي، ولا مسألة سوء إدارة أو فساد، مع أن كل ذلك موجود بهذا القدر أو ذاك. الواقع الفلسطيني يعاني من إحلال ممنهج، وخطورته أن الصراع فيه وجودي، بالمعنى الكياني لا الفردي. وليس من السهل في مثل هذه الحالة أن يحدث التغيير بمجرد قيام مظاهرات أو احتجاجات، أو تحرك شعبي، على الرغم من أهميته، فهذا الواقع بحاجة إلى نضال فعال، مؤطر ومنظم وقادر، وهذا لن يتحقق بدون خلق أطر قائدة فاعلة ومنظمة ومؤهلة للنضال طويل الأمد القادر على زعزعة الكيان الاستيطاني وأهدافه في فلسطين والأرض العربية.
وعلى الشباب، ولكي يتفادوا الخلل الذي حدث في ثوراتهم وهباتهم العربية، كل في قطره، معرفة واقعهم، ودمج الأساليب الجديدة للتعبئة بالأساليب القديمة للتنظيم، ودراسة واقعهم الخاص واستنباط القوانين العامة من تجاربهم والتجارب الأخرى، وإحداث قفزة جديدة في فكر الثورة وأساليب النضال لكي تحقق شعوبنا وأمتنا أهدافها في التقدم والحرية والوحدة والعدالة.
---------------
*أحمد أبو غوش: باحث فلسطيني، صدر له العديد من المؤلفات، منها ملاحظات حول التطور العربي والمسألة القومية، والتنمية المستحيلة، ومؤخرا بالاشتراك مع عبد الفتاح القلقيلي "الهوية الوطنية الفلسطينية: خصوصية التشكل والإطار الناظم".