إضاءة على التحولات الناشئة في حقل الإدراك والفعل الشبابي الفلسطيني

الشباب الفلسطيني يخترق الحدود السورية - الفلسطينية في ذكرى النكبة ٦٣، أيار ٢٠١١ )المصدر: الأيام( الشباب الفلسطيني يخترق الحدود السورية - الفلسطينية في ذكرى النكبة ٦٣، أيار ٢٠١١ )المصدر: الأيام(

بقلم: وسام رفيدي*
من اللافت للنظر أن أية كتابات حول العمل الشبابي في فلسطين، ترتبط عادة بالمؤسسات الشبابية التي نشأت ما بعد قيام السلطة الفلسطينية، أي بمأسسة العمل الشبابي، وهي منظمات في قطاعها الأوسع ممولة وخاضعة، فكريا بعد ماليا، للفكر الليبرالي الرأسمالي! ويكفي مراجعة سريعة لما تضخه تلك المنظمات من برامج ومفاهيم وتوجهات حتى يتم التأكد من حقيقتين: الأولى أنها تعيد إنتاج الفكر الليبرالي المعولم على قاعدة الاستهلاكية الثقافية، الوجه الآخر للاستهلاكية البضاعية، أما الثانية، وكنتاج للأولى، فهي تنتج سلسلة من المفاهيم والبرامج فيما يتعلق بالقضية الوطنية، تتناغم ليس فقط مع التوجه الليبرالي بل ومع ممثله الأبرز فلسطينيا: السلطة الفلسطينية! هنا يمكن التعريج على مفاهيم مثل: المقاومة المدنية -وكأن النضال من أجل إنقاذ الحيتان مثلاً، والسلمية -وهي مسالمة بحقيقتها-، والحوار مع الآخر، بمعنى التطبيع مع الصهاينة بلغة أخرى، وحل الصراعات والنزاعات، وهذا لتسويق صيغ رفض المقاومة المسلحة مبدئيا، والمقاومة الشعبية كمصطلح يتحايل على المقاومة المسلحة....

 

التاريخ يقول بأن العمل الشبابي في فلسطين نشأ قبل قيام السلطة الفلسطينية بكثير، وإن ارتبط أحيانا بالمأسسة عبر مؤسسات القوى والفصائل، إلا أن ربطه بالمأسسة حصرا، يهيل بعضا من التراب على حيويته ودفقه الذي عرفه تاريخيا.

إن الحديث عن العمل الجماهيري والشبابي في فلسطين، لا بد ينطلق من مقاربة من جهة، ومن متلازمتين من جهة ثانية. أما المقاربة فنعني بها تلك العلاقة بين العمل الجماهيري في مرحلة ارتباطه مع العمل الوطني ككل، وتحوله للعلاقة مع الفكر الليبرالي في مرحلة تالية، دون انتفاء بقايا تأثيرات المرحلة السابقة. أما المتلازمتان فهما ارتباط العمل الجماهيري الشبابي بالعمل الوطني من جهة والنضال الاجتماعي الديمقراطي من جهة ثانية. ضمن هذه المقاربة وهاتين المتلازمتين ستأتي السطور اللاحقة.


التحول الأبرز
المظهر الأبرز لانطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، هو اكتساب النضال الفلسطيني طابعاً شعبياً، شأن ثورة 36، وهذا ما عنى آنذاك، تحولا في أدوار الطبقات والفئات الاجتماعية، فقد تمكنت الفئات الوسطى التي تنحدر من أصول فلاحية، والتي غدت لاجئة، من تسلم زمام القيادة وتأسيس شرعيتها كبديل لأبناء العائلات الأرستقراطية الإقطاعية التي هيمنت على الحقل السياسي الفلسطيني قبيل العام 48 وبينه وبين العام 67. كما ألقى اللاجئون الفلسطينيون -الفلاحون سابقا والعمال في بلاد الشتات- ثقلهم في النضال المسلح، حتى بات من غير مجازفة، اعتبار الثورة الفلسطينية ثورة اللاجئين! أما الفئتان الاجتماعيتان، بلهجة السوسيولوجيا المخلة بالعلمية بعض الشيء، واللتان تعزز دورهما، ليس بمعزل عن العلاقة مع الطبقة على أية حال، فهما فئتا النساء والشباب.

لقد كانت الانطلاقة انطلاقة شبابية دون منازع، وحتى أخذا بعين الاعتبار للتصنيف العمري للشباب فقد كانت انطلاقة قيادية شبابية. فالعديد من قيادات العمل المسلح آنذاك كانوا في الثلاثينيات لا أكثر. ومع ذلك، فقد تميزت تلك الفترة أيضا بنشوء منظمات العمل الجماهيري المرتبطة بمنظمة التحرير باعتبار تلك المنظمات، أدوات لمنظمة التحرير وظيفتها الأساس التعبئة لمعركة فلسطين. البعض يمكن أن يعتبر هذا مدخلا للطعن في نضج الحركة الشبابية آنذاك باعتبار المهام وطنية 100% لا شأن لها بالمهام الاجتماعية والديمقراطية، كما وُجد مَنْ يعتبر العمل النسوي في فلسطين بعد العام 48 مفتقدا للمفاهيم الجندرية مثلا، أو أن يعاب على الحركة الشبابية فترة الانتفاضة، شأن العمل النسوي، بزعم انه كان قطاع عمل وطني لا يرتبط بالنضال الاجتماعي الديمقراطي.

هذا المنطق ينسى ببساطة أن انخراط الشباب في النضال الوطني هو بحد ذاته انخراط في النضال الديمقراطي والاجتماعي، على اعتبار ان هذا الانخراط تغيير في دور القوى والفئات، حتى لو لم يتجسد ذلك في برنامج مهام محددة نظرا لطغيان المسألة الوطنية.

في الأرض المحتلة، بالمعنى الاصطلاحي الأدق للمصطلح الجغرافي، الضفة وقطاع غزة ومنطقة 48، كان هنالك تعبيران شبابيان أساسيان قد بدآ يتركان بصماتهما بتفاوت على العمل الشبابي الفلسطيني: أولهما هو ذلك الامتداد الواسع الذي عرفه اتحاد طلبة فلسطين مع نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات. ورغم ارتباط الاتحاد آنذاك بالمنظمة، وكبر حجم تأثير التنظيمات كالجبهة الشعبية فيه، إلا انه لم يبنِ أدوات تنظيمية متماسكة للحفاظ على استمرار يته، ناهيك عن أن انخراط عدد كبير من أعضائه بالعمل المسلح والمجموعات الفدائية؛ الأمر الذي لعب دورا في تصفيته سريعا. أما التعبير الثاني فكان المنظمة الشبابية للحزب الشيوعي الأردني في فلسطين المحتلة، وهذه المنظمة وإن قدمت رؤية فكرية وطبقية ناضجة آنذاك، إلا أن عدم انخراط الشيوعيين في العمل المسلح، وبل وعدائيتهم أحيانا له، عنت عزل المنظمة وهامشيتها في التأثير على العمل الشبابي.

بدايات من نوع آخر
وكما شهدت نهايات السبعينيات ولادة إستراتيجية تنظيمية جديدة لفصائل المقاومة المسلحة في فلسطين، ونعني بها التوجه، ليس فقط لبناء المجموعات المسلحة، بل ولبناء المنظمات الجماهيرية أيضا. فقد بدأت بتقديرنا مرحلة جديدة من العمل الشبابي، وخاصة بالترافق ونشوء لجان العمل الطوعي في فلسطين، كمنظمات جماهيرية قاعدية تحولت مع مطلع الثمانينيات لهياكل تنظيمية تضم عشرات الآلاف من الشباب، ومن الجنسين، وهذه لم تكن هياكل للنشاط الشبابي فقط، بل ورافدا للعمل الوطني وللتربية السياسية الثورية.

ومن الممكن ببساطة اعتبار تلك البدايات، كبدايات للنهوض الفعلي للعمل الجماهيري في فلسطين المحتلة منذ مطلع الثمانينيات، والذي تجسد بالتوجه الفصائلي لتأسيس المنظمات الجماهيرية القطاعية ومنها بالأساس المنظمات الطلابية. إن ما كان يميز تلك المنظمات آنذاك هو ما يدعونا لاعتبارها مرحلة النهوض الفعلي للعمل الجماهيري الشبابي:
1- كانت منظمات مرتبطة بالتنظيم السياسي الوطني، مالا وتوجهات ومهاما وقيادة وكادرا، وبالتالي كان انخراطها بالنضال الوطني قد وسم العمل الوطني لسنوات طويلة، بحيث كانت تمثل رافعته الحقيقية.
2- تركيبتها الطبقية والاجتماعية، من عمال وطلاب ومهنيين ونساء ومثقفين، أضفى طابعا ديمقراطيا وثوريا على نشاطها والتحامها بالجماهير الأمر الذي قاد بالضرورة إلى المزية اللاحقة.
3- اكتساب العمل الوطني بعدا أكثر ديموقراطية وأكثر جماهيرية وهذا قاد بدوره الخاصية التالية.
4- تطعيم برامجها بمهام ديمقراطية واجتماعية وليس فقط بمهام التحرر الوطني.
ضمن هذا الواقع يمكننا القول أن مرحلة الثمانينيات عرفت نشوء البنية التنظيمية الشعبية للشباب في فلسطين، ذكورا وإناثا، الأمر الذي سيترك تأثيره الكبير على اندلاع الانتفاضة الشعبية الأولى ويسمها بسماته الواردة أعلاه.

مرحلة الحصاد
لا نجانب الحقيقة في قولنا أن حركة التحرر الوطني في فلسطين مدينة بانطلاقتها كثورة مسلحة ومن ثم كانتفاضة شعبية ضد الكولونيالية الصهيونية لقطاع الشباب تحديداً. ومثلما تأكد ذلك في انطلاق الثورة المعاصرة تأكد أيضا بانطلاق الانتفاضة في العام 1987.

إن الانتفاضة الشعبية وإن اندلعت عفوياً لكنها وجدت، منذ لحظتها الأولى، في الحقل السياسي الفلسطيني ما أهل الحركة الوطنية لقيادتها وتوجيه مهامها بصيغة أكثر ديمقراطية بما لا يقاس من صيغ العمل القيادي الفلسطيني في الخارج. فالقطاع الواسع من المنظمات الشبابية، الطلابية والنسوية والعمالية، بتأطيرها لعشرات آلاف الشباب، وتجربة هذه القطاعات في العملين الكفاحي والسري ضد المحتلين، كل ذلك وفر بنية تنظيمية جاهزة لتأطير أوسع للشباب المتعطش للعمل الوطني والكفاحي الجماهيري، ولحمل مهام وطنية عريضة، لخصها شعار/مطلب: الحرية والاستقلال.

كان العمل الجماهيري آنذاك مصبوغا بصبغة مزدوجة، فمن جهة بات ينظم عشرات الآلاف من الشباب المنتمي وفق رؤى سياسية، متصارعة ولكن متعاضدة في آن معاً، ومن جهة ثانية فقد أنتج هذا العمل طوال الثمانينيات وخلال الانتفاضة جيلا تميز، بحكم تربيته في النضال قبل كل شيء، بتمسكه برؤى وأيديولوجيات مقاومة إضافة لقيم الجماعية والعطاء والتضحية. ورغم الدور الذي لعبته مأسسة العمل الشبابي عبر المنظمات الجماهيرية في تلك اللحظة التاريخية، فإن تلك المأسسة، ونتيجة ارتباطها وطنيا بالمال الوطني وصلاتها بالجماهير الفقيرة وانخراطها بالنضال فهي لم تكن- نعني المأسسة- عاملا هداما للطاقة الحيوية الشبابية. فالعمل الشبابي فترة الانتفاضة الأولى، كانت سمته الإبداعية أكثر بكثير من سمته الموجهة تنظيميا، وكان دفقه الحيوي غالبا ما يتجاوز البرامج والمهام التنظيمية، وليست قليلة الحالات التي اصطدمت فيها المبادرات الشبابية مع بيروقراطية بعض القيادات فكانت الغلبة للأولى!

مرحلة جديدة ونوعية
بنشوء الحقل السياسي الجديد كنتيجة لاتفاقيات أوسلو وتنازل قيادة م. ت. ف للكولونيالية الصهيونية، نتجت العديد من التحولات على العمل الجماهيري والشبابي. وفي سبيل التوضيح يمكن تبنيد تلك التحولات بالتالي على سبيل الإيجاز المكثف:
1- تراجع مكانة العمل الجماهيري التنظيمي للقطاعات الشبابية، المرتبط بالفصائل والقوى، لا بل وتحول بعضه، بأدواته وكادراته للعمل في المنظمات غير الحكومية، وفق التوجهات الليبرالية والتمويل الرأسمالي المعولم.
2- الانفكاك الحاصل بين قواعد تلك المنظمات وقطاعاتها الشبابية الأمر الذي ترك العديد من الشباب عرضة لتأثيرات التوجهات الجديدة إما عبر المنظمات غير الحكومية أو سلطة الحكم الإداري الذاتي، وما عزز ذلك هو الوضع المعيشي البائس للقطاعات الشبابية الفقيرة، الأمر الذي دفعها للبحث عن لقمة العيش في القطاعين الأكثر خطورة على مستقبل الانتماء الشبابي: السلطة والمنظمات غير الحكومية.
3- وهذه التحولات الجديدة باتت تترك تأثيراتها على منظومة مفاهيم تشكلت وتم تعزيزها ببرامج وتوجهات منظمة هدامة، للنظام السياسي الجديد ولحالة الاستسلام وهجران النضال. ويمكن هنا مثلا التعريج على سياسة ربط الشباب الفلسطيني بالهم الفردي الاقتصادي والمعيشي بعيدا عن الهم الجماعي الوطني. هنا يمكن نقاش تلك السياسة الاقتصادية للممولين ومنظماتهم غير الحكومية والحكومية منها، كتلك المقدمة للسلطة الفلسطينية أو عبرها، ومنها ربط القطاع الشبابي بسياسات بنكية من إقراض وتوظيف. وهنا يمكن التعريج أيضا على رعاية التمويل والسلطة معا لمشاريع التطبيع بما تتركه من تكوين نفسي يقبل الكولونيالية ويتعامل معها كحالة خلافية/ نفسية ينقصها التفاهم المشترك، لا كحالة صراع وجودي. وهنا يمكن التعريج على دور الإعلام الخليجي المتأمرك والمتأسلم، في آن، في حرف الشباب وثقافتهم عن فلسطين والنضال ضد الكولونيالية. وهنا يمكن الحديث كذلك عن سيادة الهم الفردي بديلا للهم الجماعي، بما يشمل المسالمة بدلا من الصراع، التشكيك بالمشاريع التحررية الكبرى، القومية والإشتراكية، وغيرها الكثير في مقابل التكيف تحت مسمى منهج "الواقعية" و/أو "العملية".
4- إن أخطر ما يواجهه قطاع الشباب اليوم يكمن بتقديري في خطرين اثنين على سبيل التركيز لا الحصر: الأول، يكمن في دور المنظمات غير الحكومية الناشطة في العمل الشبابي بترويج المفاهيم الليبرالية بديلا لمفاهيم التحرر الوطني وللتطبيع والمسالمة بديلا للمقاومة والصراع. أما الخطر الثاني؛ فهو سياسة السلطة ليس فقط في إفقار قطاعات متزايدة من الشباب والخريجين بل وفي ربطهم بسياسات بنكية تجعل منهم حصان سبق يلهث طوال حياته لتسديد قروض تتزايد يوما بعد يوم.

----------------
*وسام رفيدي: أسير محرر مقيم في مدينة البيرة ومحاضر في علم الاجتماع- جامعة بير زيت، صدر له عدة أبحاث وأعمال أدبية، منها رواية "الأقانيم الثلاث" حول تجربة العمل السري في الأرض المحتلة.