ملاحظة: إشكالية حنظلة الفرد بعد ربع قرن من محاولة اغتيال الفكرة

صورة مشاركة في جائزة العودة © ،٢٠١١ بديل صورة مشاركة في جائزة العودة © ،٢٠١١ بديل

بقلم: نضال الزغير*

عند امتداد يد الظلام ممتهرة كاتم الصوت، لتطال جبين ناجي العلي الندي بضباب لندن، والشامخ في اشتياقه كبلابل الجليل واشجاره في الصباحات الباكرة، فان المواجهة تقع هنا بين القابل للاندثار والخالد إلى ابد الآبدين. تقع المواجهة ليس مع حالة من التصفية الفيزيائية لوجود كائن يحمل اسما وعنوانا ومهنة، وإنما تقع في سياق طبيعي ما بين المتجسد حيا فكرا وضميرا وردات الفعل العصابية لأعداء عرفهم ناجي وأشار إلى ذقونهم بحنظلته. ولان السياق الطبيعي في هكذا مواجهة يفضي إلى انتصار الضحية دوما، أو لعدالة ممكنة في وعي فقراء الوطن، فان حنظلة ارتقى للخلود في الوعي الجمعي الفلسطيني، وارتد مغتالوه إلى "أسفل السافلين" بعبارة وتوصيف الذكر الحكيم.

ولعل حنظلة بانطلاقته وإعادة انبعاثه ثانية، باغتيال الروح التي حملته واقتسمت ذاتها معه، يتكثف فيه التصوير للفرد الإشكالي. وهذا من خلال أبرز ما يتقاطع مع واقع إشكالية حنظلة في لوحة ناجي العلي الكاريكاتورية أعلاه، حيث يصور فيها حنظلة ببراعة بالغة في استخدام الموروث الثقافي والأدبي الإنساني. فنجد حنظلة مسجى هامسا للأرض في موته اللحظي باختراق احد أسهم المعركة لكعبه المدمى، اذ أن استخدام ناجي العلي للأسطورة الاغريقية حول حرب "طروادة" في هذه اللوحة واضح، وتصوير حنظلة عبر الشخصية الإشكالية في هذه السردية، أي "آخييل" يتضح بشكل أكثر تعليلاً عندما نتطلع بدور حنظلة في كاريكاتير ناجي العلي، كونه الشخصية المركزية فيه، والفرد الإشكالي بامتياز لديه، أما لماذا نعتبر حنظلة فرداً اشكالياً، وبامتياز أيضا فنقول:

نتعامل مع حنظلة على أنه الممثل الأبرز والتعبير المكثف عن الفرد الإشكالي في الكاريكاتير الذي قدمه ناجي العلي، حتى في لحظة وجوده الأولى، فهو قد سقط إلى عالم البشر/العالم المادي، من عالم الوعي، عبر أزمة يعانيها المبدع الذي خلقه. وقد أتى إلى لوحات ناجي العلي كثوري خبير متمرس، صاحب حق تاريخي، ومتجذر في الدفاع عن هذا الحق. من خلال مراقبته ومعاصرته لما مر بالقضية التي تبناها، كثيراً ما وقف في وجه أكبر الخيبات وأصعب لحظات الخذلان. فبعد أن قدم ليقلب العالم بشكل منحاز للمستضعفين، وجد أن اضطهادهم وضعفهم يزداد ويتعقد، إلا انه كان على دراية واعية ممتزجة بالفطرة بسبيل الخلاص، فالثورة بوصفها قلباً جذريا لمعطيات الواقع وفرضاً للحقيقة مرسومة في خياله، لكن أين السبيل لكي ترى النور؟

لقد واجه حنظلة، ككائن ووجود أدبي إشكالي، الاصطدام الفظ بحركة الواقع تماماً، كما واجهت هذا الاصطدام مروحة من الشخصيات الإشكالية من أبطال أعمال أدبية خالدة، كالزير سالم في التراث العربي مثالاً، أو هرقل وآخيل في التراث الإغريقي، أما في حقل الرواية والسردية الأكثر معاصرة، فنجد اللاز عند الطاهر وطار ومتعب الهذال لدى عبد الرحمن منيف في رائعته الخماسية مدن الملح، كما زوربا في ما قدمه كازنتزاكس لإثراء الأدب العالمي، وحنظلة لدى ناجي العلي.

تجدر الإشارة في هذا الموضع إلى أن حنظلة بما يمثله كفرد إشكالي إنما هو في صلب الأدب الملحمي والأعمال الكبيرة، وببساطته، عفويته، وموقفه النقدي من كل ما هو حوله إنما يستحق أن يطلق عليه مفهوم الفرد الإشكالي، وهذا لما حمله من مسؤؤلية تجاه الآخرين، كما في حالة الشخصيات الأخرى المستعان بها هنا.

إذن، يتجاوز حنظلة تعريفه كفرد إشكالي في العمل الأدبي خاصة ناجي العلي، ليكون فرداً إشكاليا بامتياز، هذا أن مجمل أعمال ناجي العلي قد امتازت بعد خلقه لحنظلة أول مرة بحضور بارز وغير موارب لحنظلة، فقد أصبحت إحدى أدوات تحليل ناجي العلي -حنظلة نفسه-أكثر من مجرد اعتباره مؤشرا كأحد المؤشرات الأخرى. وبهذا يتفق استخدام ناجي العلي لحنظلة مع التعريف الغني لفيصل دراج حول الفرد الإشكالي في كتابه "نظرية الرواية والرواية العربية"، على انه –أي الفرد الاشكالي: الذي يسقط في التيه حين يلتقى بالعالم، كان بين الطرفين، هوة متجددة لا يمكن عبورها، وتصدر القطيعة كما يرى لوكاتش الذي صدمته حرب مروعة، عن بطل متدهور يبحث عن قيم أصلية في فهم عالم متدهور بدوره وبوسائل لا يعوزها التدهور أيضا.

ملاحظة حول الملاحظة: إن الفرد الإشكالي كمحور للتحليل الأدبي، يعتمد كأحد الأدوات التي تتميز بها المدرسة البنيوية التكوينية/التركيبية لتحليل الأدب، والتي -آي البنيوية التكوينية - طورت في شكلها الحالي عبر الإسهامات التي قدمها لوسيان غولدمان في هذا الإطار بناء على ما قدمه من قبله جورج لوكاتش، مرسمين حدود هذه المدرسة الماركسية في دراسة الأدب كحامل اجتماعي.

--------------
نضال الزغير: منظم الاعلام والتواصل في مركز بديل.