×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

مشاريع توطين اللاجئين الفلسطينيين: بين حلم العودة والإنكار الإسرائيلي

سنوات اللجوء الأولى (المصدر: unrwa‪.‬org) سنوات اللجوء الأولى (المصدر: unrwa‪.‬org)

بقلم: سلمى نزال*

سعت اسرائيل ومنذ العام 1948 الى نفي مسؤوليتها الأخلاقية عن نكبة الشعب الفلسطيني، وبذلك أنكرت على اللاجئين حقهم في العودة الى أراضيهم التي هجروا منها بادعاء ان السكان العرب الفلسطينيين تركوا أراضيهم كنتيجة طبيعية للحرب دون اي تخطيط مسبق من الحركة الصهيونية، كما ادعت اسرائيل ان ترك السكان المحليين لمدنهم وقراهم وجميع ما يملكون جاء استجابة لنداءات القادة العرب، وبذلك اعطت الحق للقادمين الجدد بالاستيلاء على جميع الممتلكات التي تركها العرب ورائهم.

بدأ طرح مشاريع توطين اللاجئين الفلسطينيين في شهر آب لعام 1948 مع تشكيل ما عرف بلجنة "الترانسفير" الاسرائيلية، وقد كان الهدف من إنشاء اللجنة هو وضع الخطط والمشاريع من اجل توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية وعمل ما يمكن لتقليص السكان العرب في اسرائيل. (مصالحة 2003)

تعكس مشاريع التوطين اعتبارات سياسية ودبلوماسية وعسكرية ونفسية للدولة الصهيونية، فالذكرى المرئية التي تقدمها مخيمات اللاجئين عن انتزاع الملكيات عام 1948 شكلت شوكة للحكومة الإسرائيلية خاصة بعد حرب عام 1967، ولان المخيمات هي أيضا نقطة تركيز للهوية الوطنية الفلسطينية والمقاومة المسلحة، لذا فان المخيمات تتطلب سيطرة عسكرية دائمة من وجهة نظر إسرائيلية. هذا اضافة الى سعي اسرائيل الى الحفاظ على نقاء الدولة اليهودية، فهذه الدولة لابد ان تحتوي على اغلبية ساحقة من السكان اليهود، وبذلك لا مجال للقبول بعودة اي لاجئ فلسطيني الى أرضه.(مصالحة 2003)

وتحقيقاً لهذه الاعتبارات استمرت اسرائيل في مساعيها لتوطين اللاجئين الفلسطينيين عبر التخطيط للاهداف التالية:

1.     منع عودة اللاجئين الفلسطينيين.

2.     تذويب قضية اللاجئين وإزالتها من قلب الصراع العربي الإسرائيلي.

3.     تقليص الضغط الإنساني الدولي والدبلوماسي الغربي وضغط الامم المتحدة على اسرائيل.

4.     تحطيم الهوية الجماعية للاجئين وحالة الاشتباك معهم.

5.     والنقطة الاهم بينها جميعاً هي إزالة المخيمات الموجودة في الضفة وغزة والتي تشكل تهديدا لسيطرة اسرائيل على الارض المحتلة تبعاً لحركة المقاومة المرتفعة في هذه المخيمات. (مصالحة 2003)

المراحل التاريخية التي مرت بها مشاريع التوطين

"إذا لم تستطع حل المشكلة عليك بتذويبها"

في المرحلة الأولى لمشاريع التوطين كانت تأتي المقترحات من قبل الحكومة الإسرائيلية بشكل مباشر، وقد امتدت هذه المرحلة منذ عام 1948 الى حقبة الخمسينيات وحتى عام 1967، حيث تميزت هذه المشاريع بالسرية وان كانت رسمية. ففي الخمسينيات بدأ شعار "اذا لم تستطع حل المشكلة عليك بتذويبها" يأخذ صداه بين المسؤولين في وزارة الخارجية الإسرائيلية، اذ ان فشل محاولات التوطين الأولى وعدم مقدرتها على حل قضية اللاجئين كقضية سياسية دفع كبار موظفي الدولة إلى التفكير بتشتيت وتفكيك مشكلة اللاجئين عن طريق اختصارها الى مشاكل اجتماعية. (مصالحة 2003)

ففي بداية الخمسينات والاحتلال القصير لقطاع غزة بين عامي 56-57 وبعد انتهاء حرب 1967 تم التقدم بمجموعة من المشاريع والخطط التي هدفت إلى عادة توطين اللاجئين الفلسطينيين. وفي تلك الفترة وبعد ادراك من كبار موظفي وزارة الخارجية بان مصر وسورية والعراق لنتفتح أبوابها امام اللاجئين الفلسطينيين، بدأ النقاش يدور حول تشجيع اللاجئين الذين يعيشون تحت سيطرة الدولة الإسرائيلية إلى الهجرة إلى بلاد وراء البحار والى أمريكا الجنوبية بالذات.(مصالحة 2003)

 

التسويات السياسة وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين

 

ان موضوع توطين اللاجئين الفلسطينيين خارج وداخل فلسطين يرتبط بشكل مباشر بحق العودة، فإسرائيل سعت دائماً الى التغاضي عن قرار الامم المتحدةرقم 194 والذي يقضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين الى اراضيهم في حال رغبوا بذلك وتعويضهم. علماً بأن قرار قبول عضوية إسرائيل في الامم المتحدة تم تحت شرط تنفيذها للقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة رقم 181 و194.

لذلك اتسمت التسويات السياسية التي تم طرحها لحل الصراع العربي الإسرائيلي برفض قاطع من الجانب الإسرائيلي لحق الفلسطينيين في العودة، وكان الاقتراح الدائم من جانب اسرائيل هو توطين اللاجئين في الدول التي تستضيفهم.

مؤتمر مدريد للسلام وحق العودة

رغم ادراك الجميع ان النظام الشرق أوسطي الجديد يحتاج تسوية الصراع العربي الاسرائيلي، وان تسوية هذا الصراع تحتاج الى شريك فلسطيني ألا وهو منظمة التحرير الفلسطينية، إدراكا ان مشاركتها تكون اساسية للتسوية السياسية، إلا ان قيادة المنظمة ظلت ترزح تحت وطأة الشعور بمخاوف لا وجود لها في الواقع. (موعد 2003)

لذا قامت القيادة وتحت ضغط أمريكي بالمشاركة في مؤتمر مدريد بدعوة تضمنت تقديم تنازلات اقتضت استبعاد مشاركة اللاجئين من الشتات في عضوية الوفد الفلسطيني-الأردني والمشاركة في المؤتمر على اساس القرارين 242 و338 ومبدأ الارض مقابل السلام، من دون أي ذكر للقرار 194 او التأكيد عليه بوصفه المرجعية السياسية والقانونية الأساسية لقضية اللاجئين وحق العودة. وقد جاءت هذه الخطوة ضمن ما عرفته قيادة المنظمة بسياسة التكيف. (موعد 2003)

لقد تضمنت الاجتماعات والمفاوضات متعددة الأطراف التي سبقت عقد مؤتمر مدريد العديد من الاشارات والمحاولات للتخلص من مشكلة اللاجئين بالالتفاف على القرار 194، لذا تركزت المناقشات على معالجة الجانب الإنساني لقضية اللاجئين باتخاذ خطوات من شأنها تحويل بعض مسؤوليات وكالة الغوث الى السلطة الفلسطينية، ووضع خطط التأهيل لتوطين اللاجئين في الخارج. وفي هذا السياق، تم نقل مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين من فيينا الى عمان وغزة. (موعد 2003)

اتفاقية اوسلو وحق العودة

لقد حملت اتفاقية اوسلو اثاراَ سلبية على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين في محاولة لإلغاء هذا الحق من خلال تحويل جوهر القضية الى مشكلة لاجئين بحاجة الى مساعدات انسانية، في تغاض عن القضية الفعلية والمتمثلة في لاجئين يسعون الى الحصول الى حق عودتهم الى وطنهم الاصلي، ومن هذه الاثار السلبية لاتفاقية أوسلو:

1.     تجاهل القرار 194 الصادر عن الامم المتحدة بوصفة المرجعية القانونية والسياسية لقضية اللاجئين الفلسطينيين.

2.     تجاهل القرار 237 الصادر عن مجلس الأمن 1967 والذي يتعلق بعودة النازحين الفلسطينيين الى بيوتهم.

3.     تفسير القرار 242 (الذي يتضمن تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين) والقرار 338 (الذي يقضي بتطبيق القرار 242) من قبل الجانب الإسرائيلي على انه يتضمن لاجئي 1967 فقط وليس جميع اللاجئين في حين اعتمدته قيادة المنظمة كقرار يشمل جميع اللاجئين.

4.     الاستناد في خطط التسوية بين اسرائيل والفلسطينيين الى ما يتم الاتفاق عليه بين المتفاوضين كمرجعية للمفاوضات وليس القرارين 242 و338.

5.     تجاهل تام لجميع القرارات الدولية التي صدرت بعد عام 1967 والتي استنكرت أعمال الاستيطان والمصادرة وقرارات الضم والتهويد واعتبرتها لاغية وباطلة. (موعد 2003)

خسائر مؤتمر اوسلو ومدريد السياسية:

لقد جاءت محاولات التسويات السياسية الرامية الى حل النزاع العربي الإسرائيلي على الارض بشكل سلمي بخسائر جوهرية على حق عودة اللاجئين ومنها:

1.     تحويل قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة من قضية سياسية وطنية الى قضية انسانية يجري البحث عن حلول لها على مستوى تحسين معيشة اللاجئين وتأهيلهم وتوطينهم.

2.     تحويل قضية اللاجئين وحقهم في العودة من قضية تتحمل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي المسؤولية عنها الى قضية يجري البحث بإيجاد حلول لها في إطار الاتفاقيات الثنائية مع الدول العربية.

3.     تحويل قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة من قضية أساسية إلى قضية ثانوية يتم تباحثها في مفاوضات الوضع النهائي.(موعد 2003)

وثيقة جنيف

بعد انهيار اتفاقية اوسلو مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 استمرت محاولات انقاذ عملية السلام من خلال تسويات سياسية جديدة، لذا تم طرح وثيقة جنيف عام 2003 من قبل بعض السياسيين الفلسطينيين مع أحزاب "يسارية اسرائيلية" بهدف التوصل الى حل نهائي للنزاع، الا ان هذه الوثيقة- جنيف- وكغيرها من طروحات السلام قد همشت حق عودة لاجئي 1948، على الرغم من أنها اشارت الى القرار 194 غير ان هذه الإشارة تضمنت تنفيذ القرار بإشارة مختلفة عن جوهره، اذ أن الاتفاقية تعطي للاجئين خيارات محددة لحل قضيتهم بشكل نهائي ولا يحق للاجئين المطالبة بحق عودة لا تندرج تفاصيله في هذه الوثيقة. اذن ما هي الخيارات التي حددتها هذه الوثيقة لإشكال حق العودة بعيداً عن المفهوم الذي قدمه القرار 194؟ (عدوان 2005)

لقد جردت هذه الاتفاقية القرار 194 من جوهره بان أعطت الاولوية لبنود الاتفاقية مقابل اي بند في القرار يتعارض مع الاتفاقية، فالأولوية في موضوع حق العودة تكون للخيارات التي منحتها الاتفاقية للاجئين وتشمل هذه الخيارات اما توطين اللاجئين حيث يقيمون، او توطينهم في الدولة الفلسطينية على حدود 1967، او توطينهم في الأراضي التي يتم تبادلها وفقا للمتفاوضين، او ان تقوم اسرائيل بالسماح بعودة بضعة آلاف من اللاجئين تحت عنوان "لم شمل العائلات" وليس تحت عنوان حق العودة، الا ان هذا الخيار الأخير هو خيار افتراضي وغالباً لن يطبق.(عدوان 2005)

لقد انكرت هذه الوثيقة على اللاجئين حق عودتهم المشروع الى اراضيهم وممتلكاتهم الاصلية، وذلك تبعاً الى ان اي وثيقة مشتركة يتم طرحها تؤكد على اعتراف فلسطيني بيهودية الدولة وهو مفهوم يعني ضمنياً دولة يهودية نقية اثنياً لا متسع فيها لفلسطيني آخر.(عدوان 2005)

ومع فشل تطبيق هذه الاتفاقية استمرت محاولات التوطين المبطنة ومنها مقترح تقدم به أرئيل شاورن عام 2004 بعد رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وقد تمثل هذا المقترح ببناء مساكن ثابتة للاجئين بدلاً من المخيمات المؤقتة بهدف شطب المخيمات، والتي كما اشرنا سابقاً تمثل شاهداً على الجريمة.

لقد قدم شارون ضمن اطار هذا المقترح ان تقوم دول الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، وهما الممول الرئيسي لعملية السلام، بتقديم المساعدة للاجئين الفلسطينيين في الدول العربية التي تستضيفهم، وذلك ببناء مساكن دائمة خارج المخيم وداخل الدول العربية، بحيث تضمن اندماج اللاجئين جغرافياً بالمواطنين العرب. وكذلك تضمنت الخطة وضع الحلول الدائمة لمشاكل اللاجئين بهدف انهاء الوضع المؤقت في المخيمات، واستبداله بوضع مستقر ونهائي ولكن خارج وبعيداً عن وطنهم الأم فلسطين. (عدوان 2005)

موقف اللاجئين الفلسطينيين من مشاريع التوطين

"يريدون الغاء منزلة اللاجئ وتفكيك المخيمات"

 

لقد اتخذ اللاجئون الفلسطينيون موقفاً ثابتاُ وصارماً بالتمسك بحق عودتهم الى بيوتهم وأراضيهم وقد تمثل ذلك في رفضهم لجميع المقترحات التي تعلقت بتوطينهم داخلياُ وخارجياً، مما ادى الى فشل مشاريع التوطين التي رسمتها اسرائيل منذ العام 1948. ونرى ذلك جلياً في رفضهم بداية لبناء منازل دائمة لهم وتمسكهم بخيامهم خوفاً من التخلي عن حق عودتهم.

فمقترح توطين وتبادل السكان سواء في العراق او ليبيا باء بالفشل، حيث تشير الارقام الى ان حوالي 3000 لاجئ فلسطيني فقط وصلوا الى العراق اثناء فترة 1948. كما ان المراسلات السرية التي تمت ابان مشروع التوطين في ليبيا بين موظفي الخارجية الإسرائيلية تشير الى فشل المخطط ايضاً بعد تسريبه في الصحف، حيث كتب دانين مستشار وزارة الخارجية في القضايا العربية يقول “ان المشروع كان محكوماً بالفشل حين يتعلق الامر باقناع عدد كبير من الفلسطينيين (في اسرائيل) ان يرحلوا الى ليبيا". (مصالحة 2003، 84)

وفي السياق ذاته، نرى تمسك اللاجئين بحق عودتهم سواء لاجئي الشتات ام اللاجئين داخل الارض المحتلة عام 1967 وتمثل ذلك في فشل الإستراتيجية الاسرائيلية في تحقيق اهدافها بتوطين لاجئي غزة في مشاريع سكنية جديدة خارج مخيماتهم بهدف خلق فراغ داخل المخيمات، وبهدف تصفية قضية اللاجئين وتصفية المقاومة والتي تعتبر المخيمات معقلاً لها.

وفي اطار دراسة بحث ميدانية استهدفت قياس مستوى الوعي والإدراك لدى لاجئي مخيم الشاطئ في غزة، والذين نجحت اسرائيل في توطين جزء منهم في مشروع سكني جديد في حي الشيخ رضوان خارج المخيم، بينت الدراسة ان مستوى الوعي لدى من بقوا في المخيم وبين الفئة التي غادرت الى حي الشيخ رضوان، بحيث كانت إجابات المستطلعين بأن الهدف من وراء التوطين سياسي، 72.5% من لاجئي الشاطئ و 74.4% من لاجئي حي الشيخ رضوان. وقد تجلى ادراكهم للمؤامرة الاسرائيلية بوضوح من خلال اجاباتهم التي تمثلت في عبارات مثل؛ "يريدون تصفية القضية الفلسطينية" "يريدون الغاء منزلة اللاجئ وتفكيك المخيمات". (مصرية 1997، 69)

ومع ان الاعتقاد العام بنسبة 77.8% لدى لاجئي حي الشيخ رضوان بأن لا علاقة بين حق العودة والتوطين، إلا أنهم يرفضون سياسة التوطين بنسبة 47.8%.  اما في اطار تمسكهم بحق العودة، فقد كانت اجابتهم بنسبة 100% حين تم سؤالهم حول ما اذا كانوا مؤهلين للعودة والتعويض في حال تم التوصل الى اتفاق إسرائيلي فلسطيني. اضافة الى ذلك فان نسبة 65.6% من سكان حي الشيخ رضوان ونسبة 37.3% من سكان مخيم الشاطئ يعتقدون ان اللاجئين بشكل عام يرفضون مشاريع التوطين. (مصرية 1997، 80)

اما عن اللاجئين الفلسطينيين في الشتات فهم يأخذون الموقف ذاته رافضين أية مشاريع توطينية سواءً في البلدان المضيفة او خارجها. ففي مقالة "للارا دريك" تحت عنوان مستقبل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، تقول بأن أكثر ما يخشاه اللاجئون الفلسطينيون في لبنان هو اي مشروع لإعادة توطينهم في بلد ثالث،  وينبع ذلك من ادراكهم انه سيتم نقلهم بشكل اجباري الى جهات بعيدة ابعد من حدود وطنهم الام، أو أنهم سيتبعثرون في مجموعات اصغر مما هم عليه حاليا في مختلف أنحاء العالم العربي مثلما بعثرت قوات منظمة التحرير الفلسطينية بعد غزو الجيش الإسرائيلي للبنان عام 1982.

وهم يدركون ايضاً ان المشاريع التوطينية قد تأتي بصيغة مبطنة تستهدفهم افراداً وليس جماعات، وذلك بسحبهم بشكل غير مباشر عن طريق ضغط وإغراء اقتصادي منسق بتضييق الخناق عليهم في لبنان اولاً، وتقديم فرص عمل مغرية لهم في بلدان عربية او اجنبية أخرى ثانياً. (دريك 2002، 43)

اما فيما يخص ردود فعل اللاجئين على اتفاقيات اوسلو وتهميشها لقضية اللاجئين، فقد تمثلت في قيام اللاجئين في مخيمات الضفة بعقد المؤتمر الجماهيري الأول الذي اكد على وحدة الشعب الفلسطيني السياسية والوطنية ورفض مشاريع التوطين واية اتفاقات بهذا الخصوص، او اية برامج من شأنها توطين اللاجئين، سواء كان ذلك في الوطن المحتل او خارجه، كما عبّر المؤتمر عن رفض محاولات نقل اللاجئين من مخيمات الأردن والمحاولات الجارية لتوطين لاجئي لبنان. (موعد 2003، 45)

لم تتمكن اسرائيل يوماً من تحقيق غايتها من وراء مشاريع التوطين الكثيرة التي تم اقتراحها ويعود هذا الى عدة عوامل تتمثل فيما يلي:

1.     رغبة اللاجئين في العودة واصرارهم على استعادة بيوتهم ورفضهم التقليدي لاعادة التوطين في البلاد العربية.

2.     بزوغ الروح القومية للاجئين في الشتات الأمر الذي جعل قبول التوطين خارج الوطن أمراً مستحيلاً.

3.     عدم استعداد الدول العربية المضيفة (ما عدا الاردن) لاستيعاب اللاجئين، فقد اعتبرت هذه الدول ان لإسرائيل مسؤولية تاريخياً عن خلق قضية اللاجئين وطالبت علناً بعودة اللاجئين إلى بيوتهم وأراضيهم.

4.     نمو الحركة الوطنية منذ منتصف الستينات وظهور منظمة التحرير الفلسطينية كمنظمة وطنية مكرسة لإعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية.

5.     ادرك القادة الإسرائيليين بعد سنوات من محاولات التوطين الفاشلة ان عليهم الأخذ بعين الاعتبار العقبات التي تنتجها هذه المشاريع من المعارضة الفلسطينية إلى رفض الدول العربية لحساسية الأمر لدى الرأي العام الأوروبي، فكل تلك العقبات جعلت من التوطين امراُ مستحيلاً.

ففي عام 1976 صرح نائب رئيس الوزراء "يغئال ألون" ان فشل مشاريع توطين اللاجئين الفلسطينيين في غزة جعله يصل الى نتيجة مفادها ان على اسرائيل التنازل عن معظم قطاع غزة. (مصالحة 2003)

كيف يمكن ان يؤثر هذا الحل على اواصر التواصل بين الفلسطينيين

"اذا ما بقيت الجماعة، فان الثقافة تظل مستمرة"

يتضح من ردود فعل اللاجئين ومواقفهم الرافضة لأي مشروع يهدف الى تصفية قضيتهم عن طريق توطينهم او تشتيتهم من جديد عبر السنوات الطويلة من حالة التهجير التي يعيشونها بعيداً عن اراضيهم، الى تماسكهم ووحدة موقفهم رغم البعد الجغرافي بين لاجئي الشتات ولاجئي الضفة الغربية وقطاع غزة.

اظهرت نتائج دراسة البحث الميداني لمخيم الشاطئ وحي الشيخ رضوان ان الوعي السياسي لدى اللاجئين الفلسطينيين والذي يستمد قوته وجذوره من العائلة الفلسطينية هو العامل الذي يؤدي الى حمل اللاجئ لقضيته وتمسكه بحق عودته اينما اتجه واينما استقر داخل او خارج المخيم. فلاجئي حي الشيخ رضوان ورغم انتقالهم الجغرافي الا انهم يحافظون على وحدة اجتماعية سياسية، فهم على قناعة ان انتقالهم للمشاريع الإسكانية لا يلغي حق عودتهم رغم ادراكهم للاهداف المبطنة من التوطين، الا انهم يحافظون على صمودهم وتماسكهم كجماعة ويرسخون مطامحهم الوطنية في العودة وتقرير المصير. (مصرية 1997)

كما اظهرت نتائج الدراسة أيضاً ان العائلات التي انتقلت الى المشاريع السكنية تفضل العيش بنفس النمط القائم في المخيم، اي بنفس التجمعات للعائلات من نفس القرية او المدينة. فالغالبية العظمى من عائلات الوحدات السكنية في حي الشيخ رضوان اجابت ب "نعم" عند سؤالها عما اذا كانت تفضل العيش مع سكان نفس القرية او المدينة عند انتقالهم خارج المخيم، حيث جاءت النسبة ب 78.9%. وقد تراوحت اجابات السكان بين من يفضل البقاء على نفس النمط من التجمعات داخل المخيم وخارجه بسبب أنهم يعرفون المجموعة وهم ليسوا غرباء، فيما جاءت 54% من الإجابات لتؤكد ان من شأن ذلك ان يؤدي الى التماسك بشكل أفضل. وبذلك، فان الإجابة الأخيرة للاجئين تعكس وعيهم السياسي بأهمية التماسك للحفاظ على قضيتهم وحقوقهم. (مصرية 1997)

ان الثقافة الشرق اوسطية والتي تمثل العائلة فيها مصدرا للدعم تنعكس على العائلة الفلسطينية التي كانت مصدراً للصمود، وهي الوسيلة التي تمكن من خلالها الفلسطينيون من التأقلم مع حياة النفي والتشرد والحفاظ على بقائهم. وفي غزة بشكل محدد، يتميز النظام الأسري بالعائلات الممتدة اكثر مما نراه في الضفة الغربية. حيث تعيش العائلة الواحدة المكونة من الاب والام والابناء المتزوجين في مجمع سكني واحد، مما يعزز العائلة الواحدة، وبذلك يصبح التعبير الجماعي داخل مجتمع اللاجئين حول النكبة والمعاناة التي يمرون بها ممكناً ومستمراً، ويأتي ذلك ترجمة حية لمقولة "اذا ما بقيت الجماعة، فان الثقافة تظل مستمرة". (مصرية 1997)

الحقوق الانسانية للاجئين الفلسطينيين لا تتعارض مع حق العودة

"نعم ولكن ليس في لبنان!"

ان منظومة الحقوق الطبيعية الأصيلة للبشر والتي تلتصق بهم بمجرد انتمائهم للجنس البشري، كالحق في الحياة والحرية والكرامة، والتي تتفرع عنها مجموعة أخرى من الحقوق المشروعة التي تضمن العيش بكرامة وحرية وتحت ظروف إنسانية كالحقوق الاجتماعية الثقافية الاقتصادية والحقوق السياسية المدنية، انما هي منظومة متكاملة وشاملة لا يمكن تجزئتها وحرمان اي انسان من أحد حقوقه المشروعه سعياً لتنفيذ حق آخر.

ان هذا المنظور ينطبق بلا شك على حالة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والذين تَفرض عليهم ظروفا معيشية صعبة دون الحد الإنساني بحجة ان حصولهم على مجموعة الحقوق التي تكفل العيش بظروف انسانية، كحق العمل والرعاية الصحية والتأمين الاجتماعي ستعني انه تم توطينهم في لبنان، مما يتعارض مع حق عودتهم الى فلسطين.

ان هذه الادعاءات من قبل الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ بداية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وحتى الوقت الحاضر لا تعكس حقيقة الامر التي تتمثل في المشكلة الطائفية اللبنانية، حيث ينظر الى تواجد الفلسطينيين من زاوية الخطر الديموغرافي الطائفي. ولذا، تعرض الفلسطينيون إلى الكثير من الويلات ثمناً للطائفية اللبنانية وتم حرمانهم من حقوقهم الإنسانية. (الدبس 2010)

لقد طالت المباحثات والمفاوضات بين الجانبين اللبناني والسلطة الوطنية الفلسطينية حيث تقدمت السلطة بمجموعة من المطالب للحكومة اللبنانية عام 2005 في محاولة لتحسين الأوضاع السيئة الي يعانيها اللاجئون في لبنان، وقد تمثلت هذه المطالب باعادة فتح مكتب منظمة التحرير في بيروت والاعتراف بجواز السفر الفلسطيني وتأمين مجموعة الحقوق الاقتصادية الاجتماعية الثقافية، واصدار القوانين التي تسمح للفلسطيني بممارسة الاعمال الممنوع منها كالطب والصيدلة والهندسة، واعطاء اللاجئين حق التملك ولا سميا العقارات، واعطاء اللاجئين حق الاقامة المؤقتة لحين عودتهم الى فلسطين. (الدبس 2010)

الا ان مجموعة المطالب الفلسطينية لم تقابل بترحيب لبناني ولم يتم الاستجابة لها، اذ لم يتحقق منها إلا مطلبين وهما مطلبين شكليين: اعادة فتح مكتب المنظمة والاعتراف بجواز السفر الفلسطيني. فيما بقيت الحقوق الجوهرية الأخرى والتي من شأنها تحسن اوضاع اللاجئين المعيشية قيد الرفض بحجة تعارضها مع حق العودة. الا ان تصريحات بعض القادة السياسيين اللبنانيين والتي جاءت رداً على هذه المطالب كميشيل عون تكشف زيف الحجة، اذ صرح بأنه لا يعارض توطين الفلسطينيين ولكن خارج لبنان. ومع تأكيد اللاجئين المتواصل على تمسكهم بحق عودتهم ورفضهم للتوطين إلا ان هذا لم يغير شيئاً من السياسة اللبنانية تجاههم. (الدبس 2010)

وأود في هذا السياق الاشارة الى فيلم وثائقي من تنفيذ (حملة حقوق الملكية العقارية للاجئين الفلسطينيين في لبنان 2013) والذي تم انتاجه في عام 2013 بعنوان: ملكيتي لا تلغي عودتي. الفيلم يصور حرمان اللاجئين من حق التملك وحق الارث او اي حق عيني على العقار، ويناقش الاثار السلبية المرتبة على اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات اللبنانية والناجمة عن تعديل قانون التملك في 2001، حيث يسمح القانون للأجانب بالتملك في لبنان ضمن شروط معينة الا انه يحرم الفلسطينيين من هذا الحق. ويعرض الفيلم حالات للاجئين فلسطينيين يعانون من جراء هذا القانون، بحيث لا يستطيعون التحكم بأملاكهم العقارية او الانتفاع منها، كونهم لا يستطيعون تسجيل اي عقار يشترونه باسمهم، فسندات الملكية للفلسطيني لا يوجد لها استناد قانوني وفقاً لقانون التملك اللبناني.

يعرض الفيلم كذلك رأي السياسيين اللبنانيين حين يقدم لنا رأي احد النواب اللبنانيين وهو نعم الله ابو النصر الذي يدعي ان القرار صدر بسبب محدودية الأرض في لبنان، فالمواطن اللبناني أحق بالأرض من الأجنبي. كما يضيف ابو النصر انه تم استثناء الفلسطينيين من القرار من باب مساعدتهم على العودة إلى فلسطين، وبذلك يمنع قانون التملك لاي فلسطيني التملك بنية عدم العودة او اذا ادى هذا التملك الى الغاء حق العودة.

وفي اطار الرد على ادعاءات النائب ابو النصر يقول المحامي نزار صايغة مدير تحرير المفكرة القانونية بان التمييز ضد الاجانب في الملكية مشروع وفقاً للقانون الدولي شريطة ان لا يتم التمييز بين أجنبي وآخر، لان هذا يندرج تحت اطار التمييز العنصري وفقا للمواثيق الدولية. الا ان المجلس الدستوري كما يتحدث المحامي اعتمد مفهوم المصلحة العليا من منطلق ان الدستور اللبناني ينص على عدم التوطين، وهذا النص يعلو على اي نص آخر دون ان يوضح الدستور الرابط بين ملكية الأرض والتوطين مع تجاهل لاتفاقية منع التمييز العنصري.

ويختتم الفيلم مع مجموعة من الشبان الفلسطينيين اللاجئين في دول مختلفة من العالم مثل كندا والولايات المتحدة وسوريا واليونان ويحملون جنسياتها ولهم فيها أملاك، الا انهم في الخاتمة يشيرون جميعاً الى المبدأ ذاته وهو تمسكهم بحق العودة الى فلسطين رغم الجنسيات التي يحملونها، وحق التملك الذي يتمتعون به مرددين عبارة "وبدي ارجع على فلسطين". (حملة حقوق الملكية العقارية للاجئين الفلسطينيين في لبنان 2013)

الا ان المواضيع المرتبطة بقضية توطين لاجئي لبنان لا تتوقف عند هذا الحد، فقضية لاجئي لبنان لا تزال قضية حساسة في حلول التسوية العربية الإسرائيلية بالجانب المتعلق بالقضية السورية اللبنانية. فالموقف اللبناني الرسمي لا يزال يربط اي عملية اقليمية للسلام بضرورة عودة اللاجئين الفلسطينيين، الا ان هذا الموقف الرسمي اللبناني المتمسك بحق عودة اللاجئين لا ينبع من الإيمان بعدالة القضية، بل انه يأخذ بعداً اخر يتمثل في خوف الجهات الرسمية اللبنانية بان تقبل السلطة الوطنية الفلسطينية وتحت ضغط أمريكي بطروحات توطين اللاجئين في اماكن اقامتهم الحالية بحيث تكون نتيجة حل كهذا توطين للاجئين الفلسطينيين في لبنان. (دريك 2002، 43)

ومن جهة أخرى فان الطروحات الإسرائيلية المتعلقة بلاجئي الشتات و لبنان ضمن عمليات التسوية والتي تسعى الى توطينهم من خلال المحادثات الثنائية مع السلطة الوطنية الفلسطينية او من خلال المحادثات متعددة الاطراف مع الدول العربية ستفشل خاصة فيما يتعلق بلاجئي لبنان لارتباط قضيتهم بالنزاع الإسرائيلي – اللبناني – السوري فلا تسوية سلمية الا مع حل لقضية اللاجئين اقليمياً. (دريك 2002، 47)

*سلمى نزال: طالبة دراسات عليا في جامعة بيرزيت، معهد ابراهيم ابو لغد للدراسات الدولية، تركيز لاجئين وهجرة قسرية

-------------------------------------------------

قائمة المصادر والمراجع

 

الكتب

أبو الخير، مصطفى أحمد. الحرب الاخيرة على غزة في ضوء القانون الدولي العام. القاهرة: ايتراك للطباعة والنشر والتوزيع، 2009

حمد، موعد. اللاجئون الفلسطينيون جوهر الصراع وعقدة التسوية من مدريد الى خارطة الطريق. دمشق: مركز دراسات الغد العربي، 2003.

مصالحة، نور. اسرائيل وسياسة النفي الصهيونية واللاجئون الفلسطينيون. رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية، 2003

المقالات

دريك، لارا. "مستقبل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان: سيناريوهات النقل والتوطين والتشتت والعودة." المستقبل العربي، أيار, 2002: 42 - 52.

مصرية، نورما . "في سسيولوجيا أسباب فشل توطين اللاجئين الفلسطينيين: تجرية لاجيئ قطاع غزة." السياسة الفلسطينية، 1997: 65 - 93.

المواقع الالكترونية

عدوان، بيسان . "الحوار المتمدن." http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=39658.20 حزيران, 2005.

الدبس، رائد . "الحوار المتمدن." http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=222578.15 تموز, 2010.

الافلام الوثائقية

ملكيتي لا تلغي عودتي.إخراج هيثم شمص. أداء حملة حقوق الملكية العقارية للاجئين الفلسطينيين في لبنان. 2013. http://www.youtube.com/watch?v=w-o3XfPr3Os