×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

رسالة من جمعية الشباب العرب – بلدنا *

 
إنّ العدوان الحاليّ على قطاع غزّة، ليس بالعُدوان الأول الذّي يَشنّه الاحتلال على القطاع، ولا هذه هي المرّة الأولى التّي يتخَّذ فيها العدوان هذا النهج البربريّ الوحشيّ، ويرتكب أبشع الجرائم بحقِّ أبناء شعبنا الصامدين في غزّة. لكن، في هذه المرّة بالذّات يمكننا أن نستشعر في الجوِّ العامِ أمرًا مختلفًا وغير مسبوقٍ، على الأقل في سياق الحديث عن العقد الأخير، فيما يتعلًّق بحِسِّ الوَحدة الوطنية وباللُّحمة والمساندة الفلسطينية لغزّة في بقيّة المناطق الفلسطينية، الضفة الغربية والقدس والأرض المُحتلة عام 1948 والشتات. ومن أكثر ما بات يلفت الانتباهَ هو وضوح هذه اللحمة، في أساس الحالِ، بين صفوف الشباب، فكانوا أول مَنْ فرَضَها بحُكم التواصل والتفاعَل الكبيرين اللّذين تمَّ إبداؤهما، فحتّما حِسًّا بالتكافل والوحدة في حمل الهَمِّ الفلسطيني العام. هذا وقد تبادَرَ ووَضُحَ شعور هؤلاء بالمسؤولية تِجاه تغيير ودحر ما طالَ ويطولُ شعبنا من قهرٍ وظلم.

فقد شهدت فترة بداية العدوان على غزّة وما سبقها من مجرياتٍ، كحرق وقتل الطفل الشهيد محمد أبو خضير وإعادة اعتقال العشرات من محرري صفقة "وفاء الأحرار"، توترًا جادًّا وواسعًا في العلاقات الفلسطينية- إالاسرائيلية، على المستوى الشعبي على الأقل، والتّي أعادت علاقة المُحتَل والاحتلال إلى نصابها، وزعزعت كُل ما بَنَتهُ مُحاولاتِ تطبيع العلاقات مع الاحتلال والتصالح مع وجوده حتّى الآن.

لقد خرجت مظاهرات شبابية عديدة تنديدًا بهذا العدوان الغاشم على أبناء شعبنا في غزّة، واندلعت امتدادًا لها مواجهات عنيفة مع عناصر قوات شرطة الاحتلال، في القدس والداخل الفلسطيني والضفة الغربية، وقد كانت لها استمرارية الاندلاع والتّواجُه مع قوات الشرطة في مداخل بلدات فلسطينية عديدة في الداخل، ومظاهرات واسعة وعريضة ضمت عشرات الآلاف في مدن فلسطينية كبيرة في الداخل كالناصرة. ترافقت مع هذه التظاهرات موجه هائلة من الاعتقالات فاقت ال 1000 معتقل (يشمل الداخِل والقدس)، منهم من تم إطلاق سراحه بعد المحاكمة، بشروطٍ مُقيّدة ودفع كفالة ماديّة، ومنهم مّن لا يزال رهن الاعتقال، وقد قضى من الأيام هناك ما فاق الشهر. بالإضافة إلى هؤلاء تمّ توجيه أكثر من 60 لائحة اتهام بحق قسم من هؤلاء المعتقلين (لا يشمل لوائح الاتهام التي قُدِّمت بحق معتقلي القدس).
وترافقت هذه بتظاهرات في الضفة الغربية، وبالأساس بالقرب من الحواجز وعلى نقاط التّماس مع الاحتلال، قابلها بعنف شديد مستخداً الرصاص الحيّ، مما أدّى إلى استشهاد 22 من أبناء شعبنا الفلسطيني في الضفة.
 
لقد تزامن النزول إلى الشارع كطريقة للتعبير عن الغضب الذي يخنق نفوس شبابنا، مع استخدامهم لشبكات التواصل الاجتماعي، سواءً لتسليط الضوء حول المجازر التي تُرتكب في غزّة، أو للتنديد بالعدوان وللتعبير عن هذا الغضب لما يحل بأخوتهم وبرفاقهم في غزّة. وقد ردّت حركات اليمين الفاشيّة بموجة تحريضٍ وإقالات من العمل لعمالٍ وموظفين فلسطينيين في مؤسسات عمل إسرائيلية، كما وعقدت مؤسساتٌ أكاديمية إسرائيلية لجان طاعة للتحقيق مع عدد من الطلاِب في ما يخص تعبيرهم عن موقفهم من خلال منشوراتهم. إنَّ هذه المؤسسات الأكاديمية ذراعٍ لذات منظومة القمع الصهيونية، التي تحاول ردع شبابنا وشاباتنا عن التعبير عن آرائهم وعن إسناد أخوتهم في غزّة والقدس والضفة الغربية.
 
على خلفية ما سبق، وجدت المُقاطعة الاقتصادية لمنتجات وبضائع الاحتلال صدى أكبر، وحافِزًا للتنفيذ.
فرأينا مقاطعة جارفة في غالبية من المحال والمطاعِم والمراكز التجارية في الضفة، بينما دعت مبادرات وحراكات شبابية محلية وقطرية في الداخل الفلسطيني إلى التسوق فقط من داخِل البلدات العربية، بهدف الضغط عن طريق إضعافِ سوق التجارة الإسرائيلية، والمقاطعة للمتاجر والمجمعات اليهودية خلال الأيام الأخيرة لشهر رمضان وفترة التجهيز للعيد. كما وجابت هذه الحراكات الشبابية في قرى ومدنٍ عديدة، واتفقوا مع أصحاب المتاجر المحلية لخفض الأسعار فيها ومحاولة التزوًّد في محالهم ببضائع عربية بديلة، أو أية منتجات أخرى بديلة لتلك الإسرائيلية.
 
مع اقتراب حلول عيد الفطر، من دون انتهاء العدوان، وكان عدد الشهداء قد فاق الـ1000 شهيد، أطلق شبابُنا مبادرة أخرى في العالم الافتراضي، دعَت إلى عدم الاحتفال بمظاهِر العيد، في حين يقتل أبناء شعبنا يوميًا، وغزّتنا منكوبة ثكلى. وقد لقيِت هذه المبادرة تجاوبًا كبيرًا على أرض الواقع حيث طغى طابع الحداد على بلداتٍ ومدنٍ عديدة في الضفة والداخِل والشتات.
 
لقد لوحِظ تفاعُل وتواصل كبيران خلال هذا العدوان بين الحراك الشبابي في الضفة والداخل مع الجرحى والمصابين الغزّيين الذين تمّ نقلهم إلى مشافي القًدس والضفة. فقد تم تنسيق زيارات لهم من قِبَل مجموعات شبابية مختلفة زارت الأطفال منهم محملة بالهدايا والألعاب، وبرفقة مهرجين في محاولة لرسم ابتسامة صغيرةٍ على وجوههم المصعوقة. كما وتمّ تأمين ما تيّسر من لوازم يومية معيشية ومعدّات طبيّة خاصة لمن استدعت حالته منهم. هذا وقد بلغ عدد الجرحى المنقولين إلى مستشفيات الضفة والقدس أكثر من 149 جريحًا.
 
كما وتمّ بفعل مبادرات شبابية، وجمعيات ومجموعات عديدة، تنسيق حملات مختلفة للتبرع تتركز كل منها بسدِّ احتياجٍ معيّن لدى أهلنا في غزّة، منها من استطاعَت تأمين أدوية ومستلزمات طبيّة بقيمة ما يُقارب المليون شيكل وذلك خلال فترة لم تتعدًّ الأسبوع. يمكن أن نذكر من ضمنها؛ حملة قوارب، ومجموعة إنسان، وجمعية الجليل، ومجموعة أهل الخير، ولجنة الإغاثة والطوارئ، وحملة شارك شعبك، وشباب الشجاعية "المركز الشبابي الفلسطيني غزة". وهذا فقط البعض ممن تجنّدوا، ومَجَنّدين حتّى هذه اللحظة، لإغاثة أبناء شعبهم وسد ما يستطيعون من احتياجاتهم.
 
من المُلفتِ أيضًا أن يتم تكريس العديد من الفعاليات والنشاطات والمعتاد انعقادها في الداخل في هذه الفترة من السنة- أي في عطلة الصيف مثل تدريبات ومخيّمات صيفية في قرى مهجرة ومعسكرات شبابية، لدعم غزة وصمودها، ولإدانة هذا العدوان الوحشي عليها.

لقد تمّ منذ اشتداد العدوان على غزّة وحتّى يومنا هذا إطلاق العديد من الحملات الإلكترونية على وسائل التواصل الاجتماعي ونشرها، وهي نتاجٌ لمجهودٍ شبابيٍّ في أساس الحال. وقد قمنا في جمعية الشباب العرب- "بلدنا" بالترويج لهذه الحملات وبتشجيع نشرها علّنا نُساهِم في الضغط على مجتمعاتٍ يُغَيّبُ الصوت والإعلام الفلسطينيّ عنها، عن طريق رفع الانتباه والوعي لكل الحاصل في غزّة.

 

كما وقامت مجموعة "متحركين"، مجموعة شبابيّة فاعلة في إطار أحد المشاريع في الجمعية، بإطلاق حملة توثِّق قصص لأفرادِ من غزّة، بهدف تقريب هذه الحالات من الناس وعدم التعامل معها وكأنها أرقام وحالات عامّة. استندت المجموعة الى خشيتها من اندثار البعد الانساني وارء كل شهيد، وفي ثنيايا الكارثة الكبيرة إثر استفحال الدمار الذي تلحقه آلة التدمير الإسرائيلية، واستغراقها في زهق دماء أبناء شعبنا. 
 
إنَّ كَل ما ذّكر أعلاه من تماهٍ مع أهلنا في غزّة ما هو إلّا مؤشر عن حالة اللُّحمة التي تصف هذه المرحلة من واقع شعبنا، بالأخص، وإن جُلَّ ما سبق هو نتاجٍ لتواصُلٍ ولعمل تعاونيّ وتَشارُكيّ بين شبابنا في مختلف المناطق الفلسطينية المَحتلة، وهي ظاهرة قد بدأت بالانبلاج خلال فترة العامين الماضيين.
 
ربما لا يجوز لنا أن نجزم ما الذي أسهم في ذلك فعلًا، لكن يمكننا أن نرجح أمرين أساسيين: الأول، هو فرض قساوة واقِع العدوان ووحشيته لذاتها، والثاني، هو سهولة انتقال المعلومات والوقائع وسرعة التواصل عبر شبكات التواصل الاجتماعية وهِمّة شبابنا وتطويعهم لها.
 
ونرى في جمعية بلدنا أهمية قصوى للتشديد، كما أسلفنا ونوّهنا، بأن الحراك الفاعل والمتفاعل مع هذا الواقع الراهِن لشعبنا هو في الأساس حراك شبابيّ شعبيّ، إنْ كان على صعيد الإغاثة، وذلك عكس ما اعتدنا رؤيته من فئة عمرية في عمل الإغاثة سابقًا، أو على صعيد العمل السياسي. 
 
ونأسف جزيلَ الأسف وعميقه أن يكون دم الآلاف وتشريد عشرات الآلاف هو الثمن لهذه اللُّحمة، وما تلُفنا به كفلسطينيين من دفءٍ، لكن لا يسعنا إلّا أن نأمل وأن نعمل على أن تكون هذه اللُحمة متينة، وأن لا تكون مجرد أثر عابر للحرب، بل تدوم وتُستثمر، حتى يكون دم شهدائنا قد أنار سبيل الوحدة الوطنية أمام الشعب الفلسطيني.
---------------------------------------------------

• جمعية الشباب العرب – بلدنا: هي منظّمة شبابيّة عربية فلسطينيّة، قُطريّة، مستقلّة، وغير حزبيّة، مقرّها في مدينة حيفا، وتنشط في مجال العمل الشبابيّ، اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا وتربويًا، على المستوى المحليّ والدوليّ، وتهدف إلى تطوير قيادات شبابيّة وتعزيز الهويّة العربيّة الفلسطينيّة، على أسس ديموقراطيّة، والإسهام في بناء مجتمع متنوّر. وتدير الجمعية عددا من الشمرايع منها مشروع التواصل الفلسطيني، الذي يركز على "تنظيم لقاءات بين شباب فلسطينيّين من طرفيّ الخطّ الأخضر ومن الشتات، بهدف تعزيز اللحمة الوطنية وتجاوز حالة التجزئة والفصل، وتوحيد الرؤى في أوساط القيادات الفلسطينية الشابة. ومن ابرز الحملات التي تنفذه الجمعية حاليا هي حملة لا للخدمة المدنية- حملة مناهضة الخدمة المدنية، حيث "تهدف جمعية بلدنا من خلال الحملة الى الوصول لجيل الشباب وشرح مخاطر الخدمة المدنية عليهم من خلال فعاليات شّبابية ، للعمل على صدّ مشروع الخدمة المدنيّة على الصّعيد الشعبيّ والإعلاميّ والتوعويّ، وترى الجمعية في مشاريع دمج شبابنا العرب الفلسطينيين في مسار الخدمة المدنيّة، القوميّة، العسكريّة والشرطة الجماهيريّة، خطرًا يهدّد هويّتنا وبالتالي وجودنا كمجتمع عربي فلسطيني ويثبت تهميشنا والتمييز العنصريّ ضدنا.