×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

الأخلاق والحرب – غزة نموذجاً

أطفال غزة فوق أنقاض مدرستهم المدمرة، آب ٢٠١٤ (تصوير: أشرف عمرا) أطفال غزة فوق أنقاض مدرستهم المدمرة، آب ٢٠١٤ (تصوير: أشرف عمرا)

بقلم: عبد الفتاح القلقيلي (ابو نائل)*

للاطلاع على تاريخ الغرب (بقيادة أمريكا) وثقافته في ما يخص السياسة الدينية، والأخلاق في الحرب، انصح بقراءة الكتابين الصادرين في "سلسلة عالم المعرفة" لشهري حزيران وتموز لعام 2014، الاول بعنوان "السياسة الدينية والدول العلمانية"، والثاني بعنوان "الأخلاقيات والحرب".


رغم أن "الحرب هي ممارسة للسياسة بأساليب عنيفة"، إلا أنها مرفوضة أخلاقياً وإنسانياً، وهي تتسبب في دمار واسع لكل مقومات الحضارة، وليست حتمية أو ضرورية كأدوات السياسة الأخرى، ويمكن تجنبها. ولما كانت الحرب حدثاً عابراً، فإن الدول تسعى إلى تلافي الأسباب التي تؤدي إليها وإلى إيجاد البنية السياسية والاقتصادية التي توفر لها تحاشي الحرب في المستقبل. ومهما اختلفت أشكال الحروب وأسبابها، فإن إيجاد المسوّغ الأخلاقي للشروع بها يبقى مطلب الراغبين فيها، وقد يتبلور هذا المسوغ في محاولات إقناع الآخرين بعدالة القضية التي يخوضون الحرب من أجلها والدفاع عن مصالح الأمة ودرء الخطر عنها، وهم يسعون دائماً إلى التقليل من آلامها وأضرارها المحتملة ما أمكن. وليس من الضروري أن تكون تلك المسوغات حقيقية واضطرارية، ولكن المهم إقناع الآخرين بها. وقد يلجأ أنصار الحرب إلى اختلاق أفعال وتوفير بعض الشروط التي تدفع الناس إلى تصديق ما يزعمونه. وأن الحرب مع تطور وسائلها وتقنياتها، ولاسيما في القرن العشرين والقرن الحالي، ارتفع ثمنها بتفاقم أعداد الضحايا نتيجة استعمال الأسلحة الشديدة الفاعلية العالية التدمير، وزادت أضرارها المادية إلى درجة كبيرة، ولذلك يمكن إدانة الحرب العدوانية بأنها جريمة دولية لأنه فعل دولة تسعى إلى تحقيق أغراضها السياسية بالقوة وعلى أرض أجنبية. وتقوم المنظمات الدولية وغير الدولية، وخاصة الأمم المتحدة، بدور كبير في هذا الصدد، فتبحث في أسباب الحروب وكيفية تلافيها، وتسعى إلى التوسط بين الأطراف المختلفة وإقناعها بعدم اللجوء إلى السلاح لحل القضايا العالقة فيما بينها، وإلى اقتراح الحلول لها.

أنواع الحروب

تصنف الحروب بحسب أهدافها المعلنة وأسبابها والغايات الحقيقية التي تكمن وراءها في أنواع كثيرة، فتكون الحرب عادلة أو غير عادلة بالاستناد إلى الغاية التي تسعى إليها الأطراف المتعادية. ومن جهة أخرى، تقسم الحروب إلى أنواع هي: الحروب العالمية والدولية، التي تشترك فيها أكثر من دولة من كل جانب، والحروب الاستعمارية التي تنشب بين أمتين يفصل بينهما تباين حضاري واسع، أو لا تملك إحداهما من الإمكانات ما يساعدها على الدفاع عن نفسها وتعجز عن تحقيق التوازن الاستراتيجي مع الأخرى، وتقابلها حروب التحرير التي تهدف الى طرد المستعمر وإلى التخلص من الاحتلال، والحروب الأهلية وهي التي تنشب بين فئتين داخل الدولة، وقد تكون الحرب ثورية يستخدم الثوار فيها ما يستطيعون الحصول عليه من وسائل قتال محلية أو خارجية.

كل الحروب التي شنتها اسرائيل منذ قيامها عام 1948 حتي يومنا هذا هي حروب استعمارية، بل أبشع اشكال الحروب الاستعمارية لانها حروب احتلال وطرد السكان (اهل البلد) وإحلال مستعمرين مكانهم. وكل الحروب التي خاضتها الأمة العربية ضدها، هي إما حرب تحرير أو مقاومة. أما حرب الفلسطينيين ضد اسرائيل منذ عملية عيلبون في شمال فلسطين في شهر كانون ثاني عام 1965 حتى عمليات أنفاق غزة في جنوب فلسطين في شهر تموز 2014 ، فهي مقاومة ضمن إطار حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد.

كما أن الحروب تقسم إلى حروب عادية، وغير عادية. والحروب العادية هي التي تحتوي على أعمال عنف تتناسب مع مقتضيات الحرب، أما غير العادية فهي التي يُقترف بها أعمال عنف غير ضرورية كمهاجمة المدنيين وخاصة الفئات الضعيفة كالشيوخ والنساء والأطفال. ومهاجمة هؤلاء وقتلهم تعتبر جرائم حرب. وجرائم الحرب هي أسوأ أنواع الجرائم، ولا تسقط بالتقادم كالجرائم العادية.

وحروب اسرائيل منذ قيامها حتى اليوم هي حروب غير عادية، حروب قذرة ترتكب بها اسرائيل جرائم حرب من خلال مجازر بشعة ضد المدنيين العزل، من مجزرة دير ياسين في نيسان عام 1948 حتى مجازر تموز 2014. وتمتاز المجزرة الأخيرة في قطاع غزة في انها تقع في زمن ثورة الصورة ووسائل الإعلام المتقدمة، وأمام عدسات الكاميرات التي تنقل الصورة الى جميع الناس في بيوتهم.

مثلا كان الإعلام الغربي، والدولي معروفا بانحيازه إلى إسرائيل، ويغض الطرف عن كافة الجرائم التي ترتكبها بحق الفلسطينيين، ولكن في المواجهة الحالية ثمة صورة مختلّفة. هناك تغير ملحوظ في مواقف وسائل الإعلام الرئيسية، ونلمس لهجة من الاستنكار على استهداف إسرائيل للمدنيين في قطاع غزة، وقتل مئات الأطفال. تجاوز عدد الشهداء المدنيين الفلسطينيين الألفين، وتجاوزت نسبة الأطفال والنساء والشيوخ 80% منهم، إضافة إلى افراد الطواقم الطبية الذين استشهدوا بالقصف او القنص المباشر، واستهداف سيارات الإسعاف، والمؤسسات الإنسانية كالمستشفيات والمدارس، وبيوت العجزة وذوي الاحتياجات الخاصة، ومؤسسات الأمم المتحدة رغم الأعلام المرفوعة عليها للتمييز، ورغم ان وكالة الغوث في قطاع غزة زوّدت الطرف الإسرائيلي بإحداثيات كافة المؤسسات الإنسانية. أما القتلى في الجانب الإسرائيلي (حسب المصادر الرسمية الإسرائيلية) فكانوا حوالي سبعين قتيلا كان العسكريون 92% منهم، رغم صواريخ الجانب الفلسطيني. اي ان الجانب الفلسطيني قتل العسكريين من الطرف الاسرائيلي، ومعهم عدد لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة من المدنيين. اذن، الحرب الإسرائيلية على غزة كانت قذرة وغير عادية، وتعتبر في مجملها جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، بينما مقاومة الفلسطينيين كانت مقاومة وطنية فلسطينية استهدفت العسكريين الإسرائيليين سواء بالأسلحة الفردية آو بالأسلحة الصاروخية.

ومن الواضح أن المقاومة انتصرت في المعركة الأخلاقية، سواء على صعيد المقالات المنشورة في الصحف الإسرائيلية، أو على صعيد حراك الشعوب الأوروبية والغربية التي تحمل صورا للشهداء من أطفال غزة في غرف نومهم، يحملون ألعابهم”.

في بريطانيا (الدولة الحاضنة لإسرائيل) لم يستطع مواطنوها تحمّل لاأخلاقية الحرب الإسرائيلية على غزة، فهذه "البارونة وارسي" التي عُينت من قبل كاميرون (رئيس وزراء بريطانيا) في أيار 2010 رئيسا لمؤتمر حزب المحافظين الحاكم في بريطانيا، ثم صارت وزيرة في وزارة الخارجية معنية بشؤون الكومنولث، والأمم المتحدة، ومحكمة الجنايات الدولية؛ هذه "البارونة" (عضو مجلس اللوردات، ووزيرة الدولة)، استقالت، واخبرت صحيفة “ذي هافينغتون بوست” في المملكة المتحدة، بأن أحد أسباب استقالتها، رغم التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق نار مؤقتة أخرى بين إسرائيل وحماس، أنها كانت تريد رؤية أولئك الذين ارتكبوا جرائم حرب على مدى الأسابيع الأربعة الماضية، يتعرضون للمحاسبة، إلا أنها لم تعتقد بأن الحكومة البريطانية كانت ستدعم مثل هذه العملية.

وقالت: “بوصفي الوزيرة المختصة بالمحكمة الجنائية الدولية، فقد قضيت العامين ونصف العام السابقة وأنا أساعد في الترويج للمحكمة الجنائية الدولية وفي دعمها وتمويلها. وقد شعرت بأنه من غير الممكن خلق حالة من الانسجام بين مهمتي تلك والضغوط المستمرة التي تمارس على القيادة الفلسطينية لمنعها من التوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية طلباً للعدالة”.

وكشفت السيدة وارسي، في مقابلتها مع “ذي هافينغتون بوست" بأنها كانت تعاني منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 بسبب موقف حكومة الائتلاف البريطانية بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وقالت: “انتهى بنا المطاف في الجانب الخطأ من التاريخ، بسبب موقفنا الرافض للاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة في نوفمبر 2012، وهو الأمر الذي آسف جداً أنني لم أصرح بإنكاره في حينه”.

أما الآن وقد استقالت من الحكومة، فترغب في “التحدث بحرية أكبر” حول هذه القضية، وكان أول مطلب لها ذكرته في خطاب استقالتها هو أن تسارع المملكة المتحدة إلى فرض حظر على السلاح. وقالت: “كم يزعجني أن تستمر الحكومة البريطانية في بيع الأسلحة إلى بلد، هو إسرائيل، قتل ما يقرب من 2000 شخص بما في ذلك المئات من الأطفال، وذلك خلال الأسابيع الأربعة السابقة وحدها. ينبغي وقف تصدير السلاح إلى إسرائيل.

وفي الكتاب الذي اشرنا له قي بداية هذه الورقة "الأخلاقيات والحرب" يقول الكاتب ديفيد فيشر- المسؤول السابق في وزارة الدفاع البريطانية ووزارة الخارجية، ومجلس الوزراء- أن " الحديث عن الأخلاق والحروب من أكثر القضايا الجدلية التي يتقاطع فيها النظري بالعملي،والفلسفي بالسياسي". ويعد كتاب "الأخلاقيات والحرب" الذي قدمه فيشر كأطروحة لنيل درجة الدكتوراه في دراسات الحرب،إضافة جديدة لهذا المجال الذي شغل حيزا من الفكر السياسي العالمي.

كما يطرح الكتاب أسئلة حول حصانةغير المقاتلين.وبدلا من تعريف حصانةغير المقاتلين من خلال مفهوم"ضرورة تجنب الخسائر الهائلة وغير المناسبة"، فإن فيشر يختار مناقشة الأمر من زاوية تقليل الخسائر المدنية إلى الحد الأدنى. ورغم الصعوبات التي تكتنف هذا المعيار،فإنها تظل مناسبة وقادرة على أن تكون مبادئ عملية أفضل في التطبيق،ويطبق هذه المقولة على حالتي حربغزة وكوسوفو. وفي محاولة لتقييم النوايا في الحالتين، يركز فيشر على تقرير ريتشارد جولدستون (حول حرب اسرائيل على غزة عام 2009)،وما توصل إليه من أن القوات الإسرائيلية فشلت في أن تأخذ الاحتياطات اللازمة لتقليل حجم الخسائر في أرواح الضحايا من المدنيين، وهو يدين بهذا الاستنتاج النوايا الإسرائيلية.

---------------------------

* عبد الفتاح القلقيلي (ابو نائل): كاتب وباحث فلسطيني، الامين العام للمجلس الاعلى للتربية والثقافة والعلوم في م.ت.ف، وعضو الهيئة العامة لمركز بديل.