×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

غزة أججت نار المقاطعة

غزة أججت نار المقاطعة

بقلم: خالد منصور*

إبان العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة في نهاية عام 2008، أطلقنا الحملة الشعبية لمقاطعة البضائع الإسرائيلية في أراضي الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة، مستغلين التعاطف الشعبي العارم مع الأهل في القطاع والغضب الشعبي الواسع ضد الاحتلال. في حينها كان شعارنا (بدنا نخسّر الاحتلال)، وكان تحريضنا مبني على أساس أن اضعف الايمان فيمقاومة الاحتلال، أن يبدأ كل فلسطيني المقاومة من بيته بالامتناع عن شراء البضائع الإسرائيلية، وحرمان المحتلين من جزء من الأموال التي يجبونها من جيوب الفلسطينيين ثمنا للبضائع الإسرائيلية التي تملأ الأسواق الفلسطينية، ويمولون بها آلة الحرب والدمار، التي يستخدمونها لقتل أبناء شعبنا ومصادرة وتجريف أرضنا وبناء المستوطنات وتهويد القدس. في حينها، وجدنا تأييدا للحملة واستطعنا إيصال فكرة المقاطعة الى كل فلسطيني، لكن الجهد لم يؤدِ في حينها إلى الحراك المطلوب لدى القوى والمؤسسات والاتحادات الشعبية، بل اكتفت هذه المكونات ببعض الانشطة بالاعتماد على البعض، منها ما هو موسمي، ومنها ما هو استعراضي أو دعائي.

واللافت للنظر انه ورغم تعزز المقاومة الشعبية بشكل لافت ما بين عدواني 2008 والعدوان الحالي، بحيث ظهرت نماذج جديدة من أنشطة المقاومة الشعبية، كبناء قرى الحرية وتكثيف الصدامات على حواجز الإذلال الإسرائيلية وقطع الطرق الالتفافية. ومع تعزز حركة المقاطعة الدولية ووصولها الى مختلف دول العالم وانخراط أوساط واسعة في المقاطعة بمختلف أشكالها الاقتصادية والأكاديمية والرياضية والقانونية... الخ، إلا أن حركة المقاطعة في بلادنا ظلت تراوح في مكانها، بل وانتكست محليا حركة مقاطعة منتجات المستوطنات التي أطلقتها الحكومة (بسبب إهمال وتراخي الحكومة في تنفيذ قرارها وعدم تطبيق قانون تجريم التعامل مع المستوطنات). ولم تنجح القوى والمؤسسات وكل العاملين على المقاطعة في استصدار قرار من المستوى السياسي القيادي ممثلا بالرئيس أبو مازن في إعادة النظر ببنود اتفاقية باريس، الأمر الذي شكل ضربة للمقاطعة، كما ولم تستجب الحكومة للمطالب الشعبية بتوفير الحماية للمنتج الوطني الفلسطيني، لا بدعم المقاطعة ولا بفرض ضرائب على منتجات الاحتلال ولا بتخفيض الضرائب على المنتجات الوطنية. كل ذلك جعل مهمة دعاة المقاطعة أصعب. كما لوحظ أن القطاع الخاص الفلسطيني، وخاصة المنتجين، بقي متفرجا على حملات المقاطعة، رغم انه الكاسب الأكبر مادياً من تنظيف الأسواق الفلسطينية من منتجات الاحتلال، فلم يقدم الدعم الكافي ولم يهتم بشكل جدي بتقديم سلع منافسة للسلع الإسرائيلية من حيث الجودة والثمن.

وفي نفس الوقت، لم تتحرك القوى والأحزاب والاتحادات الشعبية لجعل المقاطعة في مقدمة برامجها النضالية، ولم يأخذ جميعهم أنشطة المقاطعة بشكل جدي، وكان هناك تباينا واضحا في تعريف المقاطعة وفي أهدافها، حيث لم ير فيها الكثيرون سلاحا وشكلا من أشكال المقاومة الشعبية، ولم يقدر جدواها وقدرتها على الإضرار بمصالح المحتلين.   

ظلت حركة المقاطعة في أرضنا الفلسطينية تراوح مكانها، تحقق أحيانا انجازات وتنتكس أحيانا، وخصوصا مع لقاءات التطبيع التي كانت تجري علنا ويشارك بها شخصيات رسمية ورجال أعمال واستغلال البعض للتباين بين شعار مقاطعة منتجات المستوطنات ومقاطعة كافة البضائع الإسرائيلية. ومن المؤكد أن وكلاء البضائع الإسرائيلية كان لهم تأثير، بحكم أن بعضهم من المتنفذين ومن أقارب بعض المتنفذين أو شركاء بالباطن مع بعض المتنفذين، وهو أمر خلق حالة استعصاء لم تستطع الجهات الشعبية تجاوزها، فهي توافقت على استخدام أساليب الإقناع والدعاية والتحريض، وامتنعت عن استخدام نفس أساليب الانتفاضة الأولى العنيفة في موضوع المقاطعة.

ومع شن المحتلين عدوانهم الحالي على قطاع غزة، وارتكابهم لأبشع المجازر ضد شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، وقيام وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة ووسائل التواصل الاجتماعي بنقل صور تلك المجازر، وصور دماء وأشلاء الأطفال والنساء والشيوخ، وعملية الإبادة الجماعية، وأسلوب الأرض المحروقة الذي اتبعه الاحتلال، كل ذلك أشعل الغضب أكثر في قلوب كل الفلسطينيين وخصوصا فلسطينيي الضفة. فاندلع حراك شعبي واسع ازداد اتساعا مع إطالة عمر العدوان ومع تعاظم أعداد الشهداء والجرحى، فالتهبت الأرض تحت إقدام المحتلين في مناطق كثيرة كان أبرزها منطقة القدس، وبدأت بشائر انتفاضة شعبية ثالثة تطل على ساحة الضفة الغربية أسهمت بها بسالة المقاومة في غزة وصمودها وقدرتها على الرد على جرائم المحتل.

ومثلما وفرت الحرب العدوانية الإسرائيلية على قطاع غزة في العام 2008 الفرصة لإطلاق الحملة الشعبية لمقاطعة البضائع الإسرائيلية، فقد أججت الحرب الحالية نار المقاطعة من جديد ووفرت المناخ الملائم لعمل النشطاء المؤمنين بالمقاطعة كسلاح وشكل من أشكال المقاومة الشعبية، ليعملوا بين الجماهير ويحضوهم على مقاطعة البضائع الإسرائيلية. فانطلقت في كل المحافظات وفي أحياء المدن وفي المخيمات والقرى حملات شعبية تدعو للمقاطعة ولتنظيف الأسواق الفلسطينية من بضائع الاحتلال. بعض تلك الحملات شكل امتدادا لحملات سابقة تم إنعاشها، وبعضها حملات جديدة جاءت بمبادرة من مجموعات شبابية مستقلة تشكلت لتحقيق هدف واحد محدد هو المقاطعة. بدأ تنافس واضح بين تلك المجموعات على تنفيذ إبداعات جديدة في أشكال الدعوة والتحريض وفي أساليب العمل، وكان منها استهداف محلات تجارية لإقناع أصحابها بالتوقف عن المتاجرة ببضائع الاحتلال. وفعلا بدأت أعداد المحلات التجارية النظيفة من منتجات الاحتلال تتزايد، وبدأ الجمهور الفلسطيني ينحاز بوضوح للمنتجات المحلية ولبدائل منتجات الاحتلال، العربية منها والأجنبية. كما وتقدم بعض المنتجين المحليين بمبادرات لدعم حملات المقاطعة، مثل إعطاء أسعار مفضلة للمحلات التجارية التي تقاطع منتجات الاحتلال. وتقدمت بعض البلديات ومجالس الحكم المحلي برزمة تسهيلات وإعفاءات من الضرائب والرسوم للمحلات التجارية التي تقاطع البضائع الإسرائيلية.

يتضح أن الحرب الحالية على غزة قد أثرت على المزاج العام للشارع الفلسطيني في موضوع المقاطعة، كما ويتضح أيضا أن تأثير صور الضحايا والجرائم الاحتلالية ابلغ بكثير من كل الكلام والمنشورات والدعوات. فالتغير الذي حصل خلال شهر الحرب أضخم بكثير مما حصل خلال سنوات بأكملها. كما ويجب ملاحظة الدور الهام الذي لعبته مواقع التواصل الاجتماعي في نشر ثقافة المقاطعة، وفي تحفيز أعداد كبيرة من الشباب للإبداع في أشكال التنظيم والعمل على قضية المقاطعة، وهو الامر الذي لم يكن متوفرا في المراحل السابقة من العمل في المقاطعة.

وحتى لا تكون الحالة المتقدمة من النهوض الشعبي والمزاج العام المؤيد للمقاطعة كسحابة صيف ما تلبث أن تنقشع، وحتى يتحول هذا المزاج الى سلوك وثقافة وتيار جارف، يجرف معه البضائع والمنتجات الإسرائيلية والعادات الاستهلاكية السلبية، لابد لنا جميعا (السلطة وحكومتها، والقطاع الخاص، والقوى الشعبية من فصائل وأحزاب واتحادات ولجان شعبية ومؤسسات وجمعيات أهلية) من العمل الحثيث من اجل توطين المقاطعة في وعي ووجدان الجماهير، والانتقال بالعمل من الحملات الموسمية الى العمل المخطط والمنظم، وهذا يتطلب من كل تلك الجهات الاطلاع بمسؤولياتها. وحتى نعمم هذه الثقافة، فان المطلوب من المستويات المختلفة ما يلي:

المستوى السياسي (م ت ف):العمل فورا على إعادة النظر ببنود اتفاقية باريس المجحفة بحق اقتصادنا.

الحكومة:

- الاستنفار التام من اجل تنفيذ قرار مقاطعة منتجات المستوطنات.

- وضع الآلية التنفيذية لقانون تجريم الاتجار مع المستوطنات.

- توفير الحماية للمنتج الوطني بفرض ضرائب على المنتجات الإسرائيلية الداخلة لأسواقنا.

- تخفيض الضرائب على المنتجات الوطنية بما يؤدي الى انخفاض أسعارها.

- فرض رقابة مشددة على مقاييس الجودة للمنتجات المحلية.

- فرض رقابة على أسعار المنتجات الوطنية بما يمنع التجار من استغلال المقاطعة لرفع الأسعار.

- توجيه مختلف الوزارات والدوائر الرسمية لدعم حملات المقاطعة والمساهمة في تحويلها الى جزء أصيل من الثقافة الوطنية.

القطاع الخاص:

- تقديم سلع منافسة للسلع الإسرائيلية من حيث الجودة والثمن.

- تعبئة الفراغ الناشئ عن فقدان المنتجات الإسرائيلية وإيصال منتوجاتهم الى مختلف التجمعات السكانية بما فيها النائية.

- تقديم الدعم النقدي والعيني لحملات المقاطعة باعتبار المنتجين هم المستفيدون المباشرون ماديا من عملية المقاطعة.

البلديات ومجالس الحكم المحلي:

- تشجيع التجار وأصحاب المحال التجارية على الالتزام بالمقاطعة، من خلال تقديم تسهيلات وإعفاءات من الرسوم والضرائب، كإعفائهم من رسوم الرخص والمهن وتخفيض أسعار الكهرباء.

الاتحادات الشعبية والنقابات المهنية:

- توقيع هذه الأجسام على ميثاق شرف يحفز منتسبيها على الالتزام بالمقاطعة وخصوصا نقابات الأطباء والصيادلة والمهندسين.

الغرف التجارية والصناعية:

- إلغاء عضوية وكلاء البضائع الإسرائيلية التي لها بدائل وحرمانهم من الاستفادة من خدمات الغرف في حالة استمرارهم بتوريد منتجات الاحتلال.

القوى السياسية:

- إحداث تغيير جدي وواضح في برامج ومهام العمل، بحيث تصبح المقاطعة مهمة دائمة ومخطط لها، وترصد لها الإمكانيات البشرية والمادية الكافية.

- تشكيل لجان شعبية تنسيقية على مستوى كل محافظة.

- الاهتمام بتكريم المحال والمؤسسات والأسر والأفراد الذين يلتزمون بالمقاطعة.

- تشجيع المبادرات الشبابية ودعمها دون التدخل بشؤونها او التوجه لاحتوائها.

- وأخيرا، الاستفادة من إمكانيات الإعلاميين ووسائل الإعلام لتعزيز المقاطعة من خلال إشراكهم باللجان الشعبية، ومن خلال إسهامهم بترويج ثقافة المقاطعة ونشر أخبار الحملات وتسليط الضوء على الإبداعات والانجازات.

-----------------------------------------

*خالد منصور: منسق الحملة الشعبية لمقاطعة البضائع الإسرائيلية.