×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

الطريق من المحرقة اليهودية إلى مجزرة غزة يمر بمطار بن غريون

ضمن حملة «مرحباً بكم في فلسطين » لعشرات النشطاء الأجانب في مطار تل أبيب، نيسان ٢٠١٢ (المصدر:ActiveStills) ضمن حملة «مرحباً بكم في فلسطين » لعشرات النشطاء الأجانب في مطار تل أبيب، نيسان ٢٠١٢ (المصدر:ActiveStills)

بقلم: ميكو بيليد*

في صباح اليوم التالي لليلة القدر، ارتفعت حصيلة الشهداء في غزة لتصل ألفها الأول. أمضيتُ ليلة القدر مع أصدقائي في رام لله بعد المشاركة في مسيرة الـ48 ألف المناصرة لغزة. كانت نقطة انطلاق المسيرة من وسط رام الله باتجاه حاجز قلنديا، ولكن ما بدأ كمسيرة سلمية جمعت حشوداً من العائلات والأطفال والرضّع في العربات، انتهى بإصابة العديد من الشبّان الفلسطينيين بالرصاص ونقلهم إلى المستشفيات في رام الله. في هذه الأثناء كان حاجز قلنديا مكتظّاً بالمتظاهرين لدرجة يصعب فيها التنفس ومحصّناً بشكل كبير بالجنود الذين تمركزوا على الأبراج، يطلقون الرصاص الحيّ على المتظاهرين. بينما كانت سيارات الإسعاف تتهافت لنقل الجرحى من حاجز قلنديا، رحتُ أتساءل: لماذا لا يوجد مستشفى بين قلنديا ورام الله؟ فالمسافة بين قلنديا واقرب مستشفى في القدس ورام الله والبيرة، تعتبر بعيدة.

كان من المقرّر أن أغادر فلسطين في الليلة التالية وأعود إلى الولايات المتحدة، لكن قوّات الجيش الإسرائيلي كانت قد أغلقت كافّة الطرق بين رام الله والقدس خلال الليل، وكان من المتوقع أن يستمر هذا الاغلاق خلال النهار أيضاً. عند بزوغ الفجر، وحين بدأ الهدوء يسود شيئاً فشيئا، أخذني صديقي بسيارته إلى حاجز قلنديا. مع أن صديقي كان يتوقع أن يكون الحاجز مغلقاً، لكنه كان مفتوحاً. ومع أنّه كان مفتوحاً للإسرائيليين فقط، استطعت أن أشق طريقي إلى القدس.

في تلك الليلة، وحيث كنت استعد للمغادرة إلى مطار بن غوريون في تل أبيب، كان الناس من حولي يحاولون تهدئتي. وتكرّرت بعض العبارات من حولي مثل، "لا تحاول إثارة غضبهم، حاول أن تتعاون معهم وسوف يعاملونك بالحسنى"، "لماذا علينا المرور بكل هذه الإجراءات غير الضرورية والمزعجة؟". كانوا يتحدثون عن ضبّاط الأمن الإسرائيلي في مطار تل-أبيب "الغيستابو المبتسمين"، والذين يطلقون على أنفسهم "قسم أمن المطار". أثناء استماعي لهذه العبارات، استذكرت الجاليات اليهودية التي عاشت في ظل النظام النازي، والتي كانت تعتقد أنها في حال تعاونت مع النظام وأظهرت حسن النوايا كمواطنين صالحين، فإنهم سيكونون بخير. ولكنّ هذا التعاون لم يقدهم إلّا نحو المعتقلات، ومن ثمّ الى غرف الغاز التي أودت بحياتهم. لم يكن بمقدور النازيين قتل الملايين من الناس لولا سذاجة الضحايا وايمانهم أنّ التعاون مع النازيين والتنازل لهم سيبقي الأمور على أحسن حال. وعند المقارنة بين السياسات العنصرية والمذلّة في مطار بن غوريون، وسياسات التطهير العرقي وقتل الفلسطينيين في غزة، سنجد أنها تنبع من نفس الأيديولوجية الصهيونية. وكما رأينا خلال العقود السبعة المنصرمة، فإنّ التعاون لم يأت بأيّة نتيجة ولم يجعل الأمور على حال أحسن.

كان يقال عن هتلر بأنّه وحش. في حقيقة الأمر، لم يكن هتلر وحشاً، وأي طفل بامكانه ان يقول لكم لا يوجد شيء اسمه وحوش. في المقابل، هنالك العديد من الناس القساة الذين يتلّقون الدعم والتعاون من قبل جهات أخرى في سبيل ارتكاب أمور فظيعة يعجز عنها الوصف. لم يكن هتلر فريداً من نوعه، فهناك سلسلة من القادة بين رجال ونساء قادوا مجتمعات بأكملها، وأقدموا على ارتكاب جرائم مشينة ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا. إلّا أن هذه الجرائم لم تكن لتحدث لولا تعاون الضحايا والمجتمع مع مرتكبي الجرائم بشكل عام.

بإمكان التعاون مع السلطات الإسرائيلية أن يقود إلى تخفيف حدّة النزاع والشعور بالطمأنينة لوقت قصير، ولكن في الوقت ذاته يجذّر "حق" اسرائيل في إذلال وإرهاب الفلسطينيين، وبموافقتنا نحن، أصحاب الضمائر الحية، على كل ما تمارسه اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني. وسواء كنّا فلسطينيين أم لا، فالنداء الآنلنا جميعاً هو ليس فقط عدم التعاون، بل أيضا مقاومة الظلم والاضطهاد.

تتهافت أصابع الاتّهام اليوم على ما يحدث في غزة نحو حركة حماس، إلّا أنّ إسرائيل لم تبدأ هجماتها على غزة عندما تأسّست حماس في نهايات الثمانينيات. الهجوم الاسرائيلي على غزة بدأ عندما خلقت اسرائيل هذا القطاع، وهجّرت إليه الآلاف من الفلسطينيين الذين اقتُلعوا من ارضهم وممتلكاتهم في فلسطين المحتلة عام 1948. لا يملك الفلسطينيون في غزة خيار: إمّا المقاومة والموت، أو العيش بسلام. تضعهم إسرائيل أمام خيارين آخرين: إمّا الموت دفاعاً عن حقوقهم في مواجهة عدوهم، أو الموت وهم نائمون في أسرّتهم.

تتعرّض غزة اليوم "للعقاب" كونها المنبه الذي يوقظ إسرائيل والعالم على الخطيئة الأولى التي ارتُكبت بحق فلسطين، وهي التطهير العرقي، وإنشاء ما يسمّى بالدولة اليهودية مكانها. وعلى الرغم من أنّ المقاومة الفلسطينية لم تشكّل أي تهديد عسكري على إسرائيل، إلّا أنّها تصوّر على أنّها تهديد لوجود دولة إسرائيل. ففي مستوطنة "نحال عوز" الحدودية مع قطاع غزة، وهو المكان الذي تصطف فيه الدبابات الإسرائيلية كل مرة يكون فيها غزو بري للقطاع، وقف "موشيه دايان"، الجنرال الإسرائيلي معصوب العين، في نيسان 1956 وألقى خطاباً لجنوده قال فيه: "وراء هذا الجدار، هناك بحر من الحقد والكراهية، ورغبة شديدة بالانتقام." وأضاف "ديان"، يا للسخرية، بعد ستة أشهر عندما احتلت اسرائيل غزة، عُيّن "أبي" حاكماً عسكرياً للمنطقة، وحينها قال: "لم أر أي حقدٍ أو كراهيةٍ، لم أرى سوى أناس محبين للحياة، يعملون معاً من اجل مستقبل أفضل."

وحتى اليوم، لا يزال الضبّاط والساسة الإسرائيليون يقولون عن غزة ما قاله موشيه ديان: قدر اسرائيل أن تعيش بقوة السيف، ويجب عليها أن تهاجم غزة كلّما أمكن، على الرّغم من أنّ الفلسطينيين لا يشكّلون أي تحدّ عسكري لإسرائيل، أو حتى تهديد. ففي نهاية المطاف، لا يمتلك الفلسطينيون أيّة دبابة أو سفينة حربية أو طائرة مقاتلة، أو حتى جيش نظامي. وعليه، لماذا الخوف؟ لماذا تستمر هذه الحملة ضد غزة منذ اكثر من ستة عقود؟ لان الفلسطينيين في غزة، أكثر من أي مكان آخر، يشكلون تهديداً لشرعية اسرائيل.

اسرائيل هي الوليد غير الشرعي لرباط غير مقدس جمع ما بين العنصرية والاستعمار، بينما يشكّل اللاجئون الفلسطينيون، وهم غالبية السكان في قطاع غزة، تنبيهاً دائماً لإسرائيل بعدم شرعيتها، وتذكيراً بجريمة التطهير العرقي التي على أساسها نشأت دولة اسرائيل. فما يعيشه أهل غزة من فقر، وقلّة موارد وقيود على حريتهم، يقف أمام تناقض صارخ مع ما يملكه الإسرائيليون من وفرة موارد وحرية وقوة، والتي هي بالأصل من حق الفلسطينيين.

عودةً إلى ليلة مطار بن غوريون. قيل لي أنه في حال تعاونت مع المسؤول المناوب عن التفتيش فإن العملية ستتم بسلاسة، إلّا أنني رفضت هذا العرض "السخي". أنهوا عملية التفتيش ووضع الملصق الذي يحمل نفس الرقم التسلسلي على أمتعتي، ووكانوا قد عاملوني بنفس الطريقة التي يعاملون بها الفلسطينيين. حينها قيل لي أن "أسلوبي لم يعجبهم".

وبينما أكتب الآن هذه الكلمات، فان عدد الأبرياء الذين قتلوا في غزة زاد عن الألفين ضحية. إنّ وجوب إنهاء النظام الوحشي والعنصري الذي لا يطاق، والذي أنشأه الصهاينة في فلسطين، هو المطلب الراهن، وإنّ انتقاد المقاومة الفلسطينية أمر غير مقبول. ما يجب فعله هو فرض المقاطعة على اسرائيل وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها بسبب جرائمها البشعة. كما أنّ على الدبلوماسيين الإسرائيليين العودة لبلدهم متوجين بالخزي والعار، وعلى القادة الإسرائيليين والضباط المسافرين الى الخارج أن يعيشوا في خوف دائم من المحاكمة القضائية. ومع أخذ كل هذه الإجراءات، يجب أن نمتنع عن التعاون مع، والخضوع لإسرائيل، أو التنازل عن المقاومة. هذا وحده كفيل بأن يظهر لأهالي غزة من أمهات وآباء وأطفال بأن العالم يكترث لأمرهم، وأن عبارة " لن يتكرر هذا أبداً" ستصبح أكثر من مجرد وعد كاذب.

---------------------------------------------------------------

*ميكو بيليد: ناشط وكاتب إسرائيلي مناهض للصهيونية ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي، يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية. من أبرز مؤلفاته: إبن الجنرال: رحلة إسرائيلي في فلسطين.