×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

نعم إنها مؤامرة... فهل يستفيق العرب والمسلمون؟

د. أحمد مفلح*

هل العرب أمة؟ أوكانوا في التاريخ الحديث والمعاصر أمة واحدة يجمعها تاريخ واحد، ولغة واحدة، وأرض ومصير مشترك...إلخ ام انها مجرد شعارات قفزت إلى خطابنا السياسي والأدبي، وأحاديثنا الشعبية في سمر الليالي بعد كل هزيمة تصيبنا؟ أهي سراب أمل أسقطه علينا مدعو "القومية العربية" و"العروبة"، فتعلق بها بعضهم مثل غريق يتعلق بقشة نجاة؟ هل كل ذلك كان لملء قاموسهم السياسي والأدبي وخطابهم الذي كان فارغاً بعد سنين من الجهل والشرذمات بين دويلات وأفكار ومذاهب وتيارات وطوائف، تدعمها مقولات دينية تخدم هذا السلطان وذاك، وكتابات وقصائد تمدح هذا وتهجو ذاك؟

لا نريد الغرق في اجترار تاريخنا، كي لا نغرق في تكرار تاريخنا- هزيمتنا وما حصل في فلسطين شاهد. فكان سلاحنا، إلى جانب قصائد البكاء والنحيب والمراجل الخيالية التي كانت وانتهت في التاريخ، وكان تقييمنا يبدأ وينتهي عند أننا كنّا خير أمة... يكفي ان نقول ان دعواتنا العروبية وقوميتنا لم تتجاوز يوما حدود كونها محاولات استحضار هذا التاريخ غير الموجود إلا في ذهن المهزوم ليغطي حاضر الهزيمة. فهل كان لدينا مشاريع قومية ثورية بما تنطوي عليه من نهوض علمي حضاري تقني وزراعي وصناعي، أم انها كانت ملهاة كذبة "مشروع"  تحرير فلسطين؟

بعد نكبة فلسطين، كرّت "موضة" العروبة فتتالت دعوة البعث الأولى، فكانت الناصرية وحركة القوميين العرب، ولا أتّهم هنا أحداً ممن حمل هذه الأفكار وآمن بها، كما لا أسمح لنفسي باتهام الأفكار نفسها، ولكن القيّمين على هذه الأفكار ومن استغلها على حساب الناس وأمانيهم؛ بمعنى المشكلة ليست بالقومية العربية ولا بجماهيرها، بل بالمتسلطين باسمها و"أنبيائها" من الزعماء والقادة والرؤساء. فحتى لو حملت هذه الأفكار تفسيرات رومانسية وغير موضوعية للتاريخ، وكانت هروباً في وقت من الأوقات، فإنها مفيدة وضرورية وتعتبر مشروعًا لو عرفنا تطويره وكنا صادقين في التعبئة له ومن أجله. فمثلاً، لو بقيت فلسطين قلب العروبة والعرب بصدق لحُرِّرت. ولو كانت الوحدة العربية والتكامل والتعاون و"بلاد العرب أوطاني" لتحققت نهضة المجتمعات العربية وخرجت من كبوتها وتخلّفها وفقرها المادي والتقاني، ولكانت أقوى من الصعاب والفتن والشرذمة الطائفية والمذهبية... لكن ماذا حصل؟

النتيجة أن هذه الأفكار القومية بلا مشروع حقيقي أكلت أبناء هذه الأمة العربية الواحدة، فبدلاً من توحيدها، شرذمتها، وبدلاً من تطويرها، القت بها في أسفل سلّم الرقي والتطور وحقوق الإنسان، فجمدت المجتمعات على خلاف منطق الطبيعة، أي التغيّر.  فباسم القومية والعروبة ومجد العرب، ارتفعت الحدود، وتأزمّت العلاقات بين الأنظمة السياسية وانعكست ثقافياً واجتماعياً، واشتعلت الحروب واستحكمت الاستخبارات فانتشرت الاعتقالات وفنون التعذيب التي لا يتخيلها عقل بشر، وباتت التأشيرات بين أبناء هذه الأمة أصعب الصعوبات، وما أسهلها طبعاً لأبناء ذاك الغربي أو الإسرائيلي نفسه. والأكثر من ذلك، راح كل نظام يتوسّل رضى ذاك العدو الغربي الاستعماري- الذي نلعنه- ونستحثه لضرب ابناء أمّتنا، والثمن المقبوض مقدما او عاجلا او آحلا،  هو فلسطين وأبناؤها. وبقدر ما يرضخ العرب للغرب يقسو و"يتمرجل" على فلسطين وأهلها. رضيَ هؤلاء بصغائر الأطراف وأحقرها وتخلوا عن القلب، واعتبر أنه يعيش من غير هذا القلب، قلب العرب والمنطقة، وقلب كل دولة أو دويلة من هذه القبائل العصبوية العربية، التي مهما كبرت وتعصرنت، لن تكبر عن قبيلة.

لماذا فلسطين؟

أولاً،فلسطينوقضيتها هي العنوان أو الوجه الآخر البديل لمشروع تفتيت العرب وطمس تاريخهم وشرذمة حاضرهم وقتل مستقبلهم، مشروع الصهيونية بوجوهها كلها التي تعمل على شطب الهوية العربية والإسلامية والمسيحية. ففلسطين وقضيتها هي مفتاح التخلص من الهيمنة الاستعمارية، لا الأموال ولا النفط ولا التسلح وناطحات السحاب وحياة البذخ والترف وتشدد الحدود والأمن والاستخبارات والقمع... ولا أي شيء، فكل هذا هباء منثور أمام المشروع الصهيوني الذييشكلتحرير فلسطين بديله.

ثانياً، فلسطين هي سر وحدة العرب وسر تشرذمهم، من أجلها وفي ظلها تكون الوحدة الموضوعية الفعلية لا الكلامية، ومن دونها تشتت وضعف وضياع. في الماضي كانت قوة العرب ومنعتهم هي الموقف من القضية الفلسطينية والعمل لأجلها، وحتى الانقسامات العربية كانت من أجل فلسطين وقضيتها، هي القوة والضعف والتقدم والتكامل والوحدة بالمعاني كلها: الثقافي، والسياسي، والتاريخي، والاقتصادي، والجغرافي النفسي والعاطفي.

ثالثاً، فلسطين اساس المشروع واطاره الناظم، ومن دونه يكون العرب مخلوقات تأكل وتشرب، وحياتهم حلقة مفرغة، يتلاعب بهم الآخر بحسب مصالحه ومشاريعه، فالآخر يعمل بحسب مشاريعه، ومنها إسرائيل وأمنها ومستقبلها، ونحن نعيش من دون مشاريع، لهذا نرى كل شيء في تراجع، ولا يغرننا مظاهر الترف.

إذن، فلسطين هي عنوان الأمة (بعروبتها وإسلامها ومسيحيتها وعلمانيتها) وواقعها (بسلبياته وإيجابياته ووحدتها وتفتتها) ومشروعها. فلا قيامة لأمة عربية بأي أيديولوجية كانت من دون فلسطين، بربيع أو خريف أو صيف أو شتاء.

الواقع العربي اليوم

 بعد هزيمة 1967 تاه العرب بفئاتهم وشرائحهم الاجتماعية كلها في فراغ الأفكار والمشاريع، يفسرون ما حدث وقلما يفكرون بكيفية الخروج منه. فمنهم من اعتبر العيب في الأفكار، ومنهم من وجده في تطبيق هذه الأفكار وتنفيذها، ومنهم من وجدها في الغرب وتعامله معنا، ومنهم من ربطه بالإسلام والبعد عنه، أو في التراث والحداثة والعلم والتقانة... تاهوا وتخبطوا ولم يبحثوا سر ما حصل. فالسيطرة على فلسطين، ليست مجرد سيطرة على قطعة ارض، بل محور ومقياس الهيمنة او التحرر. وبدل المواجهة، خرج العرب، على عكس الواقع والمنطق، وبقدرة قادر، خارج فلسطين، ومالوا إلى التشدد والانغلاق كل على دولته بمزيد من العداوة تجاه الآخر، وبمزيد من القمع بحجة الخروج من الهزيمة التي سميت مجرد نكسة، وغابت النخب الفكرية، أو غُيّبت وقمعت، وصار رجل الأمن هو المفكر والمهدي والهادي والحريص على الأمة وقوميتها.

كان رد الاعتبار في الثورة الفلسطينية المسلحة التي نادت في بدايتها أن فلسطين قضية العرب، فكان ثمن هذا محاربة الفلسطيني وقمعه، وصار مشروعه هذا الذي يربط العروبة بفلسطين تهمة تحاسب عليه الأنظمة العربية باعتباره مؤثراً وضاراً لهذه الأنظمة/القبائل التي تسمّت بجمهوريات وممالك وإمارات... وغيره. ومن هنا بات الفلسطيني الذي تنبأ بأهمية فلسطين في المشروع العربي، وباعتباره فلسطين وقضيتها المتصدي للمشروع الصهيوني، والمشروع الذي يجب أن يربّى عليه النشء العربي؛ بات الفلسطيني ملاحقاً ومنبوذاً وعدو هذه الأنظمة إلا في ما يخدم مزايداتها وتطلعاتها في وجه النظام الآخر. والسؤال كيف حصل ما حصل؟ ولماذا؟ تتشتت الأجوبة بين خيانة وارتهان ومصالح وجهل... حتى هذا لم نحسن دراسته بموضوعية، لذا تُرك يكبر ويتراكم حتى وصلنا إلى مزيد من القمع وهدر كرامة الإنسان وإنسانيته وخنق التقدم. ورويداً رويداً، صارت فلسطين وأهلها عدو هذه الأنظمة، او على الاقل خارج حسابتها، في الوقت الذي لم يعد للشعوب العربية رأي أو قوة. ورويداً رويداً، دخلت الثورة الفلسطينية التي لم تستطع الصمود في وجه هذا الواقع في زواريب هذه الأنظمة ودسائسها، فرضخت لإملاءاتها وماليتها، أو لتمنياتها ومؤامراتها، وشتت هذه الثورة جماهيرها ورضيت بتقسيم فلسطين ومُسالمة العدو... وكان ما كان بعد عام 1990 من مفاوضات سلام في ظل غياب التوازن وانعدامه، وسياسة القطب الواحد الداعم لإسرائيل، والهرولة العربية العلنية وغير المبررة إلى سؤال ود الصهيونية.

تُركت فلسطين وأهلها وحدهم، يتخبطون بين مقاومة وسلام، بين مقولة الخيانة والوطنية، فتقاتلوا وقتلوا بعضهم وجميعهم يرضخون لقمع العدو، وزاد قمع الأنظمة لقتل آخر كلمة رفض للتخلي عن فلسطين، أو لخنق آخر حرف تأييد لهذه القضية، ولا نستثني هنا بين نظام يدّعي القومية والعروبة أو يتنكر لها. وتقلصت هذه الدول والأنظمة إلى عائلات ومحظيين، فساد وقمع وقتل وهدر حريات وكرامات وفقر وارتهان للعدو وداعميه... و"فلت ملق" الضياع والفراغ بوجوهه كلها... وبتنا ننتظر التغيير. فها هي بوادره الذاتية والمنطقية والموضوعية تتبلور، وباتت المجتمعات حبلى بالثورة، وإن لم يستشرف واحدنا تاريخ الولادة ونوع المولود وشكله، لأنه كما قلنا، النخب التي عليها الاستشراف، إما غائبة ومنطوية ومقموعة أو منفية أو مرتهنة للنظام. وكانت الولادة في تونس، فكانت شرارة البوعزيزي شرارة نادت وحركت المعذبين الذين نزلوا إلى الشوارع خبط عشواء يتصدون بصدورهم لرصاص الأنظمة التي استقرت على أساس غياب الشعب، ونامت على تطمينات الغرب صديق الصهيونية وحاميها، لكن قوة غير معروفة قفزت وسيطرت ورمت بمشاريع غوغائية تعرف مسبقاً أنها مشاريع ستستهوي الناس الذين لا يقدرون على محاربتها: الإسلام والدولة الإسلامية (طبعاً بمعناه العصبوي لا الروحاني والقيمي). فمن منا قادر على معارضة شرع الإسلام، ومن منا ونحن نعيش في زمن الجهل والخزعبلات قادر على مفارقة الدين الحق من الباطل؟ والأكثر أين هي المشاريع المطروحة التي ستواجه وتعبّئ الفراغ المعرفي والسياسي والثقافي؟ ومرة أخرى لم ندرس ما حصل وكيف ولدت هذه القوى.

من نتائج الربيع العربي:

- غياب فلسطين نهائياً في خطابه وسلوكه ورؤيته المستقبلية، وهنا اشترك هذا الربيع مع الأنظمة التي ثار عليها، والأنظمة التي بقيت بمنأى عنه، ما يعني أن نسيان فلسطين تجذّر أكثر وباتت نسياً منسيا، وهذه الحرب على غزة اليوم درساً يُقرأ في هذا المجال. فلو أخذنا الموقف المصري مثلاً ما الذي تغيّر أيام مبارك ومرسي والسيسي من الناحية السياسية العامة، دون المواقف المراوغة، لا بل ربما نظام الربيع كان أكثر مغالاة ودهاء وحقداً على غزة وشعبها من نظام مبارك، على الأقل لم يربط مبارك بين قضية شعب وقضية فلسطين ونكاياته السياسية الداخلية مع الأخوان المسلمين. ففلسطين أكبر من الإخوان وقبلهم وستبقى بعدهم، وقضية الإبادة الإنسانية أكبر من تثبيت نظام. فأين قوى الربيع العربي عند الشماتة من قتل إسرائيل أطفال فلسطين؟ وأين الأمة العربية من تغريدات بعض الخليجيين في شأن الشد على يد العدو الإسرائيلي من تدمير غزة؟ وأين الجماهير العربية التي استكانت أمام مسلسلات رمضان العربية والمونديال في الوقت الذي خرجت فيه أمم الأرض كلها مستنكرة المجازر الصهيونية؟

- تبين من دون أي لبس أن هذا الربيع لم يحمل إلى العرب إلا الخراب والدمار، فها هي مصر نفسها وليبيا وتونس وسوريا تجني الدمار والخراب؟ وبصيغة أخرى هل كان هذا الربيع لمصلحة الشعوب العربية والأمة العربية والعروبة، أم لمصلحة القوى المعادية وشركات النفط؟ لا يعني هذا الكلام أن الأنظمة في هذه البلدان كانت تعمل لمصلحة شعوبها، لا، ما نريد قوله هو أن هذا الربيع بشكله الذي انتهى إليه، لا بشكله الذي بدأ به، كان خطوة تالية من مسيرة التقسيم والتشرذم في بلاد العرب بدأت منذ إقامة الكيان الصهيوني، وليس وليد الصدفة.

- إذا كان قتل المشاريع العربية النهضوية أو مؤشراتها قتلت مع قيام الكيان الصهيوني، واستمر العمل على نزعها واستئصالها، بيد القيمين عليها طبعاً وبتخطيط خارجي، طوال اكثر من جيلين (66 عاماً)، فإنه يُقتل اليوم المشروع البديل، أي المشروع الإسلامي، لكن بسرعة أكبر، وللأسف باسم الإسلام نفسه، وفي ظل الربيع العربي نفسه. قد يطول استئصال النهوض الإسلامي جيلاً أو أكثر، لكن مع ذهابه ماذا سيبقى؟ هل نتشرّب الليبرالية والديمقراطية؟ وهذا يلزمه ثقافة وتعلّماً وسلوكاً، ولا يأتي بالنزول إلى الشارع، والدمار وأكل قلوب الأعداء، ونسف الحضارة وجلد فاطر رمضان، ورجم الزانية، وتهجير المسيحي... وبالمقابل الأوطان بأهلها وناسها، والناس بحريّتهم وعقولهم، فالأنظمة التي تريد لمنجزاتها البقاء، ولعروبتها وقوانينها الديمومة، عليها احترام إرادة شعوبها، لا تزويرها وهتكها.

إن ما يمر به العرب اليوم أفدح وأصعب مرحلة في تاريخهم الحديث والمعاصر، ربما لا يساويه سوى الصراع الذي ضرب الثقافة العربية/الإسلامية أيام ابن الرشد من خلال صراع العقل والنقل، ومن يومها لم تقم أصلاً قيامة عربية لافتة. وصراع اليوم حمل من هذين الصراعين العربيين، الإسلاميين، فهو صراع سياسي وعقائدي وثقافي أصعب من نكبة فلسطين نفسها. ان ربيع اليوم قضى على التاريخ والحاضر والمستقبل باسم الإسلام، فشرذم المسلمين بين سني وروافض وصوفي وإخوان، وهدم الحضارة، وشطب فلسطين، وكرس نسيان العدو الصهيوني والغرب.

 لكن ما هو هذا الربيع؟ فما لم نعرفه لن نستطيع مجابهته، وهذه المرة أريد الدخول في ثقافة المؤامرة، إذ بقينا نترفع عن هذه المقولة باعتبار أنفسنا أصحاب خطاب تقدمي ومتطورين، مع التشديد على أننا اخترنا هذه المقولة من المتآمر علينا نفسه، فزرعها فينا وقبلناها وهضمناها ونظّرنا لها... ويا لنا من نخبة ساذجة. نعم هي مؤامرة، ويكفي لتأكيد ذلك النظر الى المستفيد. فتغييب فلسطين، وتدمير مقدرات الامة ومقومات نهوضها المادية، وتدمير اسس وحدتها وبناءها الحضاري- الثقافي، كلها مصالح استعمارية تديم الهمينة وتؤمن مستقبل اسرائيل. وها هم إسلاميو اليوم يدمورن البشر والحجر والتاريخ والثقافة والدين الحنيف والمجتمعات والبلاد باسم الدين، لكن لمصلحة من؟ أتمنى أن نعرف جميعاً، واتمنى أن يتعلم أصحاب الفكر الإسلامي من العروبيين درسًا، وان ويواجهوا إسلاميي اليوم حفظا لآخر وعاء، الوعاء الأوسع الذي يحمل الإسلام والعروبة والقيم الليبرالية والحرية الحق.

------------

*احمد مفلح: باحث من فلسطين، مقيم في لبنان