تفكيك الثقل الديموغرافي للاجئين الفلسطينيين مشروع سياسي تصفوي

مخيم اليرموك، أيار ٢٠١٥ (المصدر: alresalah.ps) مخيم اليرموك، أيار ٢٠١٥ (المصدر: alresalah.ps)

بقلم: نضال العزة*

" بعد مغادرتي سورية عبر تركيا، وكي احصل على اقامة مؤقتة في... (احد دول اوروبا)، وجدت نفسي وافراد عائلتي السبعة مضطرين للإعلان أننا لاجئون سوريون ولسنا لاجئين فلسطينيين..." 
أبو كرمل، لاجئ فلسطيني من سوريا. 


يحاول هذا المقال أن يلقي بعض الضوء على اثر تفكيك الثقل الديمغرافي للاجئين الفلسطينيين على قوة حضور قضيتهم وحقوقهم على الأجندة الدولية والسياسية. من حيث الأصل والطبيعي، فإنّ التهجير الثانوي/اللاحق للاجئين لا يجب أن يؤثر على حقوق اللاجئين وعدالة قضيتهم من حيث المبدأ. في المقابل، يبدو في السياق الفلسطيني أن تفكيك تجمعات اللاجئين، كحالة مخيمات سوريا، بما تمثله من ثقل ديموغرافي وبالتالي سياسي، يؤثر جوهرياً على مستوى وقوة حضور قضيتهم على الأجندة الدولية وطاولة مفاوضات التسوية الراهنة.

وبما أن حلّ قضايا اللجوء الجماعي طويل الأمد بحجم اللجوء الفلسطيني لا يكون إلّا بإرادة سياسية دولية، فإن هذا المقال يرى أن المجتمع الدولي عموماً، الذي لم يستطع أن يتنصل من مسؤوليته حيال اللاجئين، ولو أدبياً، رغم عجزه عن، أو تقصيره في انفاذ قراراته ذات الصلة، يتّجه الى التخلص من عبء ثقل قضية اللجئين. وعليه، يكون من المعقول جداً افتراض أنّ الإرادة الدولية في ظل حالة التفكيك لثقل قضية اللاجئين، تتجه الى التنصل علناً من مسؤولية البحث عن حل عادل لقضية اللاجئين بناء على القرارات الدولية وقواعد القانون الدولي، بل وفرض حل طالما رفضه الفلسطينيون.

ممّا لا شك فيه، أن التأثير السلبي للحروب المستعرة وحالة التشظي وموجة بناء الإمارات في أكثر من بلد عربي على القضية الفلسطينية لا يخفى على أحد. بل ويكاد يكون هذا الرأي محل إجماع بين مختلف منظري التيارات المتصارعة. وممّا لا شكّ فيه أيضاً، أن هذا التأثير يطال مختلف الجوانب للقضية الفسطينية ويمتد على مختلف الصعد. ولعله ليس من المبالغة القول أن ما يجري في الوطن العربي من صراعات، وخصوصاً موجة بناء الإمارات، والتهجير الثانوي للفلسطينيين، تشكل حالة مثالية لتثبيت المشروع الاستعماري الصهيو-اسرائيلي لعشرات السنين القادمة، هذا إن لم يكن هذا الأمر أحد الاهداف الرئيسة من وراء تغذية الغرب الاستعماري لهذه الصراعات وتعميقهاً. وممّا لا شك فيه، أنّ ما صار يُعرف في الإعلام بسياسة "النأي بالنفس"، أو ما صار يروّج له حديثاً حول سياسة "الحياد الايجابي" الفلسطينيتين، لم تسعفا الفلسطينيين في تجنب آثار التورط أو التوريط في هذا الصراعات. فحتى بافتراض فشل هذه السياسات، أو عدم الصدقية في تنفيذها، يبقى من غير المبرر تهجير الفلسطينيين لا بمنطق "الثورات"، ولا بمنطق الاستثمار في القضية الفلسطينية كما جرت العادة من قبل الانظمة. وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الآثار تصيب أكثر ما تصيب اللاجئين الفلسطنيين في بلدان الشتات، ليس في حقوقهم الإنسانية اليومية وحسب، بل نعتقد انها تنهش في أركان قوة حضور القضية على مدار عقود النكبة.

بمراجعة سريعة، يمكن رصد أركان القوة في مواقف الأطراف الأساسية من قضية اللاجئين. من جهة أولى، استند الفلسطينيون في طرح قضيتهم الى عدالة قضية اللاجئين في الأساس. حتى أنّ القيادات الفلسطينية المفاوضة لم تُخفِ تنازلاتها المختلفة ضمن علمية التفاوض الممتدة منذ ربع قرن، إنّما لم تستطع أن تتنازل، أو على الأقل لم تجرؤ على المجاهرة بتنازلها، عن حقوق اللاجئين. ومن جهة ثانية، رغم عجزه عن انفاذ الحقوق، فان المجتمع الدولي، بما في ذلك الدول العربية التي وقّعت اتفاقيات سلام منفردة مع اسرائيل، لم يستطع حتى الآن التنكّر لحقوق اللاجئين الأصيلة في العودة واستعادة الممتلكات والتعويض. ومن جهة ثالثة، رغم تنكّرها لحقوقهم، بقيت قضية اللاجئين تشكّل الأرق الأكبر لاسرائيل منذ إنشائها. وغني عن القول هنا، أنّ سائر الأحزاب الاسرائيلية بما فيها اليسارية لا تفرّق ما بين ممارسة اللاجئين لحقهم في العودة وإزالة اسرائيل عن الوجود. وعليه، من الصحيح الانطلاق من المقولة الفلسطينية بأنّ قضية اللاجئين كانت ولا تزال تشكل عنوان القضية وجوهرها. في المقابل، من الصحيح الإفتراض أنّ المنخرطين في إعادة ترتيب المنطقة وهم كثر، يدركون أن أيّة ترتيبات للمنطقة يجب أن تشمل قضية فلسطين، كما ويدركون أن أيّة تسوية لن تمرّ أو على الأقل لن تكون دائمة (ناهيك عن مدى عدالتها)، بدون إنصاف اللاجئين. يشكل هذان المنطلقان أساسا يعتمده المقال لقراءة عملية تدمير المخيمات، وتفكيك ثقلها السياسي.

تدمير المخيمات في السياسة الاسرائيلية

من أبرز دعاوى اسرائيل في خضم حملاتها التحريضية المتواصلة على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، أن الأخيرة سبب رئيس في عدم اندماج اللاجئين الفلسطينين، وبالتالي في إطالة عمر قضيتهم ومعاناتهم. في الجوهر، ترتبط حملات اسرائيل ضد الأونروا وغيرها من الوكالات الدولية الناشطة في مجال اسناد حقوق اللاجئين، بهدف اسرائيل المتمثل في القضاء على حق وامكانية العودة. ضمن هذا السياق، طالما حرضت اسرائيل ضد بقاء وجود المخيمات كتجمعات خاصة باللاجئين التي انشأتها الأونروا ولا تزال تديرها. فقد تكررت عمليات تدمير المخيمات في الحروب والحملات العسكرية التي شنتها اسرائيل بعد انشائها. من الامثلة على ذلك:

  • المواظبة على مهاجمة مخيمات قطاع غزة في خضم المواجهة مع مصر في منتصف الخمسينيات، ومن ثم مع المقاومة الفلسطينية بعد احتلال عام 1967، وتدمير جزء كبير منها، وتهجير أعداد كبيرة من ساكنيها كما وقع في مخيم البريج في مطلع السبعينيات، ومخيم رفح في 2003، والحروب المتكررة على القطاع منذ حصاره في العام 2006.
  • تهجير مخيم النويعمة وازالته في العام 1967،
  •  استهداف مخيم عين السلطان وتهجير قرابة 32 الف من اصل 35 الف في العام 1967، ومن ثم تدمير المنازل غير المأهولة في العام 1985،
  • استهداف مخيم عقبة جبر في حرب 1967 ما أدّى الى تقلص مساحته الى أكثر من النصف، وتراجع عدد ساكنيه الى أقل من الثلث. 
  • تدمير مخيم النبطية بغارات إسرائيلية متواصلة ادت الى تدميره بالكامل عام 1973. 
  • تدمير اجزاء كبيرة من مخيمات لبنان وتهجير اعداد كبيرة من لاجئيها خلال الاعتداءات والاجتياحات للبنان قبل وخلال احتلال جنوبه وبعد ذلك. 


وخلال فرضها للنظام العسكري المباشر على الأرض المحتلة عام 1967، ومن خلال ما يسمى الإدارة المدنية (بالحقيقية الادارة العسكرية الاسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967)، لم تخفِ اسرائيل مخططها الهادف الى تفكيك المخيمات وتحويلها الى أحياء مدينية (ملحقة بالبلديات كأحياء ضمن مدن الضفة الغربية وقطاع غزة). فمجرّد وجود المخيمات، بصرف النظر عن حجمها وموقعها، لا يزال وجودها حتى اليوم يؤرق اسرائيل باعتباره أثر مباشر لا يمكن إنكاره على جريمة مستمرة منذ النكبة.

تدمير المخيمات في الصراعات العربية

لم تنجُ المخيمات الفلسطينية من التدمير والاستهداف خلال الصراعات العربية الداخلية، أو في خضم مواجهات الدول مع (م.ت.ف) وغيرها. وغني عن القول، أنّ قائمة استهداف المخيمات ومراكز التجمع الفلسطينية طويلة. تشمل القائمة العديد من البلدان العربية سواء التي وجدت فيها مخيمات فلسطينية مثل الأردن (الصراع مع م.ت.ف في نهاية الستينيات وأيلول الأسوَد في مطلع السبعينيات)، لبنان حصار المخيمات في الخمسينيات والستينيات، والحرب الاهلية (1975-1990) ومن ثم تدمير نهر البارد 2007 والحصار الحالي، سوريا (2011-حتى الان)، أو البلدان العربية التي وجد فيها تركيز فلسطيني (تجمعات لجوء فلسطيني في غير المخيمات الرسمية)، كما في الكويت (1991)، والعراق (2003 وحتى الان) وليبيا (1993-1994) وما بعد الاطاحة بالرئيس القذافي (2011).

الملاحظ أنّ تدمير المخيمات أو استهداف التركيز الفلسطني في الدول العربية كان ولا يزال يرتبط بشكل ما بمشروع سياسي يمس بالحقوق الفلسطينية الوطنية، أو بتصفية مقاومة الشعب الفلسطيني، أو تنفيذاً لمصالح فؤية تتعارض في المحصلة مع منطق التحرر والانعتاق من الهيمنة الغربية. وبهذا، يكون من المنطق الاستنتاج أنّ استهداف المخيمات والتجمعات الفلسطينية في مختلف المناطق والدول، وباختلاف المراحل، وسواء كان ذلك على يد اسرائيل، أو على يد غيرها من الدول والأطراف، كان دائما يهدف الى تدمير مراكز الثقل السياسي من خلال تدمير مراكز الثقل الديمغرافي الحاضنة للفلسطينيين بما يخرجها من دائرة التأثير في صناعة القرار الوطني أو الثوري التحرري.

المخيمات في الأجندة الدولية وعلى طاولة المفاوضات

إنّ اعتراف الامم المتحدة بتحملها جزء من المسؤولية جراء النكبة (1947-1949) وآثارها التالية، لم تترجمه الدول خصوصاً المتنفذة في القرار الدولي في إرادة سياسية وفعل حقيقي. على العكس من ذلك، ظلّت ضخامة قضية اللاجئين الفلسطينيين تشكل عاملاً ضاغطاً غير مرغوب فيه على صنّاع القرار الدولي. وقد تبدّى ذلك في أمرين: الأوّل، تجنّب الدول المتنفذة ترجمة مشاريعها بشأن إدماج اللاجئين، أو إعادة توطينهم الى قرارات دولية (باسم الشرعية الدولية). أمّا الأمر الثّاني، فتمثّل في استمرار تغذية صندوق وكالة الغوث الدولية المكلفة باغاثة اللاجئين وإدارة المخيمات. هذان المظهران لم يشكّلا التزاماً فعلياً بالقانون الدولي وحقوق اللاجئين من جانب الدول، بقدر ما كانا يمثّلان تعاطياً مع أمر واقع؛ وبالتالي لم يمنعا دولاً مثل الولايات المتحدة، من السعي الى حل مشكلة اللاجئين خارج نطاق "اسرائيل" وباعتبارها قضية إنسانية محض. يعكس هذا الموقف السياسات الفعلية للدول المتنفذة، والتي يتم المجاهرة بها منذ انطلاق عملية سلام اوسلو؛ أي حل قضية اللاجئين بالإدماج، وإعادة التوطين والتعويض، وتقليص خدمات الأونروا عبر عدم تمويلها أو اتباع سياسة التمويل المشروط.

وبعيداً عن السرد التاريخي، يكفي الوقوف على مقترح وزير الخارجية الامريكية كيري خلال جولة مفاوضات الاشهر التسعة (2013-2014) لاستكشاف تجليات تلك المواقف. كان كيري قد دعا في مقترحه الى توطين عدد محدود من اللاجئين الفلسطينيين في النقب، على أساس مبدأي تبادل السكان والأرض، وتعويض يهود الدول العربية، مقابل التنازل عن حق العودة. تنطوي هذه السياسات والمواقف في تفاصيلها على حيثيات اخرى كثيرة لا متسع لتناولها، ولكن في قراءة جوهرها فانها تعكس السعي لتصفية أركان عدالة القضية الفلسطينية التاريخية، والسياسية، والقانونية، والاخلاقية. ولعله من نافل القول أن تحقيق ذلك يستدعي بالضرورة تفكيك الثقل الديموغرافي للاجئين، والذي يتجسد أكثر ما يتجسد في استمرار وجود مخيمات وتجمعات تركيز للاجئين؛ لما تمثله من ثقل سياسي يحول دون تجاوز القانون الدولي ومبادئ العدالة. وتزداد أهمية هذا الامر، كلما كان الثقل الديموغرافي يمثل ثقلاً سياسياً وازناً ومعارضاً للتسوية بالمقاييس الغربية والاسرائيلية، كما هو الحال في سوريا ولبنان.

تدمير مخيمات الفلسطينيين في سورية

لقراءة أثر تدمير المخيمات الفلسطينية في سورية سياسيا، لا بد هنا من النظر الى الحالة ضمن إطارها الاوسع، والذي يقتضي التأكيد على أنه:

أوّلاً: لا يمكن النظر الى ما يجري في سورية بمعزل عن كل ما يجري في المنطقة من تفتيت وشرذمة وتدمير للمقدرات... بإسم "الربيع العربي-الفوضى الخلاقة بناء شرق أوسط جديد". فما يجري في المنطقة صراع دولي بامتياز يندرج ضمن إعادة رسم المنطقة ومناطق النفوذ والهيمنة العالميتين. ولانجاز ذلك، على اي طرف كان أن يدرج الرقم الفلسطيني في حساب المعادلة.

ثانياً: لا يمكن فهم ما يجري في المنطقة بدون تتبع آثاره السلبية المدمرة استرايتجياً على القضية الفلسطينية برمتها، ومشروع إطالة عمر الهيمنة الاستعمارية وأحد أهم ادواتها اسرائيل. فالترتيبات سواء نتجت بقوة النار الفعلية أو بتسويات سياسية تحظى بالأوّلية على جزئية القضية الفلسطينية، ولا تستند الى عدالة القضية، بل تعتمد على موازين القوى الفعلية، التي يفتقدها الفلسطينون. 

ثالثاً: لا يمكن النظر الى استهداف المخيمات والتجمعات الفلسطينية في أكثر من دولة على أنّه أحداث عرضية منفصلة عن بعضها البعض، أو أنّها وقائع على غير صلة بمشروع التسوية حتى وان كان متعثراً أو مجمّداً. يترتب على هذا أن التسوية جارية ليس في ظل انعدام التأثير الفلسطيني على مخرجاتها وحسب، بل وفي ظل عملية تجريد للفسطينيين من القدرة على التأثير في مخرجاتها.

شكّل الموقف السوري الرسمي خلال ومن عملية التفاوض بشأن الجولان، والقضية الفلسطينية أحد العقبات الأساسية أمام إنجاز التسوية بالمقاييس الاستعمارية. فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية، وتدمير ومن ثم احتلال العراق، واعتراف م.ت.ف باسرائيل، كان المتوقع إنجاز هكذا تسوية سريعاً ولكن الموقف الرسمي السوري الذي انعكس على مساري لبنان وفلسطين جزئياً حال دون ذلك. من هنا، قد يكون تفكيك مخيمات وتجمعات الفلسطينيين في سورية سحباً لورقة قوة في يد النظام طالما استخدمها، أو تدميراً لمصدر قوة فلسطينية يرفض التسوية بالمقاييس الاستعمارية، أو كلاهما معاً. في المحصّلة، هو تطويع للمنطقة لقبول ترتيبات الهيمنة الجديدة.

لاجئو سورية وليس اليرموك فقط!

رغم ضخامة كارثة مخيم اليرموك، ورمزيته، إلّا أنّه من الضروري التأكيد على أنّ التدمير طال سائر المخيمات الفلسطينية في سورية، وليس اليرموك وحده. فبحسب الأونروا فإنّ معظم المخيمات والتجمعات الفلسطينية تعرّضت أو تتعرض لاشتباكات مسلحة، وشهدت تهجيراً للفسطينيين. والملاحظ أنّ نسبة التهجير ما بين الفلسطينيين سواء الى داخل سورية أو الى خارجها، قد وصلت الى 63%، وهي بالمقارنة، تزيد على نسبة تهجير السوريين أنفسهم. وقد حظي اليرموك، بالنظر الى وزنه الديمغرافي والسياسي، وتاريخه، ورمزيته، وموقعه في العاصمة دمشق، واحتضانه لقوى وفصائل فلسطينية، باهتمام إعلامي وسياسي أكبر من مخيمات وتجمعات إخرى تمّ تدميرها وتهجيرها مثل درعا، وخان الشيح، وخان دنون، والرمل، وجرمانا وغيرها. وبلا شك، فإنّ هذا الاهتمام له ما يبرره.

اليرموك كمخيم فلسطيني (وهو ليس مخيماً رسمياً بحسب تعريف الأونروا)، لعب دوراً مركزياً في مختلف مراحل الثورة الفلسطينية، سواء في مرحلة المقاومة، أو في ظل التسوية. ليس المطلوب هنا رصد السيرة الذاتية لليرموك عبر مراحل الصراع، وما مثّله، إنّما يلزم التأكيد على أن ثقله الديمغرافي-السياسي جعل منه قلعة في الصمود والمقاومة، أو جبهة للرفض في التسوية. فقد يختلف الفلسطينيون فيما اذا كان يمثل اليرموك العاصمة السياسية تبعاً للمواقف السياسية من النظام نفسه، إلّا أنّهم لا يختلِفون على أنّه ظَلّ يُشكّل ميزان قياس صمود الفلسطينيين في الشتات وإصرارهم على العودة من جهة، ومحور أو ضابط التوازن ما بين التيارات الفلسطينية من جهة اخرى. وهذا الدور بقي ثابتاً، سواء خلال فترات علاقة تحالف القوى الفلسطينية مع النظام، أو علاقة التصادم، أو العلاقات الفاترة منذ اوسلو. فحتى بافتراض هيمنة النظام على موقف وقوى اليرموك، وبالتالي لاجئي سوريا والشتات عموماً، بقي ثقله حاضراً؛ إذ لا مجال لانجاز تسوية نهائية (أو فرض حل بالأمر الواقع) يرفضها لاجئو وفصائل سورية. فبإدراك كل الأطراف السياسية، بما فيها الولايات المتحدة، واسرائيل والفلسطينيون، هكذا تسوية، أن وقعت، لن تكون أكثر من اتفاق مؤقت ضمن مسارات إدارة الصراع وليس حله. وبالتالي، يبقى الخيار إمّا نيل موافقة هذه الجبهة أو تحطيم قدرتها على الرفض أو الفعل. 

خلاصة

بتدقيق خارطة التهجير الداخلي للاجئين الفلسطينيين سواء في داخل دول الشتات العربية، أو الى خارجها، يمكن القول أن أحد آثار هذا التهجير – إن لم يكن أحد أهدافه - هو تفكيك الثقل الديموغرافي للاجئين وخصوصاً في سورية، والذي طالما كان يمثل ثقلاً سياسياً وازناً على مدار سني النكبة. فناهيك عن الآثار الإنسانية الكارثية التي تلحق باللاجئين الفلسطينيين المهجرين، يبقى الاثر/الهدف السياسي للتفكيك هو الاشد خطورة على قضية وحقوق اللاجئين ومسارات التسوية في المنطقة. إنّ تفكيك ثقل لاجئي سورية لا ينفصل عن إغلاق الحدود الاردنية واللبنيانة أمامهم، ولا عن "تمريرهم" عبر تركيا الى أوروبا وغيرها في سفن الموت أو عبر الحدود الى مصير مجهول، ولا عن الحروب على قطاع غزة، ولا حمّى خلق ظروف لتفجير مخيمات لبنان وتهجير سكانها خصوصاً من الأجيال الشابة، ولا عن تهجير الفلسطينيين من العراق وغيره. إنّ استهداف المخيمات والتجمعات الفلسطينية، في مواطن شتاتهم الممتد والمتمركز منذ 67 عاماً، هو استهداف لقرارهم السياسي المتمسك بحقوقهم. يصبح هذا الاستهداف أكثر من ضرورة في ظل اندفاع القوى الاستعمارية لاعادة ترتيب المنطقة بما ينسجم مع إدامة الهيمنة.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

*نضال العزة: مدير مركز بديل، ومدرس القانون الدولي للاجئين في جامعة القدس.