النكبة وقرار التقسيم

بقلم: هاني المصري*

منذ صدور قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني 1947، ووقوع النكبة بعده بأقل من عام واحد بتجسيد إعلان قيام إسرائيل على حساب وأنقاض وتشريد أجزاء واسعة من الشعب الفلسطيني؛ دار جدل واسع بين الفلسطينيين والعرب حول ما الأجدى: قبول قرار التقسيم بالرغم من كل ما انطوى عليه من ظلم وإجحاف بحق الفلسطينيين على أساس أن "شيئًا أفضل من لا شيء"، وأنه "ليس بالإمكان أفضل مما كان"، وأن قبوله هو الممكن في ظل موازين القوى والمعطيات التي كانت قائمة آنذاك. غير أن قرار التقسيم لم يدم يوماً واحداً عقب صدوره بسبب ما قامت به العصابات الصهيونية من عمليات تطهير عرقي وإبادة جماعية، إذ استولت على أكبر مساحة ممكنة من الأرض فيما يتجاوز ما حدد لها في القرار. أم رفضه لأنه أعطى الدولة اليهودية 56.5% من مساحة فلسطين بالرغم من أن عدد اليهود كان في تلك الفترة 614 ألف، بينما كان عدد الفلسطينيين في وطنهم فلسطين مليون و363 ألف، وفي ظل  كل أشكال الترغيب والتشجيع والامتيازات وتعاون ومساعدة بريطانيا دولة الانتداب صاحبة "وعد بلفور" المشؤوم الذي أعطى فيه "من لا يملك لمن لا يستحق"، وبالرغم من المجازر والاعتقالات وهدم المنازل والإعدامات وكل أشكال الترويع والترهيب. 

معظم الفلسطينيين والعرب رفضوا قرار التقسيم لأنه ظالم وأجحف بالحقوق الفلسطينية وبالشعب الفلسطيني صاحب البلاد الأصلي وقبوله كان يعني قبولًا بالهزيمة، لكن هذا الرفض لم يكن هو السبب بعدم قيام الدولة العربية كما يروج أنصار الموافقة على هذا القرار، الذي نص على قيامها على حوالي 43% من مساحة فلسطين على أن تكون النسبة المتبقية البالغة 0.65% منطقة دولية تشمل القدس وما حولها. فالذي منع قيام الدولة العربية العصابات الصهيونية المسلحة وبتواطؤ ودعم من دولة الانتداب، متذرعة بالرفض الفلسطيني والعربي، ومستفيدة من التخاذل والضعف الرسمي العربي، الذي وصل إلى حد أن الجيوش العربية التي جاءت لإنقاذ فلسطين كانت عددًا وعدة أقل بشكل ملموس من عدد العناصر المسلحة في العصابات الصهيونية "الهاجاناه" و"شتيرن" وغيرهما. 

ومع ذلك استمر الجدل الفلسطيني والعربي بين موافق ومعارض لقرار التقسيم منذ صدوره وحتى الآن، لدرجة وصلت إلى أن قطاعات سياسية وشعبية واسعة اقتنعت بعد اندلاع الثورة الفلسطينية المعاصرة، وبعد حوالي عشر سنوات على تأسيس منظمة التحرير؛ بأن رفض قرار التقسيم خطأ ساهم في ضياع الحق الفلسطيني، وهذه القناعة كانت من ضمن العوامل التي أدت إلى تغيير برنامج العودة والتحرير الكامل ليغدو برنامج الدولة عن طريق المفاوضات، وبدأت هذه العملية منذ العام 1974 بإقرار برنامج "النقاط العشر" أو ما يعرف ببرنامج "السلطة الوطنية" على أي جزء يتم تحريره، وتطور إلى برنامج "العودة والدولة" عن طريق الكفاح واستخدام جميع أشكال النضال والعمل السياسي، وانتهى إلى برنامج "الدولة" عن طريق المفاوضات و"إثبات الجدارة وبناء المؤسسات" مع "الحل المتفق عليه" لقضية اللاجئين وتبادل الأراضي.

إن التجربة أكبر برهان كما يقول المثل، وأثبتت أن سياسة "إنقاذ ما يمكن إنقاذه" لم تؤد إلى إنقاذ أي شيء، بل أدت إلى نتائج وخيمة لا تقارن بالنتائج التي انتهى إليها برنامج التحرير الكامل رغم عدم تحقيق الحقوق والأهداف الفلسطينية في الحالتين.

سياسة "الاعتدال" والمفاوضات الثنائية ووقف المقاومة والاعتراف بإسرائيل والتنسيق الأمني والتبعية الاقتصادية؛ لم تؤد إلى "اعتدال" إسرائيل وموافقتها على قيام دولة فلسطينية على 22% من فلسطين، لأن التنازلات فتحت شهية إسرائيل على طلب المزيد من التنازلات، بعد أن كانت تروج للعالم كله منذ تأسيسها وحتى توقيع "اتفاق أوسلو" بأنها تمد يدها للسلام، بينما العرب يرفضون ومصرّون على إبادتها وإلقائها في البحر، فانكشفت حقيقة إسرائيل بأنها لا تريد أي تسوية مع الفلسطينيين تحقق دولة فلسطينية على حدود 67، أو حتى الحد الأدنى من حقوقهم.

بعد موافقة الفلسطينيين على إقامة دولة فلسطينية على الأرض المحتلة العام 1967 واعترافهم بإسرائيل على 78% من أرض فلسطين التاريخية؛ أصبحت إسرائيل تفاوضهم على اقتسام الضفة الغربية، بحيث تريد في أحسن الأحوال والعروض الاحتفاظ بالقدس، بما فيها القدس الشرقية المحتلة العام 1967، كعاصمة أبدية موحدة لإسرائيل، ورفض الانسحاب إلى حدود 67، وضم "الكتل الاستيطانية الكبرى"، وضم الأغوار أو السيطرة عليها، إضافة إلى ضم أو السيطرة على مناطق حيوية وإستراتيجية تحت مسميات دينية واقتصادية وعسكرية وأمنية وتاريخية.

وهكذا كان سيحصل لو وافق الفلسطينيون والعرب على تقسيم وطنهم وفقا لقرار التقسيم، أي أن موافقتهم كانت ستوظف لإظهار أن اليهود كانوا على حق، وستدعم روايتهم التاريخية بأن فلسطين "أرض المعياد" والوطن القومي لليهود، ما سيعني لو تمت الموافقة الفلسطينية على التقسيم بأن قضية فلسطين كانت قد انتهت منذ ذلك الوقت، ولكان الشعب الفلسطيني توطّن في أماكن اللجوء واندثر وذاب معه حقه التاريخي وتراثه ونضاله وثقافته وهويته الوطنية. 

عزاؤنا الوحيد رغم كل الخسائر والنكبات والمعاناة أن قضية فلسطين ما زالت حية، ويمكن إنقاذها إذا تم استخلاص الدروس والعبر من التجارب السابقة، وأهمها أن الكفاح لتحقيق ما هو ممكن في كل مرحلة لا يتناقض، بل يتطلب معرفة الحقائق وميزان القوى والتعامل معه من أجل تغييره لا تكريسه ولا القفز المغامر عنه، والحفاظ على الحقوق الطبيعية والتاريخية، والتمسك بأوراق القوة والضغط والعمل على زيادتها باستمرار، بحيث نربط ما بين الماضي ونستلهم دروسه وعِبَره، وننطلق من الحاضر نحو المستقبل الذي ننشده.  

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
*هاني المصري: كاتب صحافي، ومحلل سياسي فلسطيني، مدير عام المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية-مسارات