حديث المعدومين

الطفلة مرح بكير(16 عاما) من بلدة بيت حنينا بالقدس، ومحاولة إعدامها على يد الشرطة والمستعمرين، تشرين الأول 2015 (المصدر: arab48.com) الطفلة مرح بكير(16 عاما) من بلدة بيت حنينا بالقدس، ومحاولة إعدامها على يد الشرطة والمستعمرين، تشرين الأول 2015 (المصدر: arab48.com)

بقلم عيسى قراقع*
 
اطلق الجنود الاسرائيليون رصاصة على قدمي، وقعت على الارض، احاط بي المستوطنون ورقصوا حولي، هتفوا: اقتلوه...اقتلوه، الموت للعرب!

 توقعت أن تصل سيارة إسعاف وان يتم نقلي للعلاج بعد ان اصبحت غير قادر على الوقوف والحركة، أنزف الدماء. وفجأة استجاب احد الجنود للهتاف، واقترب مني، ومن مسافة صفر اطلق الرصاص بغزارة على رأسي وصدري حتى سقطت شهيداً وسط الابتهاج الهستيري والاحتفال بموتي.
 
انا الشهيدة هديل الهشلمون، قتلوني عندما حاولت عبور الحاجز العسكري للدخول الى البلدة القديمة في الخليل يوم 22/9/2015. أوقفني الجنود، لا شيء معي، أرادوا ان أخلع النقاب فرفضت، ودون نقاش اطلقوا عليَّ عشر رصاصات وعن مسافة 3 امتار، سبعة منها في الجزء العلوي من جسمي، وثلاثة في الجزء السفلي، أعدموني واقفةً مندهشةً مطرزةً بالرصاص والموت.

القتل من اجل القتل، القتل العمد وبدون اسباب، لمجرد الاشتباه او عدم الاشتباه، القتل دون تمييز على نساء ورجال واطفال، الضغط السهل على الزناد، القتل حتى لو لم يكن هناك خطراً على الجنود ، فكل جندي على هذا الحاجز او ذاك صار محكمة وجلاد في آن واحد، هناك نزعة انتقام ومقصلة متحركة تلاحق الفلسطينيين.
 
انا الشهيد محمد عطا ابو لطيفة، سكان مخيم قلنديا للاجئين، اعدمني جنود الاحتلال يوم 27/11/2015 من مسافة صفر، عندما لاحقوني والقوا القبض عليَّ مصاباً بثلاثة رصاصات أنزف الدماء، وقعت في إحدى زوايا المخيم في تلك الليلة الموحشة، اقترب جندي مني، اطلق الرصاص على صدري، توقعت انه سوف يكلبشني ويعتقلني، لكنه اعدمني في ذلك البرد الشديد.
 
القتل بدل الاعتقال، سياسة اسرائيلية ممنهجة، ووفق تعليمات اسرائيلية رسمية، استباحة للدماء، استجابة لقرار قائد شرطة لواء القدس (موسى إدري) الذي اصدره ويقضي بحكم القتل على اي فلسطيني حتى لو كان بالامكان تحييده او السيطرة عليه، واستجابة لقرار وزير الامن الداخلي (جلعاد اردان) الذي هدد ان كل فلسطيني لن ينجو من القتل سواء حمل مفكاً أو سكيناً أو حتى أصدر أي حركة معينة، فيجب اطلاق النار عليه وقتله.
 
انا الشهيد فادي علون، اعدموني يوم 4/10/2015 في القدس المحتلة، طوقني الجنود والشرطة والمستوطنون، وكانت هناك جوقة متطرفة تطالب وتحثّ على قتلي. رقصوا حولي مشهرين اسلحتهم، كان بإمكانهم القبض عليّ بسهولة، وقد استجابت الشرطة لنداء وهتاف المستوطنين المتطرفين، فأطلقوا النار عليّ وقتلوني دون رحمة، سبع رصاصات اطلقت عليّ، لم يكتفوا بواحدة، شنّوا حرباً على جسدي.
 
الاعدام الميداني التعسفي، القتل خارج نطاق القضاء والقانون، هي جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية ترتكبتها قوات الاحتلال بحق الفلسطينيين تحت حجج وذرائع واهية. سلطات الاحتلال جعلت من كل مسلح اسرائيلي محكمة متنقلة، تصدر قرار الاعدام الميداني بحق اي فلسطيني بمجرد الشك.
 
انا الشهيد طارق زياد النتشة، من سكان الخليل، أعدمني الجنود الاسرائيليون يوم 17/10/2015 عند مدخل شارع الشهداء في الخليل، تركوني أنزف الدماء بعد اصابتي ولمدة (40) دقيقة دون علاج او السماح لسيارات الاسعاف من الاقتراب مني، كنت حياً وصاحياً، وبقيت أنزف الدماء حتى سقطت شهيداً، ورأيت المستوطنين يوزعون الحلوى مبتهجين بموتي البطيء امامهم قطرة قطرة، حتى آخر شهقة صعدت مني.
 
هو تقديس الموت، غياب النزعة الاخلاقية والانسانية، التدني والفساد في كل المعايير والقيم القانونية والثقافية والانسانية في السلوك والفكر الاسرائيلي، الخوف والجزع والتطرف العنصري، وعدم رؤية الحياة، بل نمط حياة حربي تجاه كل شيء.
 
انا الشهيدة مهدية محمد ابراهيم حماد، سكان قرية سلواد قضاء رام الله، اعدمني جنود الاحتلال يوم 15/12/2015 على حاجز حوارة العسكري، وابل كالمطر من الرصاص اطلق على سيارتي التي اقودها على مدخل البلدة، ودون سابق انذار، وعن بعد 30 متراً قتلوني، وتركوني أتجرع الموت دون السماح لطواقم الاسعاف من الوصول والاقتراب، صارت مركبتي قبراً غارقا في الدماء.
 
القتلة تحولوا إلى ابطال اسرائيلين، تمجيداً للبربرية الاسرائيلية بعد ان فقد المجتمع الاسرائيلي احساسه الانساني، التعطش للدماء، قناصة مقنعون ينتشرون على الحواجز والمداخل يصطادون قتلاهم واهدافهم بدقة مميتة، والاكثر خطورة ان الضمير الثقافي لا يرتجف في اسرائيل امام مشاهد الاعدام المستمرة.
 
انا الشهيد عبد الله عزام شلالدة، سكان قرية سعير قضاء الخليل، اعدمتني وحدات المستعربين الاسرائيلية (فرق الموت) يوم 12/11/2015 بعد ان اقتحمت المستشفى الاهلي في الخليل، وداخل غرفة المستشفى اطلقوا عليّ خمس رصاصات قاتلة، تركوا جثتي مضرجة بالدماء واختطفوا ابن عمي الجريح عزام، كان فجراً دامياً وطويلاً وبلا نهار.
 
مؤسسات حقوق الانسان مصدومة مما يجري بحق الفلسطينيين، وقد اتهمت الحكومة الاسرائيلية بالتشجيع على الاعدام والاستهانة بحياة البشر، وأن عمليات الاعدام تأتي ضمن سياق الخطاب المتوافق لقادة اسرائيل واعضاء الكنيست الداعية الى قتل الفلسطينيين، والاكثر ان اتفاقيات جنيف مصدومة أيضاً من اغتيال احكامها ونصوصها التي تعتبر الاعدام خارج نطاق القضاء جرائم حرب وتدعو الى حماية السكان المدنيين.
 
انا الشهيدة الطفلة اشرقت طه قطاني 16 سنة، سكان مخيم عسكر قضاء نابلس، أعدمني جنود الاحتلال يوم 22/11/2015 على حاجز حوارة العسكري بعد ان قام رئيس المجلس الاستيطاني المدعو (غرشون مسيكا) بدهسي بسيارته، وبعد اصابتي بجروح خطيرة اطلق الجنود الرصاص عليّ ومن مسافة قريبة، وظلوا يطلقون الرصاص حتى تأكدوا من موتي.
 
إطلاق الرصاص على الاطفال، على الاجزاء العلوية من الجسد، استخدام اسلحة محظورة دولياً، رصاص روجر، رصاص الدمدم المتفجر ضد راشقي الحجارة، يسقط الاطفال كالفراشات، هناك صمت، هناك الطفلة هديل عواد تركض في شوارع القدس خائفة ان يصطادها الموت. وهناك الطفل احمد مناصرة يهشمون راسه علناً امام الكاميرا حتى تنفجر الصورة غضباً. وهناك دانيا ارشيد الطفلة التي لم تعد الى المدرسة بعد ان اعدمها الجنود على باب الصلاة في الحرم الابراهيمي الشريف.
 
أنا الشهيد الطفل عبد الرحمن عبيد الله، 13 سنة، سكان مخيم عايدة للاجئين، أعدمني قناص اسرائيلي بإطلاق رصاصة من نوع دمدم على قلبي، سقطت تحت علم الامم المتحدة المرفوع فوق مركز وكالة غوث اللاجئين، حقيبتي المدرسية وكتبي امتقعت بالدماء، شاهدت القناص واحتفظت بصورته في بؤبؤ عيني.
 
هي ثقافة الاشرار، والذين يدّعون انهم (نور للأغيار)، ويتبجحون بأن سلاحهم طاهر، وبأن جيشهم هو الاكثر أخلاقية في العالم، ويطلقون النار بعيداً وقريباً ليصلوا على أجسادنا الى حدودهم الموعودة، بل وأكثر، عندما يتغنون بتلك القصيدة العسكرية التي تقول أن دولة اسرائيل الشجاعة ستقام بين جدران القتلى، وعلى موسيقى اناشيد الحرب العالمية.
 
أنا الشهيد الطفل احمد موسى سعيد كميل، 16 سنة، من سكان قباطية قضاء جنين، تم اعدامي يوم 24/10/2015 على حاجز الجلمة العسكري، لقد تركوني مصاباً انزف الدماء فترة طويلة، كنت اتحرك يميناً وشمالاً حتى يدركوا انني ما زلت حياً وبحاجة الى علاج، ولكنهم ظلوا ينتظرون حتى خمدت حركتي وزهقت روحي.
 
لا أحد يستطيع أن يأمر الشعب الفلسطيني بالنسيان، فأي شعب يقدس الحياة ومتعطش لكل نقطة من الحياة الطبيعية عليه ان لا ينسى، فكم ينبغي ان يموت الفلسطيني؟ موت الجسد أم موت الذاكرة، وعلينا أن نوقظ الشهداء دائما حتى يبقى القتلة قلقون، عندما يأمرنا شهداؤنا بالحياة.
 
نحن الشهيدين محمد عقاب ابو ريم وسعيد جودة ابو الوفا، جرى إعدامنا على حاجز الحمراء العسكري يوم 9/1/2016، عندما امطر جنود الحاجز السيارة التي كنا نستقلها بوابل من الرصاص خلال انتظارنا لتلقي اشارة السماح لنا بالمرور لتوزيع المواد التموينية في منطقة الاغوار، وبعد اصابتنا بالرصاص قام مستوطنون بضربنا بقضبان حديدية وبالعصي أمام أنظار قوات الاحتلال حتى صعدت ارواحنا الى بارئها.
 
يقول البير كامو: ان الضحية تدخل عالم الموت بسرعة دون ان تعرف ما يحدث لها مهما كان ذعرها من العنف المميت الذي تعامل به، ان لحظة الرعب هذه محسوبة من لحظات الحياة، والضحية لا تفقد البتة على الارجح الامل في النجاة من الجنون الذي ينهار عليها.
 
انا الشهيدة العجوز ثروت ابراهيم سليمان الشعراوي 72 سنة، سكان الخليل، جرى اعدامي بطريقة استعراضية يوم 6/11/2015، عندما اطلق جنود الاحتلال 15 رصاصة على سيارتي التي اقودها في منطقة رأس الجورة بالخليل، لقد تدربوا جيدا على قتلي وحصلوا على نياشين وأوسمة.
 
يقول فقهاء القانون: القتل عن سابق تعمد أخطر من القتل في ساعة عنف مفاجئ، والحقيقة أن الاعدام يتوفر فيه سبق التعمد اكثر من اي جريمة أخرى، ولا يمكن ان يقارن بأي جرم ارتكبه مجرم، والاعدام الاسرائيلي يسبقه تعذيب يسمى تحريك دولاب الموت او شوي الروح.
 
انا الشهيد عبد الرحمن البرغوثي، سكان بلدة عابود قضاء رام الله، أعدمني جيش الاحتلال يوم 4/12/2015 على مدخل البلدة خلال توجهي لزيارة خطيبتي في قرية دير غسانة، وفي البداية تم اعتقالي وتوقيفي. رفعت يداي وترجلت من سيارتي، وفجأة اطلقت عليّ النيران بغزارة، سقطت على الارض، هرب الجنود الى معسكر قريب، بينما ظلت خطيبتي تنتظرني حتى عدت اليها شهيداً.
 
انا الشهيد عبد الفتاح الشريف من الخليل، تم إعدامي يوم 24/3/2016 من قبل أحد جنود الاحتلال في منطقة تل الرميدة وسط مدينة الخليل، بعد ان أُصبت بجروح ووقعت على الارض. قام أحد الجنود بإطلاق الرصاص على رأسي من مسافة صفر بعد أن صرخ أحد المستوطنين على الجنود قائلا (لم يمت اطلق الرصاص على الرأس).
 
الإعدامات الميدانية ليست ظاهرة جديدة، بل منهجاً مستمراً تقوم به حكومة الاحتلال وعصاباتها المُسلحة منذ النكبة حتى الآن، اعدامات جماعية ارتكبت بحق الفلسطينيين سجلها التاريخ الفلسطيني، منذ مذبحة دير ياسين حتى مذبحة الحرم الابراهيمي الشريف في الخليل، وصولا الى مذبحة وحرق عائلة دوابشة في قرية دوما في نابلس.
 
اسرائيل تحولت الى دولة اعدامات، اسست وجودها على الدم والقتل والتطهير العرقي، وقد وصفت في اكثر من 85 وثيقة صادرة عن الامم المتحدة ومؤسسات حقوق الانسان الدولية بانها دولة أبارتهايد. سلاحها ليس طاهراً كما تدعي بل مغمساً بدماء الفلسطينيين، مارست القتل الميداني بحق البشر والشجر وذاكرة المكان تهويداً واستيطاناً وقمعاً.
 
لم يتأكد الشهداء المعدُومون إن كان بإمكان القضاء الدولي أن يلاحق ويحاسب المجرمين، فهم لم يعودوا قادرين على المرافعة عن أنفسهم، لقد صاروا في الابدية، يتأملون من القاضي الدولي الذي يزعم أنه يبرهن على البراءة كما يبرهن على الاجرام أن يتوصل الى بعثهم من جديد.
 
حديث المعدومين يطول ويطول، فالموت مستمر في كل البلدات الفلسطينية، صوت الدماء والارواح تدوي على الارض وفي أعالي السماء، شهداء يسقطون ويسقطون، كتبوا وصاياهم على التراب وعلى الارصفة، ويتساءلون اين المحكمة الجنائية الدولية؟
 
 

حديث المعدومين
مطرا مطرا
على ارض النبوءات والحياة
لغة العائدين شهودا
على الجناية والجناة

 
 -------------------------------------
*عيسى قراقع: رئيس هيئة شؤون الاسرى والمحررين، عضو الجمعية العمومية لمركز بديل