المُهجـرون الفلسطينيـون في الداخـل: الحمـايـة الدولـيـة والحـلـول الدائـمـة

الفلسطينيون المهجرون في الداخل، هم من مجموعات الأشخاص المهجرين داخليا في الشرق الأوسط، التي غالباً ما يجري تجاهلها. وبعض هذا التجاهل ناجم عن صعوبة إدراك مفهوم التهجير في الداخل، في إطار الصراع الفلسطيني والعربي – الإسرائيلي المتجذر للسيطرة على الأرض والسيادة عليها.

وغالبا ما أدت الحروب والاحتلال العسكري في مجرى الصراع المستمر منذ أكثر من نصف قرن، إلى تغيير خطوط وقف إطلاق النار أو ما يسمى بالحدود، إذ لم يتم بعد، تثبيت حدود دولية معترف بها بين المجموعتين المتصارعتين، ومفاهيم مثل "أقلية فلسطينية" و" فلسطينيون مهجرون في الداخل" هي مفاهيم مرنة ومتغيرة، لا يمكن تطبيقها إلا بشكل براجماتي (عملي)، لوصف ظاهرة التهجير الداخلي في فترة زمنية معينة. استناداً إلى ما ذكر، لا بد أن يشمل التصنيف البرجماتي (العملي) للفلسطينيين المهجرين في الداخل في ظل الظروف الحالية ( ما بعد أوسلو ) أربع مجموعات رئيسة هي:
 

 
1.    مجموعة فلسطينيي 1948 المهجرين في الداخل: إن الجزء الأكبر من الفلسطينيين المهجرين في الداخل يقيمون في إسرائيل، وكانوا بالأصل قد هجروا وجردوا من بيوتهم وأراضيهم في حرب عام 1948. وتشير إسرائيل إلى هؤلاء المهجرين في الداخل على أنهم "الغائبون – الحاضرون"، أي أنهم حاضرون جسمياً ولكنهم غائبون فيما يتعلق ببيوتهم  وأراضيهم.

2.    مجموعة فلسطينيي ما بعد 1948 المهجرين في الداخل: وهي مجموعة ثانية أصغر من السابقة، تتكون من الفلسطينيين داخل إسرائيل الذين هجروا بعد عام 1948، بسبب الترانسفير (النقل) الداخلي، ومصادرة الأرض، وهدم البيوت. ويتكون قطاع واسع من هذه المجموعة من البدو.

3.    مجموعة فلسطينيي 1967 المهجرين في الداخل: وهي مجموعة ثالثة من الأشخاص الذين هجروا في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وفي قطاع غزة في حرب 1967. ولا يشمل ذلك لاجئي 1967 الفلسطينيين الذين يشار إليهم غالباً على أنهم "نازحو 1967"، بسبب وجود الضفة الغربية عند نزوحهم تحت الحكم الأردني, الأمر الذي يعني أنهم لم يعبروا "حدوداً دولية"، في بحثهم عن ملجأ لهم في الأردن.

4.    مجموعة فلسطينيي ما بعد 1967 المهجرين في الداخل: مجموعة رابعة من المهجرين الفلسطينيين في الداخل، وتشمل أولئك الفلسطينيين الذين هجروا داخل الضفة الغربية،  والقدس الشرقية وقطاع غزة بعد عام 1967، بسبب مصادرة أراضيهم وهدم بيوتهم، وإلغاء حقوق إقامتهم في القدس، وأشكال أخرى من الترانسفير (النقل) الداخلي. وتشمل هذه المجموعة عدداً كبيراً من المقدسين والبدو.

من الخصائص المميزة للفلسطينيين المهجرين في الداخل أسوة بالأشخاص المهجرين داخليا في أنحاء العالم، الافتقار إلى الحماية الوطنية والدولية. فإسرائيل قادرة على تقديم حماية وطنية شاملة للفلسطينيين المهجرين داخلياً في إسرائيل إلا أنها غير راغبة في ذلك.  والفلسطينيون المهجرون داخلياً في الأراضي المحتلة عام 1967 يفتقرون أيضاً إلى الحماية الوطنية، بفعل عدم وجود دولة ملزَمة بتوفير مثل هذه الحماية لهم. إذ ترفض إسرائيل وهي القوة المحتلة، أن تنصاع لالتزاماتها بموجب معاهدة جنيف الرابعة، وأن توفر الحماية للسكان المدنيين. وأما سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية، وهي كيان بلا سيادة، أنشئ في التسعينيات بموجب عملية أوسلو السياسية، فإنها لم تكن قادرة على توفير حماية كاملة للسكان المدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن بينهم الأشخاص المدنيين المهجرين في الداخل. ومنذ انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الثانية في أيلول (سبتمبر) عام 2000، تعرضت السلطة لهجمات قاسية من جانب القوات العسكرية الإحتلالية الإسرائيلية، وأصبحت وكأنها غير موجودة عملياً. وتستمر  الممارسات الإسرائيلية في إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بما في ذلك مصادرة الأراضي، وهدم البيوت، وإلغاء حقوق الإقامة والمواطنة، والإغلاق العسكري، مما يؤدي إلى استمرار توليد التهجير الداخلي.

إن عدم رغبة إسرائيل في توفير الحماية للمهجرين، وعدم توفر إرادة سياسية دولية لتفعيل دور لجنة التوفيق الدولية المفوضة بحماية اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين، وعدم وجود سلطة وطنية قادرة على توفير الحماية اللازمة، يؤدي عمليا الى استمرار تفاقم المعاناة وتوليد حالات تهجير جديدة.

لهذه الأسباب يعاني الفلسطينيون المهجرون في الداخل من أشكال متعددة من التهميش فيما يتعلق بالحماية الوطنية والدولية. وكما هو الحال بالنسبة للأشخاص المهجرين داخليا في أنحاء العالم، يعاني المهجرون الفلسطينيون من تهميش عام، بسبب القصورات في التركيبة المؤسساتية والإطار القانوني للحماية الدولية الخاصة بالأشخاص المهجرين في الداخل. كما يتعرض الفلسطينيون المهجرون داخليا في إسرائيل، لتهميش إضافي باعتبارهم أعضاء في أقلية قومية عرقية غير يهودية. ويتعرض الفلسطينيون المهجرون داخليا في الأراضي المحتلة عام 1967 أيضا،ً لتهميش إضافي من جانب احتلال إسرائيل غير الشرعي، ومن عدم وجود دولة ملزَمة وقادرة على توفير الحماية لهم وترغب في أن تقوم بذلك.  لقد جرى تهميش الفلسطينيين المهجرين في الداخل عموماً، بسبب استثناء قضيتهم من عملية أوسلو السياسية. وبخلاف معظم اتفاقيات السلام الأخرى، فإن اتفاقيات أوسلو لا تشمل بنوداً تتعلق بحلول دائمة للأشخاص المهجرين في الداخل.

حماية الأشخاص المهجرين في الداخل أثناء فترة تهجيرهم:


تحدد المبادئ التوجيهية الخاصة بالتهجير الداخلي، مجموعة من المبادئ العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان الخاصة بالأشخاص المهجرين في الداخل أثناء فترة تهجيرهم. فالتمييز ضد الأشخاص المهجرين داخليا محرم بشدة. فقد حرم المبدأ الأول التمييز على أساس كون الأشخاص مهجرين في الداخل. والمبدأ الرابع يشمل تحريماً أوسع للتمييز على أساس العنصر أو الجنس أو اللغة أو الدين أو المعتقد أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل الوطني أو العرقي أو الاجتماعي، أو القانوني، أو العمر أو الإعاقة، أو الملكية أو المولد أو أية معايير أخرى مماثلة.

يقوم التمييز ضد الفلسطينيين في إسرائيل ومن بينهم المهجرين في الداخل، على أسس من القومية والعرق والدين أساساً. فالمواقف والممارسات الاجتماعية والقوانين التمييزية تضرب جذورها في التعريف الذي تقدمه إسرائيل لنفسها باعتبارها "دولة يهودية". كما يتعرض الفلسطينيون في الأراضي المحتلة عام 1967، ومن بينهم الأشخاص المهجرون في الداخل أيضاً للتمييز، بسبب أصلهم القومي والعرقي والديني. ويتصف احتلال إسرائيل غير القانوني بالتمييز الصريح ما بين المستعمرين اليهود (المستوطنين)، المقيمين في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية وفي قطاع غزة، وبين السكان الفلسطينيين الأصليين.

إضافة إلى التحريم العام للتمييز، فإن المبادئ التوجيهية تشمل أيضاً مبادئ خاصة بحماية حقوق لإنسان الأساسية (المبادئ 10–23)،كالحق في الحياة والسلامة الجسدية وصون الكرامة  والحرية في التنقل واختيار مكان السكن والحق في الرعاية العائلية وتوفير العناية الطبية وظروف معيشية مناسبة وغيرها.

الحق في حرية التنقل واختيار مكان السكن، الحق في احترام الحياة العائلية، الحق في مستوى معيشة مناسب بما في ذلك الصحة والتعليم، وتحريم الحرمان التعسفي من الملكية، هي كلها حقوق ذات علاقة خاصة بالفلسطينيين المهجرين داخلياً في إسرائيل.

لعل من أكثر الانتهاكات انتشارا للمبادئ العالمية الخاصة بحماية الأشخاص المهجرين في الداخل أثناء التهجير، كما حددتها المبادئ التوجيهية، هو انتهاك تحريم الحرمان التعسفي من الملكية. فقد جرى تدمير البيوت التي هجرت مؤقتاً أثناء حرب 1948، في القرى أساساً، لمنع عودة الفلسطينيين المهجرين في الداخل. وكما هو الأمر بالنسبة للفلسطينيين المهجرين داخليا في إسرائيل،  يتعرض الفلسطينيون في المناطق المستهدفة لغايات الاستعمار اليهودي أو الواقعة في "المناطق الحدودية" بشكل خاص للتجريد التعسفي من ممتلكاتهم. ويقدر بأن إسرائيل قامت في أعقاب حرب 1967 مباشرة، بمصادرة حوالي 400 كيلومتر مربع من الأرض من الفلسطينيين المهجرين في الداخل واللاجئين.

الحمايــة والحلــول الدائمـــة


تشمل المبادئ التوجيهية أيضاً، مجموعة من المبادئ العالمية التي تحكم توفير الحماية من التهجير والتدابير القانونية لمعالجته.

الأفراد محميون من التهجير التعسفي من بيوتهم أو أماكن إقامتهم المعتادة. ويعتبر التهجير تعسفياً عندما يستند إلى سياسات أبارتها يد، أو تطهير عرقي، أم ممارسات مماثلة تهدف أو تؤدي إلى تغيير التكوين العرقي أو الديني أو العنصري للسكان المتأثرين به، وفي الحالات التي تقام فيها مشاريع تطوير على نطاق واسع، لا تبررها مصالح عامة اضطرارية وقاهرة، وعندما يُستخدم عقوبة جماعية. ويشمل التهجير التعسفي التهجير في أوضاع الصراع المسلح، إلا إذا تطلب ذلك أمن المدنيين المشمولين أو أسباب عسكرية ملحة. المبدأ (6/2). (ترجمة غير رسمية).

لقد جرى تهجير معظم الفلسطينيين المهجرين في الداخل أثناء الصراع المسلح والحرب عام 1948، عبر هجمات استهدفت مدنيين، والطرد، والمذابح، والنهب، وتدمير الممتلكات بدون حاجة حربية لذلك. فقد تم تهجير ما يقارب 80% من الأشخاص المهجرين في الداخل واللاجئين في هجمات عسكرية.

يُمنح الأفراد ضمانات إضافية ضد التهجير، في أوضاع أخرى غير حالات الطوارئ أثناء الصراعات المسلحة والكوارث، وتشمل هذه الضمانات الحصول على الموافقة الحرة والمبنية على المعرفة، للذين سيجري تهجيرهم، وحقهم في إجراء قانوني فعال، بما في ذلك قيام سلطات قضائية مناسبة بمراجعة القرارات التي أدت إلى التهجير (المبدأ 7/3). (ترجمة غير رسمية).

وبالنسبة للالتماسات القانونية التي يقدمها فلسطينيون مهجرون فإنه يتم النظر في أغلبها من قبل لجان الاعتراض العسكرية الخاصة، التي شكلتها "الإدارة المدنية" بموجب الأمر العسكري رقم 172. وتعمل في هذه اللجان وتديرها السلطات العسكرية نفسها التي تصدر أوامر المصادرة.

الدول ملزمة بحماية السكان الأصليين والأقليات والفلاحين والرعاة ومجموعات أخرى تعتمد بشكل خاص على أراضيها ومرتبطة بها، من التهجير. (المبدأ 9).

يقع على عاتق السلطات المختصة الواجب الأساس والمسؤولية في تهيئة الظروف وتوفير الوسائل أيضاً، بما يسمح للأشخاص المهجرين في الداخل بالعودة الطوعية بسلام وكرامة إلى بيوتهم أو أماكن إقامتهم المعتادة، أو الاستقرار من جديد طوعاً في جزء آخر من البلاد (المبدأ 28). (ترجمة غير رسمية).

كما أنه ينبغي ألا يطول التهجير أكثر مما تتطلب الظروف (المبدأ 6/3). ويقع على عاتق السلطات المختصة واجب ومسؤولية مساعدة الأشخاص المهجرين في الداخل العائدين و/أو المتوطنين ثانية في مكان جديد، إلى أقصى حد ممكن في استعادة عقاراتهم وممتلكاتهم التي تركوها وراءهم أو التي جردوا منها عند تهجيرهم (المبدأ 29). (ترجمة غير رسمية).

وتنسجم هذه المبادئ مع الإطار المطروح في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، الذي ينطبق على الفلسطينيين اللاجئين والمهجرين في الداخل من عام 1948. إذ يؤكد القرار 194 حق جميع الأشخاص المهجرين أثناء حرب 1948 في العودة إلى ديارهم واستعادة ممتلكاتهم وتعويضهم عن خسائرهم المادية والمعنوية.

وعليه ينبغي أن توفر المنظمات الدولية الدعم السياسي وبناء القدرات والدعم المالي لجمعيات ومبادرات المهجرين في الداخل، العاملة على رفع مستوى الوعي، وممارسة الضغط للوصول إلى حلول دائمة للفلسطينيين المهجرين في الداخل. وينبغي أن تقوم إسرائيل بإدخال "المبادئ التوجيهية الخاصة بالتهجير الداخلي في قانونها المحلي، وأن تزيل العقبات القانونية والأخرى التي تقف في طريق الوصول إلى حلول دائمة للفلسطينيين المهجرين في الداخل, ومن ذلك، أن تقوم بتنفيذ التزاماتها بموجب القانون الإنساني/معاهدة جنيف ومعاهدات حقوق الإنسان الخاصة بحماية السكان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967. كما أن على إسرائيل أن تفتح للجمهور جميع الملفات المتعلقة بالمهجرين في الداخل في أرشيف الدولة. وعلى منظمات المجتمع المدني وغيرها في إسرائيل أن تعمل على رفع مستوى الوعي بين اليهود الإسرائيليين حول الفلسطينيين المهجرين في الداخل، ووضعهم الحالي، ومتطلبات الحلول الدائمة. وعلى إسرائيل أيضاً أن تنهي احتلالها العسكري غير القانوني المستمر منذ39 عاماً للضفة الغربية، والقدس الشرقية وقطاع غزة، والذي هو المصدر الأساس للتهجير الداخلي في هذه الأراضي، وأن تقوم بتسهيل الوصول إلى حلول دائمة لجميع الفلسطينيين المهجرين في الداخل.

 
___________________

هذا المقال هو ملخص لورقة عمل بديل للنقاش رقم 9، والتي حملت عنوان " الفلسطينيـون المهجـرون في الداخـل: الحمـايـة الدولـيـة والحـلـول الدائـمـة"، من تأليف الزميل تيري رمبل، 2004. للإطلاع على النص الكامل للورقة باللغتين العربية والانكليزية، أنظر الى موقع مركز بديل على شبكة الانترنت: www.badil.org