مهجرو الداخل كمشروع سياسي:

بقلم:امير مخول

فلسطينيو ال48 جزء من الشعب ومن جوهر القضية الفلسطينية
(النص المعتمد للمقال)


من الملفت ان حلم العودة ببعديه الانساني الفردي والجماعي, لم يتوقف منذ نكبة العام 1948 وتحويل غالبية الفلسطينيين الى لاجئين غالبيتهم في الشتات وجزء منهم في الوطن. ليشكل التهجير وخلق مأساة اللاجئين التي تشرف على عامها الستين وجها اضافيا لجوهر وطبيعة المشروع الصهيوني وقيام دولة اسرائيل ككيان كولونيلي عنصري. فسلبت الوطن بكل خيراته وارضه واملاك سكانه الذين بقوا فيه  والمشردين خارجه  الفردية منها والجماعية, كل ذلك بعد ان احتلت الوطن الفلسطيني وصادرته وهدمت مدنه وبلداته وقراه التي بلغت جميعا 531 بلدة.

مشروع العودة الذي شهدناه يتحول من علاقة فردية او اهلية وجدانية الى مشروع سياسي مؤسساتي في اواسط التسعينات جاء كحالة اعتراضية من ناحية لمشروع اوسلو التجزيئي والتصفوي لحقوق الشعب الفلسطيني ولمشروعه التحرري ولحركة التحرر الوطني م ت ف, كما جاء كمشروع وتطور طبيعي داخل الشعب الفسلطيني.

ففي مسار اوسلو كان هنالك اقصاء لجزئين من الشعب الفلسطيني ولمركبين من القضية الفلسطينية. الاول هم اللاجئون وحقهم بالعودة الى بيوتهم وممتلكاتهم والتعويض وفق قرارات الامم المتحدة ذات الصلة, والجزء الاخر هو فلسطينيو ال48 مواطنو اسرائيل الذين تم التعامل معهم وقضاياهم كقضية اسرائيلية داخلية خارج القضية الفلسطينية والمشروع التحرري وداخل قواعد اللعبة الاسرائيلية ونطاق المساواة المدنية كمواطنين في اسرائيل.

وان كان الاساس الذي تبلورت وقامت على اساسه حركة التحرر الوطني الفلسطيني قد انطلق من اعتبار ان الناصرة وحيفا هما فلسطين والقضية الفلسطينية كما ان غزة ورفح والقدس وجنين وكما اللاجئين في مخيمات اللجوء والشتات هم فلسطين والقضية الفلسطينية. فان اتفاقيات اوسلو التي قامت على اساس ميزان القوة فصلت بين المسارات وفرضت هذا الفصل على المستوى القيادي الفلسطيني المهيمن, لتكسر مؤقتا الحلم الفلسطيني بتكامل اجزاء ومسببات القضية وبناء عليه اسس الحل العادل والشامل.

ان استثناء الفلسطينيين مواطني اسرائيل من المسار التفاوضي والايغال في حالة التجزيئية, وتعامل هذا الجزء الفلسطيني مع ذاته بان له دور في عملية التفاوض او على الاقل له خانة فيه, قد تجلى كونه وهما ليس الا. وفي المقابل نتج عن تعميق الحالة التجزيئية وعي جديد قائم اساسا على الحاجة الى "مواجهة قضايانا بقوانا الذاتية" والاعتماد على الذات المحلية وعدم احالة ذلك على المفاوض الفسلطيني في مواجهة التحديات التي اتضحت اكثر باتجاه ان فلسطينيي الداخل يدفعون مجددا بحقوقهم ثمن اية اتفاقية تستند الى توازن القوى وليس الى العدل, وهذه المرة ينعكس الثمن بتعزيز الطابع اليهودي الاثني لاسرائيل والعنصرية الاسرائيلية البنيوية والسعي الى اسقاط حق العودة للاجئين الفلسطينيين. وقد رافق هذا التطور والواقع الجديد وعي قائم على الحاجة الى تطوير الادوات النضالية وبناء المؤسسات على اساس قومي.

ان قيام لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين الفلسطينيين في الداخل عام 1995 هو تعبير عن هذه الحقبة. وهي مؤسسة قامت لتشكل الاطار المنظم للمهجرين الذين يشكلون مرجعيته. هذا الاطار الذي لم يقم على اساس مطالب مدنية كمواطنين في اسرائيل, بل طرح مطالب في صميم القضية الفلسطينية. هذه المطالب – حق العودة للمهجرين كجزء من حق العودة للاجئين – هي مطالب الشعب الفلسطيني. كما طرحت اولا فلسطينيا ان يتم التعامل مع المهجرين كجزء من اللاجئين وحقهم بالعودة.

حقيقة هي ان المهجرين في الداخل واللاجئين في الوطن والشتات ليسا مركبين منفصلين او كيانين منفصلين ولا حتى جمهورين مختلفين, وهناك تداخل جهوي وعائلي واجتماعي فردي وجماعي بين كل من هجرتهم اسرائيل بقيامها عام 1948, اضافة الى ذلك فان البلدات المهجرة والاملاك والاوقاف ليس حصرا على مهجري الداخل بل هي ملك كل اللاجئين – ملك الشعب الفلسطيني. وهو مركب اخر من مسألة اللاجئين تبنته مؤسسة الاقصى كمشروع مؤسسي دفاعا عن الاوقاف والمقدسات العربية الفلسطينية.

في المقابل فان المفاوض الفلسطيني الذي عمل تحت سقف اوسلو واعتمد اوسلو اساسا لطموحاته عارض تحويل حلم العودة الى مشروع سياسي وطني تحرري كجزء من حق العودة لللاجئين والذي يشكل مركبا جوهريا جدا في المسألة الفلسطينية, والاساس لاي حل عادل كونه يمثل الوجه الاكثر ظلما في الماساة الفلسطينية. لقد سعت هذه الاوساط الفلسطينية وذات النفوذ في السلطة الفلسطينية في الضفة والقطاع الى التدخل والسعي الى تعطيل تحويل حلم العودة لمهجري الداخل الى مشروع ومطلب سياسي فلسطيني, وسعت الى "مهننة" قضية مهجري الداخل, واخراجها من سياقها السياسي وذلك في محاولات لبلورة نموذج لمؤسسة "مهنيا" ينحصر دورها في مجال التخطيط او التخطيطي البديل المنبثق عنه بعيدا عن الصوت السياسي وتجنيا لادماج قضية مهجري الداخل ضمن قضية حق العودة وكمركب للقضية الفلسطينية.

لقد رات هذه الاوساط ان ادماج فلسطينيي ال48 في قضية التحرر الوطني الفلسطيني بانها تعطل على مجمل المسار التفاوضي و"حلم اوسلو" الذي قضي عليه اسرائيليا وبقي التمسك به فلسطينيا على مستوى القيادة المجزأة المحصورة في سقف اوسلو ومرجعيتها هي اوسلو لكنها ليست مرجعية اسرائيل المحتلة.

توازن القوي كمعادلة ادي الى قبول القيادات الفلسطينية المتنفذة بمعادلة اسرائيل والتي تدعمها الولايات المتحدة والتي تقول بما معناه ان على الفلسطينيين تغيير سلوكهم كي تتقدم المسيرة السلمية في ظل الاحتلال والتهجير والعنصرية والاقتلاع.

لكن هذا الموقف لم يبدأ في السلطة الفلسطينية بل وهو ما وافقت عليه عمليا م ت ف في مرحلة تفككها وانتهاء دورها التي سبقت اوسلو والذي استغلته اسرائيل كنقطة انطلاق للاعتراف ب م ت ف الضعيفة والتفاوض معها وهي في اضعف حقبة كما عبر عنه في حينه شمعون بيرس.

كما ان ادماج فلسطينيي ال48 في الحل وكجزء من القضية يتعارض مع هذا الفرض الاسرائيلي الامريكي ويتناقض جوهريا مع التجزيئية التي اتت بها اتفاقيات اوسلو.

هذه القوي المتنفذة فلسطينيا هي ذات القوي التي راهنت على الراي العام الاسرائيلي بانه المفتاح لاي حل, وراهنت عليه كعامل ثابت وليس كنتاح واقع متغير. وسعت الى اقصاء فلسطينيي ال48 وقضية اللاجئين بمن فيهم المهجرين كي تضمن تفاعل وحراك الراي العام الاسرائيلي باتجاه الحل العادل.  وهذا النهج بخلاف النموذج التاريخي للمقاومة الفلسطينية وبخلاف ما شاهدناه مؤخرا في لبنان والذي تمحور في نموذج حزب الله الذي خاطب الراي العام الاسرائيلي وغيره من خلال ادوات حزب الله هو وخدمة لرؤيته واستراتيجيته.

فالراي العام الاسرائيلي بغالبيته الساحقة والثابتة معاد للحقوق الفلسطينية وبالذات لحق العودة للاجئين. لانه تناقض وجودي مع دولة اسرائيل التي قامت على انقاض الشعب الفلسطيني. وهذا لا يعني بالضرورة تناقضا وجوديا عند الحديث عن حل مستقبلي للقضية الفلسطينية خارج  اطار اسرائيل ولكن حلا عادلا للمسألة الفلسطينية من شأنه ان يضمن حلا عادلا للمسألة اليهودية. وهو ما يجري تداوله اكثر فاكثر حول حل الدولة الواحدة بنماذج مختلفة.

ان التحول الى مشروع له متطلباته وتبعاته. فمن ناحية الحاجة الى تنظيم مجتمعي وبناء مؤسسات معنية وقادرة على حمل هذا المشروع الوطني ضمن رؤية فلسطينية شاملة بعيدة المدى وتكاملية. وقد تمثل ذلك في تحويل الموضوع الى صلب جدول الاعمال السياسي والوطني الفلسطيني في الداخل, والحق يقال إن الأحزاب والقوى الوطنية تبنت قضية اللاجئين والمهجرين والاوقاف تاريخيا والتزمت بها اخلاقيا, لكن تنظيم المجتمع وتنظيم المهجرين هو الامر المستحدث. ومسيرات العودة السنوية في ذكرى النكبة او التاريخ العبري لاقامة اسرائيل وتحت الشعار الفلسطيني"استقلالهم نكبتنا", ومؤتمرات العودة التي شهدتها الساحة الفلسطينية الداخلية في السنوات الثلاث الاخيرة ويجري والتي تسعى الى تثبيت الموضوع على جدول الاعمال الجماهيري وتحويله الى مشروع وطني فلسطيني وجزء من بناء الشعب الفلسطيني.

النقطة الاخرى هي العلاقة ما بين فلسطينيي ال48 وفلسطينيي الشتات والجاليات الفلسطينية في شتى انحاء العالم هذه العلاقة التي بدأت تتجذر في مواجهة واقع التجزيئية القسرية.

هنالك جانب آخر وهو الوعي لدى فلسطينيي ال48 ان مواجهة مسألة المهجرين واللاجئين بمفهومها الواسع هي مسؤولية كل الشعب الفلسطيني وليس المهجرين واللاجئين وحدهم, وان اية محاولة لـ "فك الارتباط" بين اجزاء القضية الفلسطينية انما يضعفها جميعا ويضعف مجمل النضال التحرري الفلسطيني.

وفي نظرة مستقبلية فان المطلوب نقلة نوعية جديدة في مشروع العودة وهي توحيد الاطار الفلسطيني الراعي لحق العودة ليصبح قياديا فلسطينيا شاملا, منظما للشعب الفلسطيني ويرى باولوية النضال الوطني التحرري, وهو يشمل كل اجزاء الشعب الفلسطيني ويجيب على كل مركبات القضية الفلسطينية مجتمعة. ومن شأن اطار كهذا – اعادة بناء حركة التحرر الوطني الفلسطيني, ان يكون مستندا الى رؤية قائمة على اسس العدالة وتصحيح الغبن التاريخي من خلال التمسك بحق العودة واطلاق مشروع العودة كمشروع مستقبلي يعتمد على ذاكرتنا الجماعية.

ان اقتراب الذكرى الستين للنكبة عام 2008 هو مناسبة لتقييم المسار الطويل وبلورة ودفع مشروع العودة.
______________________________________
أمير مخول: كاتب ومحلل فلسطيني مدير عام اتحاد الجمعيات العربية (اتجاه) - حيفا