سياج حق العودة المتين

تميز مركز بديل ومنذ ثلاثة أعوام بإجراء مسابقة جائزة حق العودة في عدد من الحقول الهامة، من بينها مضمار القصة الصحافية المكتوبة والتي سأتناولها تحليلا في مقالتي المتواضعة هذه كوني عضوا في لجنة التحكيم الخاصة بها، إلى جانب خمسة آخرين من الزملاء الأعزاء وهم: شيرين أبو عاقلة، وخليل شاهين، وعبد الناصر النجار، وقاسم خطيب، وناصر اللحام.

تمتعت المساهمات لهذا العام بالعديد من المميزات، وعلى الرأس منها تنوع أماكن لجوء/سكن أصحابها، والتي شملت قطاع غزة، والضفة الغربية والأرض المحتلة عام "48 "، ومناطق الشتات المختلفة. ان هذا التنوع يمثل إشارة قوية على وحدة الارض والحال والمصير والتفكير لهؤلاء المساهمين والمساهمات،

  ولا أقول الشبان والشابات على اعتبار ان من بينهم كبارا في السن أثروا المشاركة لرغبتهم في التعبير عن مدى الشوق الذي بدواخلهم لقراهم ومدنهم الاصلية من جهة، ومن الجهة الاخرى للتعبير عن مدى غضبهم على استمرار النكبة ورفضهم لها؛ هذه النكبة التي ظلت تضرب باعاصيرها كل الاجيال على مدى 61 سنة، تاركة الكثير من الدمار الذي لا يعد، سواء من آثار الهزات المباشرة، او ارتداداتها المتعاقبة والتي لا تقل خطورة على مستقبل القضية الفلسطينية برمتها. وقد شمل التنوع مشاركة ثلة من المساهمين البارزين غير اللاجئين بالمعنى الحرفي للكلمة، الأمر الذي يشكل دليلا آخر على وحدة الحال والمصير الفلسطيني.

لقد تميزت المساهمات بالاجماع على حالتي الحزن والغضب اللتين تعتملان في صدور العشرة ملايين فلسطيني في كافة اماكن تواجدهم. وكشفت أيضا عن مستوى جيد، إن لم يكن جيد جدا، من حيث الابداع لكتابها الذين بالفعل التزموا باغلبية الشروط التي وضعتها لجنة التحكيم؛ فتقدمت مساهمات هذا العام عن العام الذي سبقه بكثير من الملاحظات ومن بينها التفريق بين القصة الصحفية والأدبية، فزالت عوامل الالتباس التي اقترنت بمساهمات العام الماضي لتقترب جدا من عكس الواقع بشكل ملموس من خلال الذهاب الى الميدان والاستماع لشهادات عينية عن النكبة على لسان من عاشوها، أو على لسان من يعيشها في المخيمات، فنقلت بأمانة، ووضعت في قالب مشوق في معظمها؛ لتعكس مواهب تستحق الاهتمام والتشجيع للارتقاء بأصحابها وتطوير إمكانياتهم، ولنقدم للمجتمع طاقات تستحق الاعجاب والتقدير والاحترام.

رسالة أخرى حملتها هذه المساهمات مفادها أن الجيل الثالث، وحتى الرابع من اللاجئين، متمسك بحق العودة رغم مرور 61 سنة على النكبة السوداء، وهذا لم ينعكس في القصص الصحفية وحسب بل خلال برنامج تنمية وتدريب الناشئة ايضا الذي ينفذه مركز بديل وذلك من خلال ما كتبه وقاله العشرات من الفتية والناشئة في العديد من المواقع.

في الحكاية الشعبية الفلسطينية كثرت العديد من المصطلحات المبهمة للدلالة على زمن معين او حدث معين، فعلى سبيل المثال كان بعض اجدادنا الذين لا يعرفون موعد تاريخ ميلادهم يلجأوون الى حدث اعتقدوا انه مميز ويجوز الاعتماد عليه ليقولوا انهم ولدوا عام الثلجة الكبرى وكأن بلادنا لم تشهد ثلجة كبيرة الا عند ميلادهم، لتصبح علامة لتحديد تاريخ الميلاد الذي بالفعل ظل مبهما، وهذا ما حملته بعض المساهمات التي اعتمدت على استخدام الكثير من الرموز بشكل كبير ولكنها اخذت ابعادا ودلالات عميقه للتعبير عن التمسك بالأرض وما عليها فاستخدم بعض الكتاب مصطلحات عديدة بهذا الاتجاه، حيث استخدمت كتابات بعضهم عددا من انواع النباتات التي يعتز بها كالتينة الكبيرة او شجرة التفاح الخضراء أو شجرة الكينيا وارفة الظلال، او عددا اخر من الأعشاب المفيدة كالميرمية والجعدة والبابونج وهي نباتات يعتز بها في التراث الفلسطيني كونها عنوان كبير للتمسك بالأرض، لأنها إحدى رموزها الواضحة حيث قال عدد من كبار السن ان مثل هذه الاعشاب لا تجدها الا في ارض فلسطين وحتى لو لم يكن كلامهم دقيقا الا ان مجرد الاعتزاز بها وربطها بارضهم السليبة انما تشكل رمزية كبيرة، فهي نباتات مباركة لا تستخدم لغرض الاكل وحسب بل ايضا لاغراض المداواة، هذا الى جانب افتخارهم بتنوع الجو وفصوله الاربعة المتعاقبة والتي تفصلها حدود واضحة، وكذلك مقامات اثرية تراثية وحضارية ودينية وبنايات اخرى ذكر العديد منها في هذه الكتابات للتاكيد ان ارض فلسطين تزخر بكل شيء.

اسوق ذلك لاقول أن القصص المشار اليها حملت طابعا رمزيا وانسانيا مفعما بمشاعر العاطفة والحنين الى القرية والمدينة من جهة، وسياسيا جاءت لتعلن أن التمسك بالقرية والمدينة يعني التمسك بكل شيء، وان التفريط بها يعني التفريط بكل شيء. فحسب ما نقلته هذه القصص على لسان الاجيال اللاجئة المتعاقبة، فان حق العودة لا يمكن ان ينزع من القلوب والعقول والوجدان وبالتالي فهي رسالة بخط عريض للسلطة الفلسطينية وقيادتها، بغض النظر عن توجهها السياسي، وسواء كانت مستعدة للتفريط بهذا الحق ام لا. جاءت المضامين في المساهمات واضحة وجلية، وليس على شاكلة العبارة المخيفة التي تحمل معاني متعددة والتي يتم تكرارها على لسان اكثر من مسؤول في السلطة وهي: " المطلوب حل عادل لقضية اللاجئين"، أو " ضرورة عودة اللاجئين الى دولة فلسطين". هذا إضافة إلى لجوء مسؤولين سياسيين، او حتى اكاديميين الى مبادرات نادت للتنازل عن حق العودة، تلك المبادرات التي عقدت مع سياسيين إسرائيليين، وصرف عليها الكثير من الاموال في مشاريع تطبيعية مربحة لاصحابها من كلا الطرفين كوثيقة بيلين، ووثيقة ايالون وما نتج عنهما من لقاء في جنيف من كلا الطرفين. ومن هنا فانني اقول ان الرسالة الاهم التي اطلقت من خلال هذه المسابقة كانت رسالة سياسية بامتياز موجهة للمستوى السياسي الفلسطيني، وتفيد انه ليس بالمقدور التنازل عن هذا الحق التاريخي مهما بلغت ذروة الاغراء في التعويض وما شابه، ومهما طال زمن النكبة الذي يبدو انه سيمتد على الأغلب لعقود أخرى ما دام الحال هو الحال.

إن مركز بديل لم يلعب دورا حقوقيا وبحثيا وحسب؛ بل أيضا لعب دورا سياسيا واضحا يساهم في تحديد الرؤيا السياسية بشأن قضية اللاجئين وحق العودة في المستقبل القريب او البعيد فلا فرق على الاطلاق.

ان السياج الواقي لحق العودة والمتمثل في الاجيال اللاحقة هو جدار قوي ومتين لا يمكن اختراقه من قبل اية قوة مهما بلغت جبروتها او قوتها او نفوذها. ولعل اكبر دليل على ذلك مساهمات مسابقة حق العودة المتواصلة منذ ثلاثة أعوام، واعتقد ان مركز بديل متمسك في إجرائها كل عام لتصبح تقليدا سنويا في ذكرى النكبة، لأن هذه المسابقة تزرع بذارا واشتالا تشتد وتكبر عاما وراء عام، وحصادها مقبول، وهذا اضعف الإيمان. ومن هنا جاءت مفخرتي وزملائي بهذا الجهد الهام، وربما جاءت مفخرة العديد من الفعاليات والجهات المختلفة المعنية بحق العودة المقدس.

--------------------------------

*نجيب فراج: كاتب صحفي فلسطيني.