مفكرة النكبة والزمن الفلسطيني

مرة أخرى يبدع القائمون على مركز شباب مخيم عايدة فكرة جديدة تخرج إلى العيان في وقت قياسي جداً؛ إنها فكرة إنتاج أجندة تؤرخ بزمن النكبة. الأجندة عبارة عن تقويم يبدأ يومه الأول في 15 أيار من عام 1948، فيكون يوم 15 أيار 2009 هو 1-1-61، أي اليوم الأول في الشهر الأول من  العام الواحد والستين بتقويم النكبة.

الأجندة ذاتها مخرجة على شكل كتاب تقويمي، كل صفحة منه تحوي التقويم الميلادي ليوم ما. يعلو الصفحة رسم المفتاح وتقويم اليوم بزمن النكبة. أما ذيل الصفحة فيحوي عداداً للأيام التي مرت على الشعب الفلسطيني منذ النكبة، كما يؤرخ بنص  وصورة ما حدث في ذلك اليوم.

 

 قد توجد الكثير من الملاحظات التحريرية حول  الأجندة، الا ان المطلع على تفصيلات المشروع سوف يجد المبررات لذلك وأهمها ضيق الوقت بين تبلور الفكرة وإخراجها،  إضافة إلى غياب الإمكانيات المادية. رغم ذلك، فالشكر الكثير للقائمين على المشروع ولكل من ساهم في انجازه. فهي بحق مشروع جدي يحتاج إلى مساندة من اجل تجاوز بعض إشكاليات الطبعة السابقة.

على غلاف أجندة النكبة يوجد رسم لمفتاح وتعبير: "حتماً عائدون"، وفي الداخل الكثير من المعلومات والصور  جلها حول النكبة.  قد لا نجد جديداً في الرموز اللغوية أو البصرية في هذه الأجندة، إلا أن التفكير في إيجاد تقويم بزمن النكبة بحد ذاته مشروع وطني متكامل حيث تتجاوز حدود  فكرة "الذكرى" التقليدية التي تعتمد التوقف عند حدث تاريخي انتهى للتذكير به، وإنما تقوم على مفهومي: الاستمرارية والتشابك. 

فالاستمرارية في عيش النكبة هي حال الشعب الفلسطيني عامة، أي أنها الحدث المستمر الذي لا يحتاج إلى إحياء ذكراه كون النكبة حيه ويومية. كما ان فكرة الأجندة/ المفكرة هي -إلى حد ما- عكس فكرة المتحف القائمة على إثارة الذاكرة والتعريف بقديم، كون النكبة متجددة في أشكال كثيرة، حيث التاريخ يعيد كل يوم مأساة وألم جديد، وخيانات وتآمر أكثر خطورة على مصير شعبنا. أما مفهوم التشابك فهو انهيار الحاجز المصطنع ما بين العام والخاص الفلسطيني، ففي كل صفحة ندون فيها ملاحظاتنا اليومية ومواعيدنا الخاصة، نجد أنفسنا مع موعد مع فلسطين حيث دوّن شعبنا فصولاً من البطولة والألم والفرح.

لكن مفكرة النكبة تتجاوز مفهومي الاستمرارية والتشابك أيضا - فهما مفهومان ذاتيان بالأساس - لتصل إلى روح الشعب الفلسطيني وفهمه لزمانيته، لذلك فهي فكرة استثنائية بامتياز. فهي ترقيم الزمن الفلسطيني وتوثيق زمانية المقهورين. كون النكبة ليست حدثاً عادياً في  خط زماني متواصل، إنها القطع التاريخي في زمانية الشعب الفلسطيني. هي لحظة التحول من الطبيعي إلى الاستثناء، هي الفجوة التي لا يمكن جسرها بين الماضي والحاضر،  إنها نقطة المرجعية للزمانية الفلسطينية وصفر زمان المقهورين.

يخبرنا دارسي الثقافات الإنسانية عن الشعوب "الصابرة"، وهي الشعوب التي عاشت تجربة مؤلمة وحدثاً جللاً في تاريخها فتغير فهمها للزمن وصار الحدث الصادم مرجعيتها. ان شعبنا اليوم مثال للشعوب الصابرة وفهم الزمن  ممركز حول النكبة،  ففلان ولد قبل عامين من النكبة، وتزوجت فلانة في سنة النكبة. إنها دال الديموغرافيا، فذلك جيل النكبة، وآخر جيل الثورة ما بعد النكبة، وهذا جيل العودة. هي منطق العد في تقويمنا، فهذه أيام المخيم وتلك أيام البلاد.
 
النكبة هي حال الفلسطيني الذي قال فيه اميل حبيبي بأنه لم يعشق سوى يعاد، ولم يتزوج سوى باقية. هي ما سطر محمود درويش عن حصان أبيه الذي لا يزال يؤنس البيت. هي سرمدية حنظلة العلي الباقي أبدا في عمر العاشرة حتى يعود إلى وطنه ليكبر من جديد. هي ما قال أمل دنقل بأن يعود الوجود لدورته الدائرة: النجوم لميقاتها... والطيور لأصواتها... والرمال لذراتها... والقتيل لطفلته الناظرة.

زمن النكبة هو قطار الوقت العادي الذي مر بنا ونحن لا نحمل الساعات فرفضنا ترك المحطة. لان زماننا مؤرخ بتوقيت نساء المخيم الجالسات عند عتبات البيوت دون كلل في صمت مهيب. ذاك الزمان المقاس بدقات قلوبنا وموسيقى الأمل في عيوننا لا بدقات مدافع أعدائنا.

إن مفكرة النكبة هي ميقاتنا المقدس، عقرب الوقت فيها يكرر ما قاله شاعرنا محمود درويش:
تجمع ايها اللحم الفلسطيني في واحد... تجمع واجمع الساعد... لتكتب سورة العائد .

حرر في اليوم الثامن والعشرين من الشهر الثاني في السنة الواحدة والستين حسب التقويم الفلسطيني  28-2-61

--------------------------

* علاء العزة: باحث فلسطيني في علم الانثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية