جاء خطاب براك أوباما في القاهرة، تاليا لاجتماعاته مع بنيامين نتنياهو ومحمود عباس في أيار الماضي، وهو ما فسره الكثيرون على أنه نقطة تحول في سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط. وهو ما أثار حفيظة البعض، وحماسة البعض الآخر. نسوق هنا مثالا نموذجيا واضحا، وهو ما كتبه محلل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة "واشنطن بوست" دان فرومكن: "ستدعم إيماءات أوباما مبادرة سلام إقليمية جديدة في الشرق الأوسط، تماما مثل تلك التي يؤيدها الملك عبد الله. [وأيضا] فإن الإيماءات الاستثنائية الأولى تؤكد بأن أوباما قادر على لعب الكرة مع إسرائيل" (واشنطن بوست، 29 أيار). بيد أن نظرة فاحصة، تقترح توخي الحذر الشديد.

لقد امتدح اوباما المبادرة، ودعا الدول العربية لأن تشرع في تطبيع العلاقات مع إسرائيل. ولكنه تجنب، حتى الآن وببالغ الحذر، التطرق الى أسس المبادرة، مما يعني ضمنيا الإبقاء على الموقف الأمريكي الرافض والذي أعاق التسويات الدبلوماسية منذ العام 1970 بما يتلائم مع تابعه الإسرائيلي في سياسة العزل العملي. حتى اللحظة، لا توجد أية إشارات بأن أوباما مستعد لأخذ المبادرة العربية بعين الإعتبار، ناهيك عن "دعمها". لقد كان هذا بارزا في خطاب أوباما، أكثر من المانشات العريضة الموجهة للعالم الإسلامي في خطاب الرابع من حزيران، في القاهرة.

لقد تقلصت المواجهة الامريكية-الإسرائيلية مع محمود عباس الى عبارتين: "دولة فلسطينية"، و "نمو طبيعي في المستوطنات". دعونا نمحص هاتين العبارتين بدورنا.

لقد لفظ أوباما فعلا كلمتي "دولة فلسطينية"، تقليدا لجورج بوش. في مقابل ذلك، تنص صيغة العام 1999 لبرنامج حزب الليكود الحاكم بزعامة نتنياهو، والتي لم تتغير حتى الآن على التالي: "يرفض [الليكود] صراحة إقامة دولة عربية فلسطينية غرب نهر الأردن". ورغم ذلك، فإن حكومة نتنياهو الأولى (1996-1999) كانت أول من استخدم هذه العبارة. لقد وافقت حكومة نتنياهو الأولى على أن بإمكان الفلسطينيين تسمية أية شظايا من فلسطين ستترك لهم بـ "دولة" إن أرادوا ذلك- أو يمكنهم تسميتها "دجاجا مقليا" (دافيد بار-إيلان، مدير الاتصالات وتخطيط السياسات في ديوان رئيس الحكومة؛ مقابلة، باليستاين-إيزرائيل جورنال Palestine-Israel Journal ، خريف-صيف 1996).

 

وبالعودة الى عبارة "دولة فلسطينية"، فإن السؤال الحاسم أمريكيا هو ما إذا كان يعنيه أوباما هو الإجماع الدولي أم "الدجاج المقلي". حتى الآن، يبقى الأمر بلا إجابة، باستثناء الإغفال المتعمد وتمويل واشنطن لبرامج إسرائيل المتنوعة ومنها التنموية في مستوطنات الضفة الغربية، وهي برامج تنتهك القانون الدولي، كما سلم به وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان في العام 1967، وأعيد تأكيده على يد مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية. ومن المحتمل أن يكون نتنياهو على موقفه المعلن في العام 1996.

 

إن الإطلاع على توجه "الدجاج المقلي" بصورة أكثر شمولية، يأتي من خلال الإمعان في المشهد اليومي للبرامج الإسرائيلية المسنودة أمريكيا. لقد تم عنونة الأهداف العامة على يد رئيس الحكومة إيهود أولمرت في أيار 2006 ضمن "خطة التجميع"، وتوسعت بعدئذ في "خطة التجميع المتقدمة"، والتي بموجبها ستسيطر إسرائيل على المناطق ضمن "جدار العزل" غير الشرعي بمحاذاة نهر الأردن، الذي يسجن كل من على يساره، وهو بدوره مقسم الى كانتونات ذات نتوءات تمتد شرقا. كما ستسيطر إسرائيل على "القدس الكبرى"، بما يشمل مواقع مشاريع البناء الحالية، وضمان ترحيل الكثير من العرب منها. إن هذه المشاريع في القدس لا تنتهك فقط القانون الدولي شأنها شان الأعمال الإسرائيلية الأخرى، ولكن أيضا تنتهك قرارات مجلس الأمن الدولي (التي لا تزال تؤيدها الولايات المتحدة حتى هذه اللحظة).

إن الخطط المنفذة حاليا مصممة لترك إسرائيل تسيطر على معظم الأراضي النافعة في الضفة الغربية، وتضييق الخناق على الفلسطينيين جميعا وفصلهم عن القدس، المركز التقليدي للحياة الفلسطينية. كما يؤسس "جدار الفصل" أيضا لضمان السيطرة الإسرائيلية على مخزون المياه الباطنية في الضفة الغربية. وعليه، ستضمن إسرائيل ديمومة تلقي الفلسطينيين ربع منسوب المياه مقارنة مع الإسرائيليين في الحد الأقصى، وفي بعض الحالات دون وصولهم (الفلسطينيين) الى الحد الادنى من المستوى الموصى به، كما أشار إليه البنك الدولي في نيسان. أما في أجزاء أخرى من فلسطين، غزة بالتحديد، فإن القصف الإسرائيلي المتواصل والحصار الوحشي يجعل من توفر المياه أكثر شحا من ذلك بكثير.


لقد استمر براك أوباما في دعم هذه البرامج جميعا، بل ونادى بزيادة الدعم العسكري لاسرائيل للعشر سنوات القادمة بشكل أكثر متانة (ستيفان زونيس، Stephen Zunes, Foreign Policy in Focus، 4 آذار). لقد بدا حينئذ، بأن الفلسطينيين قد يكونون "دجاجا مقليا"، لا شيء أكثر. إن الفصل الإسرائيلي القسري لقطاع غزة عن الضفة الغربية منذ العام 1991، والمشدد مع دعم امريكي بعد الإنتخابات الفلسطينية الحرة في كانون ثان 2006 والتي أفرزت "النتائج الخاطئة"، قد تم إغفاله بشكل متعمد من قبل "مبادرة أوباما الجديدة"، وهذا ما يقوض أركان أية دولة فلسطينية قابلة للحياة.

 

وفي العودة إلى العبارة الثانية، المستوطنات. فهنالك فعلا تحدٍّ، ولكنه قد يكون أقل احتداما مما يجري الطنطنة له. فقد تم عرض موقف واشنطن بوضوح في تصريح كثير الاقتباس والتناقل لهيلاري كلينتون ترفض من خلاله "استثنائات النمو الطبيعي"، كما ترفض بناء المستوطنات الجديدة. من جانبه، يصر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، والرئيس شمعون بيرس، وفي الحقيقة جميع ألوان الطيف السياسي في إسرائيل، يصرون على وجوب السماح "بالنمو الطبيعي" في المناطق التي تنوي إسرائيل ضمها، ويمتعضون من عدم تفهم الولايات المتحدة لمثل هذا التمدد، كما هو وارد ضمن "رؤية" جورج بوش للدولة الفلسطينية.

 

لقد ذهب الأعضاء النافذون في المجلس الوزاري لنتنياهو الى أبعد من ذلك، حيث أعلن الوزير يسرائيل كاتس بأن: " الحكومة الإسرائيلية الحالية لن تقبل تحت أي ظرف تجميد فعاليات المستوطنات الشرعية في يهودا والسامرة" (هآرتس، 31 أيار). هنا، يعني المصطلح " قانوني/ شرعي" في الخطاب الرسمي الإسرائيلي والأمريكي "غير قانوني، ولكن مرخص من قبل حكومة إسرائيل". وبمثل ذات منطق الاستخدام، تعتبر النقاط غير المرخصة "غير قانونية". وبمنأى عن الحديث عن القوة، تظل المستوطنات الممنوحة لاسرائيل بموجب "رؤية بوش" أكثر المستوطنات "غير قانونية".

 

إن صياغة [هيلاري] كلينتون-أوباما الجافة ليست بجديدة. إنها تكرر عبارات خارطة الطريق للعام 2003، والتي نصت عليها المرحلة الأولى: " تجمد إسرائيل كافة نشاطاتها العمرانية في المستوطنات (بما يشمل النمو الطبيعي)". وكما هو معروف، فقد وافقت جميع الأطراف رسميا على خارطة الطريق، بيد أن إضافة إسرائيل 14 " تحفظا" على خارطة الطريق جعل منها عسيرة التطبيق.

 

لو كان باراك أوباما جديا في معارضته لتوسع الاستيطان، لاستطاع بسهولة المباشرة في فرض معايير محددة، مثلا، من خلال تقليص حجم الدعم الأمريكي الذي يكرس لتنفيذ الأهداف الإستيطانية. إن من شأن ذلك أن يعد حركة راديكالية جريئة، وقد مارستها قبل ذلك إدارة الرئيس جورج بوش الأب (تخفيض ضمانات القروض). ولكن في أعقاب إتفاق أوسلو في العام 1993، ترك الرئيس بيل كلينتون العمليات الحسابية للحكومة الإسرائيلية. وبشكل غير مفاجئ، لم تتأثر المعونات والقروض الامريكية " بفعل النفقات المتدفقة للمستوطنات"، لقد أشار الإعلام الإسرائيلي: " [ رئيس الحكومة] رابين سيستمر في عدم تجفيف المستوطنات"، واستنتج التقرير: " والأمريكيون؟ سيتفهمون" (حداشوت، 8 أكتوبر؛ يائير فيدل، ملحق حداشوت، 29 أكتوبر 1993). ولكن المسؤولون في إدارة أوباما قد أبلغوا وسائل الإعلام بأن معايير بوش الأب هي " ليست للنقاش"، وبأن معايير أوباما ستكون "رمزية الى حد كبير" (هيلين كوبر، نيويورك تايمزNYT، 1 حزيران).

 

كل النقاشات حول توسعة المستوطنات تتجنب جذر المشكلة وهي المستوطنات برمتها: أي ما أقامته إسرائيل بالفعل في الضفة الغربية حتى اليوم. إن مثل هذا التجنب يسلم تكتيكيا بأن البرنامج الاستيطاني غير القانوني في الضفة هو بشكل أو بآخر مقبول ( لنضع جانبا مستوطنات هضبة الجولان، التي ضمت بخلاف أوامر مجلس الأمن) - وكأن " رؤية" جورج بوش الابن المقبولة ظاهريا من قبل إدارة أوباما، قد تحركت من التكتيك الى القبول العلني. وما هو قائم على أرض الواقع يفي بغرض ضمان بأن لا يكون هنالك تقرير مصير قابل للحياة للفلسطينيين. وحتى لو سلمنا بالافتراضات غير المرغوبة التي تضير بأن مسألة " النمو الطبيعي" ستنتهي، ولكن الرفض الأمريكي-الإسرائيلي لجذر المشكلة سيظل معيقا للإجماع الدولي كما في السابق.

 

لقد حافظ خطاب اوباما في الرابع من حزيران في القاهرة والموجه الى العالم الإسلامي على نحو جميل نموذجه الشهير بإعلان القليل من الجوهر، بطريقة جذابة تسمح لجمهور المستمعين أن يسجل كل منهم ما يريد سماعه. فقد خرجت محطة CNN من ثوبها بعد أن وضعت مانشيت " أوباما يتطلع للوصول الى روح العالم الإسلامي". وفي الحقيقة، أعلن أوباما عن اهداف خطابه في مقابلة مع توماس فريدمان الصحفي في جريدة " نيويورك تايمز (3 حزيران): " توجد لدينا طرفة حول البيت الأبيض تفيد أن الرئيس يقول: نحن مستمرون في قول الحقيقة حتى تكف الحقيقة عن العمل — وليس من مكان أكثر أهمية من قول الحقيقة مقارنة بالشرق الأوسط". لقد جاء تعليق البيت الأبيض أكثر ترحابا، ولكننا بحاجة لرؤية كيف يترجم ذلك على أرض الواقع.

 

لقد ذكر اوباما أمام جمهوره بأنه من السهل " توجيه الأصابع... ولكن إذا نظرنا الى هذا الصراع من جانب واحد، عندها لن نرى الحقيقة كاملة: إن الخيار الوحيد هو التقاء طموح كلا الطرفين من خلال حل دولتين، حيثما يستطيع الإسرائيليون والفلسطينيون العيش بسلام وأمن".

 

وفي التطرق الى الحقيقة، هنالك طرف ثالث ذو دور حاسم: الولايات المتحدة. ولكن هذا المشارك في الصراع غير مذكور البتة. والإسقاط مفهوم في سياق كونه طرفا طبيعيا ومناسبا، وعليه أسقط الذكر: لقد كان مقال فريدمان بعنوان " خطاب أوباما قصد كلا من العرب والإسرائيليين"؛ فيما حملت الصفحة الاولى من مجلة " وول ستريت" عنوان: " أوباما يوبخ إسرائيل، والعرب في مخاطبته للمسلمين". وهناك العديد من العناوين لتقارير مشابهة. ونستطيع فهم السياق من خلال شيوع المبدأ المذهبي الذي ينص على أن حكومة الولايات المتحدة تعرف نفسها "معتدلة" بالرغم من إرتكابها "أخطاء" في بعض الأحيان. لقد سعت واشنطن دائما لأن تكون وسيطا صادقا، يتوق الى تحقيق السلام والعدل. إن هذا المبدأ المذهبي يلفق الحقيقة، وهو ما برز في الخطاب والتغطية الإعلامية له على السواء.

 

لقد قلد أوباما مرة أخرى جورج بوش في حل الدولتين، بدون قول ما يعنيه في عبارة " دولة فلسطينية". وقد تم توضيح القصد ليس فقط من خلال الإسقاطات الحاسمة، ولكن أيضا من خلال نقده الوحيد والواضح لإسرائيل من باب: "الولايات المتحدة لا تقبل شرعية استمرار بناء المستوطنات الإسرائيلية. إن هذا البناء ينتهك إتفاقات سابقة ويقوض الجهود لإحلال السلام. هذا هو وقت وقف هذه المستوطنات". بمعنى، يجب على إسرائيل أن تطبق المرحلة الأولى من خريطة الطريق للعام 2003، وهو ما يقود الى أن أوباما إنتقل الى المشاركة في الجرائم الإسرائيلية المرتبكة.

 

إن الكلمات الحاسمة هي " شرعية" و " متواصلة". وعن طريق الإسقاط، فقد أشار أوباما بانه يقبل بـ "رؤية" جورج بوش: " إن اتساع مشروع الاستيطان والبنى التحتية هو " شرعي" وعليه، فإن مصطلح " دولة فلسطينية" تعني " دجاجا مقليا". وبشكل غير متحيز، قدم أوباما النصح للدول العربية: عليهم الإعتراف بأن مبادرة السلام العربية كانت بداية مهمة، ولكنها ليست النهاية لمسؤولياتهم". وبصراحة، لا يمكن للمبادرة العربية أن تكون "بداية" ذات معنى، طالما استمر أوباما في رفض مبادئها الأساسية: تطبيق الاجماع الدولي. ولكنها ليست مسؤولية واشنطن حسب رؤية أوباما، من باب أن الولايات المتحدة لا تملك من الصلاحيات أكثر من مثابرتها في النداء للعمل الصالح.

 

في تطرقه للديمقراطية، قال أوباما: " يجب علينا التسليم بنتائج الانتخابات السلمية"- كما كان عليه الحال في كانون ثان 2006، حينما تحولت واشنطن دفعة واحدة الى خدمة مشروع معاقبة الشعب الفلسطيني لأنها لم ترغب بنتائج الانتخابات السلمية. لقد أحجم أوباما بلطف عن التعليق على مستضيفه، الرئيس مبارك، أحد أكثر الدكتاتوريين قسوة في المنطقة، من خلال تفوهه ببعض الكلمات المزخرفة عنه. وفيما هو يستقل الطائرة للمملكة العربية السعودية ومصر، الدولتين العربيتين "المعتدلتين"، "كان السيد أوباما يومئ بأنه عندما سيتطرق الى القلق الأمريكي حول حقوق الانسان في مصر، فإنه لن يتحدى الرئيس مبارك بشكل حاد تماما، وسينعته بانه " قوة من أجل الاستقرار وعمل الخير" في الشرق الأوسط... لقد قال السيد أوباما بأنه لا يحترم السيد مبارك كقائد مستبد. " لا، لا أقصد استخدام تعابير شعبية"، قال السيد أوباما. لقد لاحظ الرئيس بأن هنالك نقد "على الطريقة التي تعمل بها السياسة في مصر"، ولكنه قال أيضا بأن السيد مبارك كان "حليفا شجاعا، يحترم الولايات المتحدة" (جيف زيلينيا وميخائيل سلاكمان، نيويورك تايمز، 4 حزيران).

 

لقد تم تفسير مبادرة أوباما " الجديدة" بشكل جيد على يد جون كيري، المرشح الرئاسي في انتخابات العام 2004 عن الحزب الديمقراطي، وحاليا رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وذلك في خطاب مهم في مؤسسة بروكينز في التاسع من آذار: )http://kerry.senate.gov/cfm/record.cfm?id=309250(. وحسب كلمات كيري التفسيرية، فإن علينا إرجاء العقلانية البديهية، والموافقة على أن الحقائق العملية للتاريخ هي ليست مناسبة دائما. المهم ليس الصورة المخترعة للماضي والحاضر، ولكن الخطط المرسومة للمستقبل".

 

يناقش كيري بأن جهودنا الشريفة للوصول الى تسوية سياسية قد فشلت، بسبب عدم رغبة الدول العربية في صنع السلام. أكثر من ذلك، فإن جهودنا " من أجل إعطاء الاسرائيلييين شريكا شرعيا للسلام" قد أخفقت بفعل التعنت الفلسطيني. بيد أن التغيير الآن محمود. لقد أشارت الدول العربية من خلال مبادرة السلام العربية للعام 2006، بأنها مستعدة أخيرا للقبول بوجود إسرائيل في المنطقة. وبشكل واعد أكثر، هنالك " استعداد غير مسبوق بين الشعوب العربية المعتدلة على العمل مع إسرائيل"، ضد عدونا المشترك إيران. تستخدم كلمة "معتدل" هنا بمعناها التقني: "الاستعداد لإطاعة المطالب الأمريكية"، بغض النظر عن طبيعة النظام. " إن إعادة الاصطفاف يمكنها المساهمة في تمهيد الأرضية للتقدم نحو السلام"، قال كيري: " نعيد صياغة مفاهيم المشكلة، بالتركيز على التهديد الإيراني".

 

استمر كيري في الشرح بأن الأمل بالعثور على " شريك شرعي" لحليفتنا إسرائيل المحبة للسلام لا زال قائما: محمود عباس والسلطة الوطنية الفلسطينية. كيف نتقدم إذن من أجل دعم الشريك الفلسطيني الشرعي الجديد لإسرائيل؟ " الأكثر أهمية، هو تعزيز جهود الجنرال [كيث] دايتون العامة على تدريب قوات الامن الفلسطينية على حفظ النظام ومحاربة الإرهاب... وقد تعزز ذلك من خلال التطورات الأخيرة: فخلال غزو غزة، نجحت قوات الأمن الفلسطينية بشكل كبير في حفظ الهدوء في الضفة الغربية وسط ترقب واسع لاضطرابات مدنية. هنالك الكثير مما يجب عمله بكل صراحة، ويمكننا المساعدة في تحقيقه". لقد وصف كيري الهجوم على غزة بشكل روتيني بأنه حق مطلق وعدالة.

 

لقد كان كيري محقا بأننا نستطيع فعل المزيد لضمان السيطرة على الفلسطينيين في الضفة الغربية بشكل وثيق لدرجة تمنعهم من الاحتجاج على مجزرة غزة - ففي هذا السياق، يمكن للولايات المتحدة أن تخط تاريخا طويلا من الممارسات العملية التي تحوي تفاصيل مثيرة ومتقدمة، نفذت خلال الاحتلال الأمريكي للفيليبين في القرن المنصرم، وما رافقه من قمع دموي طبق في كل مكان. إن مثل هذا الكلام المغشوش الذي يعكس ممارسات استعمارية تقليدية كان رائجا وناجحا جدا في البلدان التابعة للولايات المتحدة، حينما ترافق هذا الكلام مع وسائل مختلفة للسيطرة على السكان من الداخل. وقد اتضحت هذه الأعمال من خلال العمل الرائد للمؤرخ ألفريد ماكوي (شرطة الإمبراطورية الأمريكية، قيد النشر). يتوجب على كيري معرفة هذه الوسائل من خلال خدمته في فيتنام الجنوبية، أما تطبيق هذه المعايير على فلسطين، من خلال نشر قوات متعاونة شبه عسكرية يمكن توظيفها لقهر السكان المحليين بالتعاون مع النخب ذات الامتيازات، فهو ما يطلق العنان للولايات المتحدة واسرائيل على حمل "رؤية" بوش وخطة أولمرت للتجميع قدما. أما غزة، فيمكنها أن تبقى تحت الحصار الخانق كسجن وصالة عرض لاطلاق النار العشوائي.

 

إن مبادرة واشنطن الجديدة لإحلال السلام في الشرق الأوسط، كما هو مأمول، ستدمج إسرائيل بين الدول العربية "المعتدلة" كحصن لسيطرة الولايات المتحدة على انتاج الطاقة المدمرة. وقد تم ذكر ذلك في برنامج أوباما حول افغانستان وباكستان، حيث العمليات العسكرية تتصاعد و " سفارات" كبيرة تبنى على أساس " مدينة داخل مدينة" في بغداد، وهو ما يشير بوضوح الى اهتمامات أوباما (سعيد شاه ووارن ستروبيل، جريدة ماك-كلاتشي، 27 أيار).

 

إن " صياغة المفاهيم من جديد" هو مرضِ بوضوح خصوصا في سياق صناعة الهاي تك الأمريكية، التي تستمر في تعزيز علاقاتها الوطيدة مع إسرائيل. مثلا، تجهيزات شركة إنتل العملاقة في إسرائيل لتطبيق تقليص ثوري في حجم الشرائح الألكترونية، وما يتوقع أن ينجم عنها من تأسيس معايير صناعية جديدة في هذا المجال، وتزويد ما أمكن لدول العالم من مصانعها في كريات غات الإسرائيلية. لقد ظلت العلاقات بين الولايات المتحدة والصناعات العسكرية الاسرائيلية متقاربة جدا. واستمرت إسرائيل في تزويد الولايات المتحدة بقاعدة عسكرية عابرة للبحار مموضعة بشكل استراتيجي لسحب الأسلحة والعتاد الاحتياطي. أما التعاون المخابراتي فيعود الى نصف قرن.

 

هذا جزء من الخدمات الفريدة التي تزودها اسرائيل للسيطرة العسكرية الأمريكية على العالم. وحتى اللحظة، فإن التطرف القومي للحكومة الحالية يقيد تحركها على عدة صعد: فقد تم وضع مقترحات طلب الولاء من المواطنين ومنع إحياء ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني في العام 1948 على الرف. ولكن اذا ذهبت إسرائيل بعيدا، قد يقود ذلك لتحد من النوع الذي يتحدث عنه المعلقون اليوم. أما الآن، فالإحتمال محدود. 

 

 

* هذا المقال مقتبس بإذن من الكاتب عن مقال مطول باللغة الانجليزية. للاطلاع على الأصل انظر:

http://www.chomsky.info/articles/20090607.htm