فـــي مواجهــة التطبيـــع

بقلم:جمــال جمعـــة

أعلنت إسرائيل مؤخرا عن تشغيل "معبر" بيت لحم كما أعلنت أن "معبر" قلنديا سيكون جاهزاً للتشغيل في شهر آذار المقبل فيما بدأت ببناء "معبر" زعترة. تشكل الثلاثة "معابر" هذه معالم الواقع السياسي الجديد للضفة الغربية، ثلاثة كنتونات منفصلة عن بعضها البعض بكتل استيطانية ضخمة، وشوارع عريضة حصرية لاستخدام المستوطنين وجدران ومناطق عسكرية على امتدادها تحيط بالقرى والمدن الفلسطينية، فيما أصبحت القدس خارج الحسابات السياسية ولا تكاد تذكر إلا من خلال بعض الخطب من على المنابر السياسية، وتعج السجون بالمعتقلين، إضافة الى الاغتيالات وهدم البيوت ومصادرة الأراضي التي سرعان ما تحولت الى سلوك شبه يومي؛ أما طوابير السيارات وإذلال البشر على الحواجز يومياً فأصبحت تشكل جزءاً من الحياة الفلسطينية "الاعتيادية". كل ذلك من أجل تركيع هذا الشعب وترسيخ واقع الاحتلال والقفز على كل الثوابت والطموحات الفلسطينية وأحلام العودة والدولة المستقلة.

 

 

 

في ذات الوقت، يرزح المواطن الفلسطيني تحت وطأة الفقر والحاجة والمشاكل الداخلية المتفاقمة فيما تنشغل الأوساط السياسية بمحاولة التعاطي مع الضغوط الخارجية وتحسين ظروف المعيشة ودوامة من الانتخابات المتلاحقة منذ أكثر من سنة ومنها الانتخابات البلدية والرئاسية والتشريعية والانتخابات الحزبية الداخلية (برايميريز) مرورا بـ "هموم" الإصلاح ومحاربة الفساد والانفلات الأمني.

ما هي أولوياتنا؟ وإلى أين نسير؟ وأين تكمن المصلحة الوطنية الحقيقية؟ يبدو أن أحداً لا يملك الجواب وربما الأصح لا يريد أحد أن يبحث عن الإجابة لأن استحقاقاتها ربما تكون أكبر من الإمكانات، فالعلاج يحتاج إلى تضحيات غير متوفرة في المنظور القريب.

لقد شكلت انتفاضة الأقصى في جوهرها ثورة على اتفاقيات اوسلو وافرازاتها التي قادت المجتمع الفلسطيني لوضع محرج، ولكنها لم تستطع أن تحرره من تلك الاتفاقيات لعدم وجود الإرادة السياسية على فعل ذلك. يعود ذلك الى منظومة المصالح التي ارتبطت باستمراريتها (الاتفاقيات) ولضعف المعارضة وتراجع القوى السياسية الفلسطينية في أعقاب تهميش منظمة التحرير الفلسطينية.

كما انعكس تردي الوضع السياسي بشكلٍ قوي على حجم مقاومة مشروع سياسي ضخم مثل الجدار الذي رمت إسرائيل من ورائه الى شرذمة المجتمع الفلسطيني وتجريده من أية إمكانات حقيقية للنهوض والاستمرار في مقاومة الاحتلال والى إنهاء القضية الفلسطينية برمتها. لقد أدى انعدام الضوابط الوطنية وتمييع الثوابت إلى اختراق كبير للمجتمع الفلسطيني. فبالرغم من الحصار والخنق السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يدعو الى مقاطعة المحتل ورفع وتيرة المقاومة إلا أن الهرولة واضحة تجاه مشاريع التطبيع المشتركة على المستويين الرسمي والأهلي والتهافت على التمويل بغض النظر عن مصادره وأجنداته. 

لم ينعكس هذا التردي فقط على الوضع الداخلي إنما تعداه للأسف إلى التأثير بقوة على الدعم السياسي للنضال الفلسطيني على المستوى الدولي لدرجة أنه أصبح ينذر بكارثةٍ حقيقية. ولعل أكبر خسارةٍ لنا عالمياً بسبب اوسلو هي فقدان قضيتنا موقعها الرائد كقضية تحرر وطني وانتقالنا إلى وضعية "شبه الدولة" الذي نقل القضية من حضن الدعم الشعبي الدولي والقوى التقدمية إلى دهاليز السياسة الدولية بمؤسساتها والتي تتحكم فيها أمريكا وبذلك خسرنا مواقع دعم تقليدية كثيرة على امتداد اسيا وأفريقيا وامريكا اللاتينية وحتى في أوروبا وأمريكا التي كانت تدعم القضية الفلسطينية كقضية تحررية وطنية بصفتها كانت تشكل رمزاً ومثالاً للصمود في وجه الطغيان الاستعماري واستعباد الشعوب. 

بيد أن انطلاقة إنتفاضة الأقصى أخذت تعيد إلى البعد الفلسطيني الدولي عافيتة شيئاً فشيئاً، بدايتها كانت من مؤتمر ديربان في جنوب أفريقيا في صيف العام 2001 حيث وقعت المئات من منظمات المجتمع المدني من مختلف أنحاء العالم على بيان مطالبة بمقاطعة إسرائيل باعتبارها دولة عنصرية. وفي أعقاب مذبحة جنين بدأت الدعوات مباشرةً من قبل بعض الجامعات العالمية حيث وقع حوالي أكثر من 1000 أستاذ جامعي من كل أنحاء العالم خصوصاً فرنسا وايطاليا واستراليا على طلب بمقاطعة إسرائيل رداً على المذبحة والانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان الفلسطيني التي مارستها وتمارسها إسرائيل كقوة احتلال. بينما بدأت المطالبات من قبل المنظمات القاعدية بالمقاطعة الاقتصادية خصوصاً قوى التضامن في فرنسا وبريطانيا والنرويج وهولندا. ففي فرنسا وبعد شهرين من مذبحة جنين، نظمت أول مظاهرة أوروبية حاشدة من نوعها في مرسيليا طالبت بمقاطعة إسرائيل كما بدأت على أثرها تخرج مظاهرات في مختلف أنحاء العالم بنفس الروح.

ثم جاء قرار محكمة العدل الدولية في تموز من العام 2004 الذي أكد على عدم شرعية الجدار والمستوطنات وأعطى دعماً قوياً للنضال الفلسطيني ضد الجدار والاحتلال كما أعطى دفعاً لقوى التضامن الدولية مع الشعب الفلسطيني حيث أعاد إلى الأذهان سقوط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وبدأ التوجه عالمياً إلى الدعوة إلى إتباع أساليب مماثلةً لتلك التي أدت إلى سقوط النظام العنصري خصوصاً في الأوساط الشعبية والمنظمات الدولية عبر المئات من الوفود والمظاهرات والاجتماعات الشعبية والجولات والبعثات الكنسية والحملات الإعلامية.

لقد تمخض الجهد الشعبي المحلي والدولي الذي سبق قرار محكمة العدل الدولية  – والذي تعاظم بعده – تمخض عن مبادراتٍ جريئةٍ ودعوات للمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات كوسائل نضالية فاعلة ومؤثرة ضد الاحتلال الإسرائيلي نستعرض فيما يلي بعضاً منها على صعيد سحب الاستثمارات ما بدأته المشيخية الكنسية في الولايات المتحدة بتجميد الاستثمارات وعلى اثرها بدأت تجمعات كنسية أخرى في أوروبا وكندا تتوجه بنفس التوجه.

على صعيد المقاطعة الأكاديمية، أعلن اتحاد أساتذة الجامعات البريطانيين في لندن حيث يضم أكثر من 48000 أستاذ جامعي مقاطعة جامعتي حيفا وبار إيلان. ورغم إحباطها أخيرا على يد اللوبي الصهيوني إلا أن الجدل في الأوساط الأكاديمية في بريطانيا وغيرها من دول العالم ما زال قائما حول إحياء المبادرة مرة أخرى. في الباسك، نجحت اول مدينة في إعلان المقاطعة. وفي الولايات المتحدة وإيرلندا هنالك مدينتين أخريين المقاطعة البلدية.  كما كان هنالك العديد من حملات المقاطعة الرياضية في  كل من ايرلندا وسويسرا واسبانيا واسكوتلندا

منذ انطلاقة انتفاضة الاقصى، بدأت حملات المقاطعة الاقتصادية في بعض البلدان الأوروبية مثل السويد، إيرلندا، هولندا، النرويج، الباسك وكندا. ففي كندا، أطلق تجمع المؤسسات والاتحادات الكندية المناصرة للقضية الفلسطينية ( تحالف العدالة والسلام من أجل فلسطين) في 12 كانون اول من العام 2005 حملة لمقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها استجابة للنداء الفلسطيني الذي تم أطلقته مؤسسات المتجتمع المدني الفلسطيني حول العام في التاسع من تموز من نفس العام. وفي النرويج، أعلنت مقاطعة سير- تروندلاك والتي تضم ثالث أكبر مدينة في النرويج في 15 كانون أول 2005  مقاطعة البضائع الإسرائيلية. كما طالبت العديد من الأحزاب داخل الحكومات المختلفة بتجميد الاتفاقيات العسكرية مع اسرائيل، فقد طالب الحزب الشيوعي الهندي الحكومة الهندية بوقف التعاون العسكري والأمني مع اسرائيل وكذلك الحزب الاجتماعي اليساري النرويجي الذي طلب ذلك من الحكومة النرويجية.

 مقابل هذا الزخم على الصعيد الدولي كيف تعاطينا نحن الفلسطينيين مع هذه المبادرات ؟ بعد قرار محكمة العدل الدولية مباشرةً تم تركيز المطالبة الفلسطينية للمجتمع الدولي على عزل اسرائيل كدولة احتلال عنصرية عن طريق المقاطعة وفرض العقوبات وسحب الاستثمارات. ففي شهر أيلول من العام 2004، تم تبني ورقة المطالبة التي تقدمت بها الحملة الشعبية لمقاومة الجدار من قبل حركات ضد الحرب والعولمة  في اجتماع عقد في بيروت حضرها 250 منظمة من 57 دولة، بعدها تم التأكيد على نفس ورقة المطالبة في المنتدى الاجتماعي الأوروبي في تشرين أول من نفس العام حيث تبنى المؤتمر العمل على فرض العقوبات فقط وتم تتويج ذلك في المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو اليغري البرازيلية في كانون ثاني من العام 2005، حيت تبنت الحركات الاجتماعية وحركات ضد الحرب والعولمة بالإجماع العمل على تبني المقاطعة وفرض العقوبات وسحب الاستثمارات كاستراتيجية عمل لإرغام إسرائيل على الامتثال للقانون الدولي وإنهاء الاحتلال والتخلي عن عنصريتها والاعتراف بحق العودة وتقرير المصير للشعب الفلسطيني.

وفي الذكرى السنوية لقرار محكمة العدل الدولية، أصدر مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني نداء يطالب المجتمع الدولي بعزل اسرائيل دولياً عن طريق المقاطعة وفرض العقوبات وسحب الاستثمارات. وقع على البيان أكثر من 170 منظمة أهلية وحركة سياسية ومنظمات شعبية واتحادات مهنية وعمالية من الضفة الغربية وغزة وفلسطين الداخل 48 ولبنان وسوريا ومختلف أماكن الشتات الفلسطيني. حتى يكون هذا البيان بمثابة الإجماع الفلسطيني على ميثاق سياسي للتضامن مع الشعب الفلسطيني على طريق تحقيق مطالبه العادلة وللخروج من الوضع السياسي المتردي وإعادة الاعتبار للنضال الفلسطيني السياسي على المستويين المحلي والدولي.

بالرغم من هذا التقدم في مواقف حركة التضامن فان هناك خطر حقيقي يتهدد كل المحاولات الجادة لعمل تضامني حقيقي. وللأسف فإن الخطر هذه المرة فلسطينياً وهو أشد خطورةً من اللوبي الصهيوني على حركة التضامن بمجملها ويحتاج الى معالجة سريعة وإلا فقدنا هذا البعد الهام وعزلنا أنفسنا وفقدت القضية الفلسطينية رونقها النضالي ورمزيتها بالنسبة لشعوب العالم. ففي الهند في شهر كانون أول حين طالب الحزب الشيوعي المشارك في الحكومة الهندية رسمياً من الحكومة وقف التعاون العسكري مع إسرائيل، أجاب مسؤول فلسطيني يعمل وكيلا لإحدى الوزارات في مقابلة لإحدى الصحف الهندية الهامة وذلك ردا على سؤال عن رأيه بهذة الخطوة، قال "أننا لم ندعو إلى المقاطعة وتجميد التعاون الهندي مع اسرائيل إنما نطلب من الحكومة الهندية الضغط على إسرائيل من أجل العودة إلى المفاوضات". عن أي طاولة مفاوضات يتحدث هذا المسئول الفلسطيني، لا أدري؟

وفي شهر أيار من العام 2005 أعلن اتحاد الأساتذة الجامعيين البريطانيين المقاطعة الأكاديمية لجامعتين إسرائيليتين وعلى الفور بدأ اللوبي الصهيوني بحرب عنيفة ضد الأساتذة الذين تصدروا حركة المقاطعة وشكلت حكومة الاحتلال فريقاً للتصدي لهذه المحاولة برئاسة بنيامين نتنياهو، وزير المالية حينئذ. وبعد كل الضغوط التي تعرض لها الاتحاد تم الدعوة لعقد اجتماع للاتحاد للتصويت على هذه الخطوة وفي نفس الوقت وقبل ايام من التصويت فاجأ العالم د.سري نسيبة رئيس جامعة القدس في مؤتمر صحفي في وسط لندن مع رئيس الجامعة العبرية ليعلن موقفة المعارض للمقاطعة الأكاديمية وعن توقيع اتفاقية تعاون بين الجامعة العبرية وجامعة القدس ليحسم بذلك الجدل القائم وتم إفشال المحاولة.

وفي المؤتمر السنوي للبرلمانيين الآسيويين للسلام حيث طلبت سوريا وإيران ولبنان طرد الوفد الإسرائيلي من المؤتمر تصدى لهم الاندونيسيون والوفد الأردني والفلسطيني وتم تثبيت حضور الوفد الإسرائيلي بفضل الموقف الفلسطيني الأردني. وقبل نحو شهر وخلال الاحتفال بالمناسبة العاشرة للاتفاقية الايرو متوسطية الذي عقد في برشلونة وفي الوقت التي كانت هناك مظاهرة ضخمة إحدى أجنداتها الاحتجاج على مشاركة شارون في المؤتمر، شكل مركز بيرس للسلام وبإيعاز من شمعون بيرس نفسه، فريق رياضي مشترك فلسطيني إسرائيلي من رياضيين معروفين من مدينة طولكرم وآخرين إسرائيليين من فرق إسرائيلية مختلفة حيث رافق شمعون بيرس شخصياً الفريق الذي لعب مع فريق برشلونة الاسباني في نفس الوقت الذي يحاكم فيه ناشطون اسبان في برشلونة كانوا قد طالبوا بمقاطعة الفرق الرياضية ونزلوا إلى الملعب باليافطات التي تطالب بمقاطعة الفرق الرياضية الإسرائيلية.

كما تم التصويت في جنيف مؤخرا على انضمام نجمة داود الحمراء إلى الصليب الأحمر الدولي وذلك بفضل اتفاق التعاون الذي وقعه الهلال الأحمر الفلسطيني مع نجمة داود الحمراء الذي سهل عملية التصويت التي عارضهتا 27 دولة عربية وإسلامية. هذا علماً بأن نجمة داود كانت ممنوعة من المشاركة منذ تأسيسها. وفي 13 كانون اول الماضي، تمخض الاجتماع الذي دعت اليه الحكومة البريطانية والبنك الدولي لممثلي القطاع الخاص الاسرائيلي والفلسطيني تمخض عن تشكيل مجموعة عمل مشتركة التي اجتمعت للمرة الاولى في القدس حيث صدر عنهم في لندن بيان مشترك يدعو الى تعاون اقتصادي أفضل وإقامة المشاريع المشتركة بين الطرفين كما طلب من الحكومتين الفلسطينية والإسرائيلية تشجيع المبادرات الاقتصادية المشتركة، مثّل الفلسطينييين في هذا المؤتمر وزير التجارة والصناعة السيد مازن سنقرط ومثل الجانب الإسرائيلي مدير عام وزارة المالية.

أي تضامن دولي نطلبه من العالم ونحن أول من نساهم بإحباط أي محاولة لمقاطعة إسرائيل من الجانب الدولي؟ كيف للعالم أن يقاطع إسرائيل ونحن من نبرم اتفاقيات التعاون ونقدم المؤسسات الدولية لإسرائيل على طبق من ذهب؟ وكيف سيحترم العالم نداءنا ويصغي إلى مطالبنا ونحن أول من يطبع؟ نحن بذلك نشن حرباً على كل من يحاول الوقوف الى جانبنا ويدعم قضايانا وبذلك نحن كمن يطلق النار على نفسه.

من الواضح أن من يقوم بذلك هم زمرة تريد أن تدمر قدراتنا السياسية على التحرك محلياً، وثانياً إحباط أي دعم سياسي دولي لسبب أو لآخر. إذا كان لفئة ما من الشعب الفلسطيني مصالح شخصية في التطبيع مع الاحتلال فإننا نؤكد أن ليس من المصلحة الفلسطينية الوطنية سواء على المستوى القريب أو البعيد أن نتكيف مع واقع الاحتلال. والسؤال المهم هل يستطيع المجتمع الفلسطيني بقواه الوطنية المخلصة والمسئولة إيقاف ذلك أم لا؟ والى متى سنقف متفرجين على استباحة مبادئنا وكرامتنا الوطنية ؟

_____________________

جمال جمعة هو منسق الحملة الشعبية لمقاومة جدار الفصل العنصري (Stop the Wall).