الحريــة الأكاديميــة في سياقهـــا

بقلم:عمــر  البرغــوثي وليسـا تاراكـــي

مقاطعــة الجامعــات الإسرائيليــة مـا زالــت ضـرورة أخلاقيـــة

أطلقت الحملة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل الأكاديمية والثقافية في رام الله في نيسان من العام 2004 على يد مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين رغبةً منهم بالمشاركة في حركة المقاطعة الدولية المتنامية. وفي الثاني والعشرين من نيسان، قرر اتحاد أساتذة الجامعات البريطانية مقاطعة جامعتي حيفا وبار إيلان وذلك بسبب "مشاركتها في السياسات الاستيطانية العنصرية" لإسرائيل. غير أن التجمع الصهيوني الضاغط في بريطانيا تمكن في السادس والعشرين من أيار من إلغاء قرار اتحاد أساتذة الجامعات البريطانية على أساس حجج مضللة. وإذا كان تقديم المعلومات المضللة والتهديد والعنجهية من بين التكتيكات التي  استعملها معارضو المقاطعة للتوصل إلى هكذا نتيجة، تبقى الأداة التي استخدمها هؤلاء بشكل حثيث هي الادعاء بأن المقاطعة تؤثر على الحرية الأكاديمية. فقد حكم على حرية إنتاج وتبادل المعرفة والأفكار بأنه مقدساً بغض النظر عن الظروف المحيطة به.

 

 

هنالك نقطتي ضعف أساسيتين في هذه الحجة. هي أنها منحازة وبشكل غير أصيل باعتبارها للحرية الأكاديمية في إسرائيل الأمر الوحيد ذا الأهمية الذي يعلو في هذا السياق. ففي الحقيقة، فإن الفلسطينيين محرومين من حقوقهم الأساسية كما هم محرومين من حرياتهم الأكاديمية بسبب الاحتلال العسكري الإسرائيلي. ولكن منظرو الحرية الأكاديمية باعتبارها قيمة تفوق كافة الحريات الأخرى هو أمر غير أخلاقي حيال كل واحد من أسس حقوق الإنسان. فالحق في الحياة والحق في عدم الخضوع للسيطرة الاستعمارية على سبيل الذكر لا الحصر لا بد وأن تكون على قدر أعلى من الأهمية من الحرية الأكاديمية. وإذا كان الأخير يقود بأي طريقة إلى إخضاع السابق والحقوق الأكثر أساسية فلا بد له من أن يتداعى. وإذا كان النضال من أجل نيل الأسبق يتطلب قدرا من الضغط على الأخير فليكن ذلك.

هل يمكن اعتبار الحرية الأكاديمية وحقوق الإنسان أمران منفصلان تماماً؟ في معظم الحالات لا، لكن في الوضع الذي يتواصل فيه الاضطهاد ويطول أمد خروقات القانون الدولي وبمساندة المؤسسات الأكاديمية – سواء العلنية أو المبطنة –، عندها فالجواب هو نعم "مدوّية". في أواخر عهد نظام الفصل العنصري عندما قاطع العالم الأكاديميين الجنوب أفارقة كجزء من نظام العزل والمقاطعة الكلّي، وبمباركة الأمم المتحدة كان لا بد من مخالفة قواعد الحرية الأكاديمية أحياناً. كان ذلك مقبولاً على المجتمع الدولي، باعتباره ثمناً معقولاً مقابل مساهمته في هزيمة نظام الفصل العنصري واكتساب المزيد من الحريات الأساسية التي أنكرت على السود الجنوب أفريقيين لأجيال وأجيال. اعتبرت محاربة حرية النهج العنصري والاضطهاد الاستعماري أكثر أهمية من التأثيرات الجانبية غير المرغوبة على الحريات الأكاديمية أو بعض الحريات الأخرى للأفراد والأكاديميين المعارضين لنظام التفرقة العنصرية.

وفي إطار الحالة الإسرائيلية فإن المدخل اللا محدود للأكاديميين الإسرائيليين لمجموعة الباحثين الدوليين ومشاركتهم في التبادل الحر للأفكار، وكذلك المواد العلمية والميزات الاعتبارية  للحياة الأكاديمية، هي ما يدافع عنها معارضو المقاطعة. وكأن رفض المقاطعة من أجل الحفاظ على ما يمتاز به الأكاديميين الإسرائيليين، بينما يتم تجاهل الحقوق والحريات الأكثر أساسية وحيوية للفلسطينيين سواء أكانوا أكاديميين أم لا، هي حالة من اللغو بعبارات المعايير المزدوجة.

لقد تم سوء استخدام مفهوم الحرية الأكاديمية من قبل معارضي المقاطعة، كما أساء فهمه آخرون أيضا. في المجتمعات الديمقراطية تقوم المؤسسة الأكاديمية بالتفحص المتأني للباحثين الذين يمكن أن تفهم كتاباتهم ونشاطاتهم على أنها تحريض على الكراهية والعنصرية. فعلى سبيل المثال، لاقى الأكاديميون الأمريكيون والأوروبيون الذين أنكروا حدوث المحرقة (الهولوكست) أو حاولوا تحدي حقائق مقبولة حولها، إجراءات عقابية صارمة من بعض الجامعات ووجه لهم اللوم من الكليات والاتحادات المهنية. أما في إسرائيل حيث التفرقة العنصرية ضد الفلسطينيين والعرب تصبغ الخطاب والممارسة اليوميين فإن مفهوم الحرية الأكاديمية فضفاضاً لدرجة أنه يتسع لطرح النظريات العنصرية والتحريض على الكراهية وكما يؤيّد التطهير العرقيّ وما هو أسوأ من ذلك.

ليست المقاطعات والحصار الاقتصادي علوماً دقيقة. وهي تؤثر على المؤسسات القائمة التي توفر فرص العمل والخدمات للناس العاديين، و يمكن للكثيرين منهم أن يتأثروا مباشرة بالظلم الذي تحدثه الإجراءات التأديبية. لا بد لأي مقاطعة تهدف إلى إزالة الظلم من إحداث بعض الضرر للأشخاص الأبرياء أثناء تنفيذها. إنه لأمر غني عن القول. ولذا لا بد من اللجوء إلى معايير أخلاقية نحكم من خلالها على الدعوة للمقاطعة والأهداف المرجوة منها، وإذا ما كانت تبرر الضرر غير المقصود الذي سيلحق بالأبرياء. في حالة الجامعات الإسرائيلية  كانت قيمة الأسباب تتميز بالأخلاقية العالية وبكونها ضرورة سياسية ملحّة.

لقد شاركت المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية لعقود طويلة في السياسات الاستعمارية والعنصرية. وبتمويل من الحكومة ساهمت وبشكل عضوي ودائم في المؤسسة الأمنية العسكرية وبذلك تكون قد ساهمت في ارتكابها لجرائم الأخيرة واضطهادها لحقوق الإنسان الفلسطيني وفي نظام التمييز العنصري البائد. وبخلاف الصورة التي صممتها وسوقتها إسرائيل وأكاديمييها المدافعين عنها بمهارة بما في ذلك الأكاديميين الإسرائيليين، والمؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية كونها "معقلاً تنويرياً" وقاعدةً ثابتةً لمعارضة الاحتلال. فالحقيقة هي أن المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية هي جزء من الاحتلال "والترويج السياسي الإسرائيلي الرسمي" على حد قول المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابي، وهو أحد كبار المؤرخين الإسرائيليين الجدد، الذي كشف عن عملية التطهير العرقي المنظم لفلسطين أثناء النكبة.

ولا يدافع الأكاديميون الإسرائيليون عن حكاية دولتهم الاستيطانية فقط، بل يلعبون دوراً نشطاً أيضاً في عملية الاضطهاد. فجميعهم تقريبا يخدمون في قوات جيش الاحتلال الاحتياطية وبهذا يشاركون في، أو على الأقل يشاهدون بصمت جرائم ترتكب ضد المدنيين الفلسطينيين بينما يتمتع مرتكبيها بالحصانة. خلال الثماني والثلاثين سنة الماضية من الاحتلال غير القانوني، لم يعارض الخدمة العسكرية في المناطق المحتلة وبشكل واعٍ من بين الأكاديميين الإسرائيليين إلا نفر قليل. أما المعارضون من بينهم للسياسة الاستيطانية على الأراضي الفلسطينية فما زالوا قلة ضئيلة لا توحي بالأمل.

أما الحريات الأكاديمية في ساحات الجامعات، فهي مبالغ بها وبشكل بشع، وهي محصورة في حدود تضعها المؤسسة الصهيونية، وتحرم من دخولها من يجرؤ على تخطي تلك الحدود وتستبعده دون أي محاسبة. أما الهدف الآخر لمعارضي المقاطعة الأكاديمية فهو "محاولة توفير طريقة للتفوق على النقاش العلني غير المحدود" وبكلمات أورين بن دور وهو أكاديمي بريطاني إسرائيلي الأصل: "إن مثل هذه الحرية هو بالضبط ما يغيب في إسرائيل".

ومن هذه الزاوية ينظر إلى المقاطعة باعتبارها توفر حرية أكاديمية حقيقية. "إن الأيديولوجية الصهيونية والتي تشترط بأن تحتفظ إسرائيل بأغلبية يهودية هو أمر غير خاضع للنقاش في الدولة، وهي التي تشكل الأساس الصخري الصلب لمعارضة السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين. فيما أطلق على القلة القليلة من المثقفين الذين تجرئوا على بحث مسائلة تلك البقرة المقدسة صفة "المتطرفين". يهاجم بن دور هؤلاء من اليسار الإسرائيلي الذين يعارضون المقاطعة ويصف موقفهم بأنه "انصياع لبق لخنق النقاش".

أما بالنسبة للمسؤولية الفردية للأكاديميين الإسرائيليين فهي المساءلة المنهجية العلمية لمدى شرعية لوم المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية على الجرائم التي ترتكب ضد الشعب الفلسطيني. الأمر الذي سيكشف عن الكثير من الإثباتات الدامغة على مسؤولية المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية. وحتى باروخ كيمرلينغ، الأكاديمي  الإسرائيلي المعروف عارض المقاطعة الأكاديمية. وقد كتب: "سأكون أول من يعترف أن المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية هي جزء لا يتجزأ من الدولة  الإسرائيلية الضالة، التي ارتكبت جرائم صارخة ضد الشعب  الفلسطيني". أما استجابة إسرائيل الهستيرية لاحتمالات المقاطعة الأخيرة والتي تمثلت باندفاع بنيامين نتنياهو تجاه تنفيذ مهمة محاربة المقاطعة الأكاديمية والنقاش المعمق، الذي نشأ حول احتلال إسرائيل غير الشرعي وأشكال الاضطهاد الأخرى التي تمارسها إسرائيل، يشير إلى نجاح في  تصوير إسرائيل كدولة تستحق المقاطعة، وقد لامس ذلك أحد الأعصاب الإسرائيلية الملتهبة. وبكسب هذه الجولة في عملية المقاطعة أثبتت إسرائيل مرة أخرى ما هو معروف بشكل واسع، وهو أن اللوبي الإسرائيلي يمتلك ما يكفي من النفوذ في الأوساط الإعلامية والأكاديمية لتجنب تنفيذ التزامات إسرائيل التي ينص عليها القانون الدولي. ومع ذلك تبقى الحقيقة الواقعة أن جدار إسرائيل الاستعماري ومستوطناتها المستمرة في التوسع، وقتلها للمدنيين الفلسطينيين دون تمييز، وسرقتها البشعة للأرض ومصادر المياه، وتجاوزاتها لحقوق الإنسان الفلسطيني تبقى حقيقة أكبر من أن ينكرها المجتمع الدولي.

وكما هو الحال في جنوب أفريقيا، فان نظاما شاملا من المقاطعة وسحب الاستثمارات والحصار يبقى، ليس فقط أكثر السياسات فاعلية، ولكنه أكثرها سلامة وأخلاقية وبكونها أكثر الاستراتيجيات سلمية لفرض انصياع إسرائيلي كامل للقانون الدولي.

_________________________

عمر البرغوثي هو باحث مستقل، وليسا تاراكي هي أستاذة علم الاجتماع في جامعة بير زيت. كلاهما عضوان مؤسسان للحملة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل الأكاديمية والثقافية. نشر هذا المقال أساسا في صحيفة الأهرام، وأعيد طباعته في مجلة المجدل التي يصدرها مركز بديل باللغة الانكليزية، العدد 26، صيف 2005. للمزيد من المعلومات حول الحملة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل الأكاديمية والثقافية، أنظر الى موقعها على شبكة الانترنت www.boycottisrael.ps