المقاطعـة أداة ناجعــة لمقاومــة التمييــز العنصــري

بقلم:نتــالي بـوردو 

العدد 729 الموجود على شيفرة القضبان (دولة المنشأ) التي تميز البضائع المختلفة، تعني "صنعت في إسرائيل". ومنذ انطلاقة الانتفاضة الثانية تنامت الكثير من حملات المقاطعة ضد البضائع الإسرائيلية في كافة أرجاء العالم، للاحتجاج على مخالفة إسرائيل للقانون الدولي في الضفة الغربية وشرقي القدس وقطاع غزة. وهنالك عدداً متزايداً من المؤيدين من ضمنهم المنظمات غير الحكومية وشخصيات اعتبارية مشهورة وجامعات وحتى أحزاب سياسية بدأت بالدعوة للمقاطعة الثقافية الأكاديمية والرياضية والمقاطعة التجارية أو شاركت بها فعلا. هل يعني ذلك أن كل حملات المقاطعة تحظى بالتأييد الواسع؟ الجواب هو لا. ومع ذلك، إذا ما اجتمعت جميعاً وأضيفت إلى سحب الاستثمارات والحصار الاقتصادي ومقاطعة البضائع التي تنتجها الدول التي تخالف القانون الدولي، فإن بإمكانها أن تتحول إلى أداةٍ نضاليةٍ سلميةٍ وفعّالة. ولا تستعمل تلك الأدوات الثلاث "للعقوبة والنبذ" فقط ولكن "للفت أنظار" المجتمع الدولي لمخالفات ترتكب ضد مبادئ حقوق الإنسان والقانون الإنساني.

"إن التركيز على المقاطعة فقط قد يشكل خطأ" يقول بنغاني نيغليزا حيث كان هو وأسته منخرطين بشكلٍ نشط في نضال المؤتمر الوطني الإفريقي في جنوب أفريقيا. "لأن تجربتي تفيد بأن كافة الأدوات كانت مهمة في جنوب أفريقيا، فقد كانت المقاطعة تأخذ نفس قدر أهمية الكفاح المسلح.  وأما الفاعلية فتكمن في الدمج بين كافة تلك الأدوات. إن هنالك تأثراً نفسياً هائلاً سيحدث عندما تكون هدفاً لحملة مقاطعةٍ أو سحب استثمارات. فالمقاطعة تضفي على السلع والشركات صورةً سلبيةً غير مرغوبٍ بها". (أنظر الى مقال "جنــوب أفريقيــا وفلسطيـن/إسرائيــل في سيــاق حمــلات المقاطعــة").

قامت أدري نيوهوف كانت عضواً في اللجنة الهولندية حول جنوب أفريقيا أثناء فترة الفصل العنصري، بمشاركة بنغاني نيغليزا بإدارة جلسات تدريب للمنظمات غير الحكومية من الأراضي الفلسطينية المحتلة وهضبة الجولان السورية، لطرح موضوع المقاطعة في سياق أفريقيا وخاصة جنوب أفريقيا. تقول نيوهوف حول مقاطعة الهولنديين لقهوة صنعت في أنغولا: "نجح الداعون للمقاطعة في الربط بين الوضع الرهيب في أنغولا والسلعة نفسها. وبعد عام واحد لم يشتر الهولنديين أي قهوةٍ من أنغولا. يحدث سحب الاستثمارات تأثيراً مشابهاً. وكما تستجيب الحكومات لضغوطات المقترعين، فإن الشركات تستجيب أيضا لضغوطات المساهمين بها."

المقاطعـة تشمــل كافـة مناحــي الحيــاة

تركز الكثير من حملات المقاطعة التي تستهدف البضائع الإسرائيلية على المنتجات التي تصنّع في المستوطنات (أي المستوطنات التي تقام على الضفة الغربية المحتلة وشرقي القدس وقطاع غزة) مثل مواد التجميل والنبيذ والألعاب والمئات من المنتجات المختلفة التي يساهم تسويقها في إضفاء الشرعية على المستوطنات التي قررت محكمة العدل الدولية بأنها غير شرعيةٍ في ضوء القانون الدولي. وفي معظم الأحيان يجهل المستهلك من خارج إسرائيل مصدر هذه البضائع. فتحديد أيٍ من البضائع تصنع في إسرائيل وأي منها ينتج في المناطق المحتلة يصبح أمراً أكثر صعوبة، حيث أن كافة البضائع مميزة بعبارة "صُنع في إسرائيل"، مع أنه يفترض منذ منتصف العام 2004 أن تحمل السلع الإسرائيلية المصدرة إلى الاتحاد الأوروبي اسم القطر والمدينة التي تنتج فيها.

على العموم، هنالك الكثير من المعلومات المتوفرة على صفحات  الإنترنت حول البضائع الإسرائيلية ومكان إنتاجها. فبعض المواقع الإلكترونية مثل صفحة المنظمة غير الحكومية الإسرائيلية "غوش شلوم"، (معسكر السلام) تعرض قائمةً مكونةً من مئات السلع المصنوعة في مستوطناتٍ تقع في المناطق الفلسطينية المحتلة. أما بعض الحملات الأخرى مثل حملة قاطعوا البضائع الإسرائيلية (BIG)، فإنها تعرض قوائم مفصلةٍ لسلع تنتج في إسرائيل وفي مستوطناتها أيضاً. وكذلك الأمر بالنسبة للحملات الدولية التي تؤيد الاستيطان والاحتلال. وبما أن مصدر السلعة الأصلي غير محدد بشكلٍ دقيق فإن الكثير من الحملات تدعو ببساطة إلى مقاطعة كافة السلع التي تنتج في إسرائيل. وهنالك حملات أخرى تدعوا لمقاطعة المؤسسات التي تؤيد الاحتلال بشكل مباشر أو غير مباشر. (أنظر في هذا العدد مقال "الحرية الأكاديمية في سياقها").

ويمكن التعرف على المنتجات الإسرائيلية ببساطة عن طريق شيفرة القضبان (دولة المنشأ) التي تبدأ بالأرقام الثلاث "729". وبهذا يمكن التعرف على البضائع الإسرائيلية خلال ثوان بصرف النظر عن المعلومات الموجودة على العبوة. بعض السلع المنتجة في إسرائيل والتي تستهدفها المقاطعة هي أسماء تجارية معروفة في البلدان الغربية مثل "كرمل" (CARMEL) (خضار وفواكه) وكذلك المنتج "ابي ليدي" IPILADY وهو مستحضر نسائي لإزالة الشعر. وأيضا  AGRO FRESH (الخيار) ومنتوجات "جافا" JAFA  للخضار والفواكه. وتستهدف المقاطعة أيضا الحملات الدولية التي توفر الدعم المالي للمصنعين الإسرائيليين أو تقدم المعونة للقوات العسكرية الإسرائيلية، ومن ضمن هؤلاء "كوكا كولا" و"لوريال" "وإيستي" ESTEE LAUDER و"دانوني" وكذلك LEVY STRAUSS  و CELIO و CATER PILLAR.

الصبـر والتعبئـة من الداخــل مطلوبيــن

تتطلب حملات المقاطعة الصبر والعمل الجاد. ولا تتكلل بالنجاح فوراً في كل الحالات. فقد قرر "هارود" وهو أحد المتاجر الضخمة الواقعة في لندن، إزالة بعض السلع التي تنتجها المستوطنات الإسرائيلية من على رفوفه بعد أن أحاطه المجلس العربي البريطاني لتطوير التفاهم المشترك (CAABU)  علماً بمصدرها، وذلك في العام 2002، وكان من بين تلك السلع حلاوة "أحافا" وكذلك  "بيغال" BEGAL و "بيغال برتزل" BEGAL PRITZEL والتي تنتج في منطقة برقان الصناعية الواقعة في الضفة الغربية المحتلة وخمور "ياردن" والتي تنتج في مستوطنة كاتسرين الواقعة في مرتفعات الجولان. وبالرغم من أن متجر "هارود" قد تراجع عن خطوته إثر الضغط الذي تعرض له على يد السفارة الإسرائيلية، إلا أن حملة المقاطعة ظلت بعيدةً كل البعد عن الفشل، بعد أن قرر "هارود" أن يوضح المصدر الدقيق لتلك السلع الموجودة على رفوفه.

"لقد مرت أكثر من 25 سنة بين الدعوة الأولى للمقاطعة في العام 1959، وبين الاستجابة النهائية للمجتمع الدولي في منتصف الثمانيات" هكذا قال بنغاني نيغليزا. "إنها لعملية طويلة قبل أن تجني نتائج ملموسة". لقد أوضح كلاً من نيغليزا ونيوهوف أهمية التعبئة الداخلية باعتبارها مفتاحا لنجاح أي حملة مقاطعة. "بدأت حملة المقاطعة في جنوب أفريقيا بداخل القطر حيث بدأها المستهلكون أنفسهم. ومن الأهمية بمكان أن نؤكد على ذلك لأنه دون مشاركة الجماهير من داخل القطر يصعب نشر رسالة المقاطعة خارج القطر. "وأما بالنسبة لجنوب أفريقيا كان من الواضح أنه لا يمكن للناس أن يتوقفوا عن شراء المواد الغذائية الأساسية ولكننا نجحنا في إقناعهم بمقاطعة بعض السلع لمدة أسبوع واحد مثلاً. وبعد ذلك اجتمعنا بمنظمات حقوق الإنسان والكنائس والاتحادات الطلابية والمجموعات النسوية وكذلك المنظمات التجارية من كافة أرجاء القطر. كان النجاح بالنسبة لنا لا يقاس بعدد الأفراد الذين يشاركون في المقاطعة ولكن بمدى التغطية الإعلامية التي يحظى بها الحدث، الأمر الذي زودنا بمصداقية أكبر وأظهر مدى صلابة المقاومة في داخل البلد وبفضل تلك الخطوة الأولى نجحنا في إرسال الرسالة إلى خارج البلد حيث بدأت حركة التضامن الدولية".

______________________

نتالي بوردو هي صحفية ومصورة فرنسية، عملت في العام 2005 في بديل/المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين. نشر هذا المقال أصلا باللغة الإنجليزية في مجلة المجدل التي يصدرها مركز بديل، عدد 27، صيف 2005.