أوباما وفلسطين والبحث عن تغيير حقيقي

كثيرة هي آمال وتوقعات العالم العربي من الرئيس الأمريكي الجديد، ربما لأن سلفه كان يعتبر من قبل الكثيرين سيء جدا؛ فبالنسبة لما كان عليه الرئيس جورج دبليو بوش، يبدو الرئيس أوباما كانقلاب جيد في كل شيء، من لون بشرته وحتى الشعور بسياساته.

 وبعد كل ما فعله بوش في الإشراف على واحدة من أكثر المراحل دموية في التاريخ الفلسطيني المعاصر؛ فقد ورث الانتفاضة في شهرها الرابع، وسمح لإسرائيل لبذل أوسع جهودها التاريخية للقضاء على انتفاضة الأقصى والحركة الوطنية الفلسطينية ومقاومتها، وكانت إسرائيل فخورة بالإعلان عن تلقيها ضمانات من قبل الرئيس بوش؛ بأن الولايات المتحدة الأمريكية تعترف بها "كدولة للشعب اليهودي"، وتتفهم بأن الكتل الاستيطانية الكبرى ستبقى مع إسرائيل في أي اتفاق نهائي.

 في هذا السياق؛ كانت الخطوة الأولى للرئيس أوباما لتغيير مسار السياسة الخارجية الأمريكية خلال خطابه في القاهرة، حيث طلب وقف البناء في المستوطنات الإسرائيلية، وبدا ذلك قويا من حيث التبرير، إن لم يكن ثوريا، إنه تغيير كامل ومفاجئ. ويرى المتفائلون بصيصا نحو إمكانية أن تكون هذه هي الخطوة الأولى فقط لإجبار إسرائيل للعودة إلى المفاوضات؛ حيث جعبتها المفرغة من الأوراق ستصبح مكشوفة.

 يوجد ثلاث إشكاليات رئيسة في هذا النوع من المناقشة:

 الأولى، أنها تفتقر إلى الإحساس بالسياق التاريخي للأحداث التي تساعدنا على رؤية أين نقف فعليا فيما يتعلق بإحراز حقوقنا الوطنية التاريخية، وأهمها على الإطلاق، حق العودة.

 عدد قليل جدا من الفلسطينيين يعي حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية؛ كانت في نهاية أربعينييات وبداية خمسينييات القرن الماضي قد دعمت فعليا حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وهذا يبدو غير معقول اليوم؛ ولكنه يعطي فكرة عن المنظور المتعلق بالسؤال: كم نحن بعيدين اليوم عما كنا عليه في يوم ما؟

 ولا أحد يمكنه الزعم اليوم أن "عروض السلام" المقدمة من الولايات المتحدة وإسرائيل – حتى تلك التي قدمت في الفترة الماضية إن وجدت – كانت قريبة جدا من تحرير الأراضي المحتلة عام 1967، أو ضمن نفس السياق، كانت متضمنة ما يمكّن من تحقيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين. وبعجالة، يجب أن نعترف أنه في نهاية إدارة بوش؛ كانت القضية الفلسطينية في أسوأ أوضاعها منذ عقود.

 وفضلا عن ذلك، وناهيك عن التشتت والانقسامات الداخلية، فإن موقفنا الإقليمي في مواجهة الولايات المتحدة تم إضعافه بشكل خطير، فالعالم العربي لم يعد يمثل العمق الإستراتيجي لقضيتنا، وقاعدة التمويل والدعم السياسي والمعنوي. فبالرغم من إثارتها لمعارضة كبيرة من جراء مساعيها الاستعمارية في العراق وأفغانستان، ونبشها لمشاكل اقتصادية هامة على طول الخط، فان سياسات بوش الابن وضعت بوضوح سياسة الهجوم العدوانية للامبريالية الأمريكية قيد التنفيذ، وسمحت لإسرائيل بإحداث المزيد من الضرر على الصعيد الإقليمي. ومع ذلك؛ ظلت الولايات المتحدة، وبدون منازع، الدولة الأكثر نفوذا التي تتدخل في الإقليم.

 وبالتالي، إذا كانت مناورات أوباما تمثل حقا تحولا في السياسة الخارجية الأمريكية، فإنها لا يمكن أن توصف في الوقت الحالي أكثر من أنها تبعدنا خطوة واحدة إلى الخلف عن الهاوية. وهذا يذكرني باقتباس للثوري الأمريكي – الأفريقي العظيم "مالكولم X" الذي قال مرة: "لا يمكنك أن تغرس سكينا بطول 12 بوصة في ظهر رجل، وتسحبها ست بوصات، ثم تقول أننا نحرز تقدما".

 والمشكلة الثانية في النظر لأوباما بتفاؤل بدون تمحيص، هو أن ذلك يبعدك عما يقوله أوباما نفسه فعليا. فحتى الآن؛ لم يعط أوباما أي مؤشر على أنه سوف يبتعد بصورة أساسية عن أي من ثوابت السياسة الأمريكية في المنطقة. فهو يصف علاقات الولايات المتحدة بإسرائيل بأنها "لا تتزعزع"، ويغازل النظم الديكتاتورية العربية التي هي مفتاح بقاء الوطن العربي مجزءا، وغير ديمقراطي، ومجالا للنفوذ والهيمنة الامبريالية الغربية. وبالتالي يبقي فلسطين الساحة الرئيسية لشقي الإستراتيجية الامبريالية للحفاظ على العالم العربي خانعا ومستباحا. وعليه، فان النطاق الواسع لقضيتنا من حيث الأثر، والمحتوى، والمغزى، وسواء كان ناشئا بفعل الكفاح من أجل تقرير المصير، أو الكفاح ضد الاستعمار والعنصرية التي تمثلها الحركة الصهيونية، من المتوقع أن يمحى عبر هذا الاندماج في الهيمنة.

 صحيح أن اوباما قد اعترف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة؛ ولكن صحيح أيضا أنه لم يحدد معالم لما يعنيه ذلك، وهذا يضعه أساسا، ومن الناحية التاريخية في نفس الصف مع بوش، كلينتون وشارون؛ الذين سجلوا جميعهم دعمهم لإقامة "دولة فلسطينية". والواقع أن الـ"دولة فلسطينية" تبدو أكثر فأكثر مثل سفينة أمريكية – إسرائيلية للتخلص من ويلاتهم الإستراتيجية المتمثلة في صمود واستمرار الشعب الفلسطيني على أرضه، وشوكة ديمغرافية وأخلاقية في خاصرة مفهوم "الدولة اليهودية".

 وبالإجمال، ليس لدينا أي مؤشر على أن الرئيس أوباما قد أقدم على تغيير أساسي قد يغير استراتيجيا السياسة الأمريكية في المنطقة، بل لدينا مؤشرات على أن السياسة الأمريكية يجري تنقيحها تكتيكيا؛ وذلك لتلبية مجموعة متنوعة من التحديات الناتجة عن مبالغات إمبريالية في عهد بوش؛ حالة الإفلاس المالي، ومقاومة الشعب الفلسطيني والعربي. والأسلوب البليغ لأوباما في "الغموض البناء" مناسب بكل تأكيد لهذا الغرض، ولكن من المبكر جدا – ومن غير المسؤولية أيضا – أن نقول شيئا أكثر من ذلك.

 نقطة أخيرة لا بد من إضافتها هنا: إذا لم يحدث هنا تغيير استراتيجي، فهذا يعني أساسا السماح للصهيونية بالاستمرار في مشروعها لتطهير الفلسطينيين عرقيا والمتواصل منذ عقود سواء بشكل صامت وغير مباشر كاثر للمعاناة الحياتية تحت الاحتلال غير المحتملة، أو بفعل  الحملات العسكرية التي تعمل إسرائيل على هندستها باستمرار. والخلاصة أن الوضع الراهن لا يشكل بداية.

 أما العيب الثالث والأكثر أهمية في التفاؤل تجاه الرئيس أوباما؛ فيتمثل من حيث المبدأ في فكرة النظر لأوباما، في المقام الأول، وكأنه الشخص الذي يمتلك مفاتيح إحراز حقوقنا الوطنية التاريخية.

 صحيح أن للولايات المتحدة تأثير هائل على إسرائيل وعلى العالم العربي عموما، وإذا كانت ترغب في ذلك يمكنها أن تضع إسرائيل في الزاوية؛ من خلال قطع المساعدات العسكرية والمالية وإلغاء الحصانة الدبلوماسية عن إسرائيل. ولكن، لماذا التوقف هنا؟

 نظريا، تستطيع الولايات المتحدة غزو إسرائيل، نزع سلاحها، وإنهاء احتلالها بالقوة (أليس هذا ما فعلته مع العراق خلال حرب الخليج 90-1991؟)؛ وتستطيع تطبيق القانون الدولي بالقوة، عبر السماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى أراضيهم وبيوتهم (أولم تدعي الولايات المتحدة أن تدخلها في كوسوفو كان بهدف تمكين اللاجئين من ممارسة حقهم في العودة؟)

 وإذا كان هذا التصور يبدو فكاهيا هذه الأيام، فذلك راجع إلى أننا أصبحنا معتادين على علاقات القوة السائدة، حيث ألفنا/اعتدنا الهزيمة.

 الواقع أن التاريخ ليس مجرد قصة "الرجال العظماء" الذين يصنعون فيه ما يشاءون، وأوباما ليس خارج التاريخ، بل هو جزء من صيرورته، وهو من الناحية الهيكلية الحاكم – والمدافع – عن الإمبراطورية الأمريكية. ولهذه الإمبراطورية مصالح دائمة تشكل العمود الفقري للثروة والقوة الأمريكية، وهي متأصلة في مصالح الرأسمالية الأمريكية؛ المتجسدة من خلال الصراع بين شركاتها وبين منافسيها في أوروبا وغيرها في أماكن أخرى من العالم. وحتى لو رغب أوباما في التراجع استراتيجيا على جبهات مختلفة في سياسته الخارجية، والسياسة تكره الفراغ؛ فلا يوجد أي ضمانات أن قوى أخرى مع طموحاتها الإمبريالية لن تحاول ملء الفراغ، وسيفعلون ذلك وفقا لما تتطلبه مصالحهم في فلسطين، وليست وفقا لمصالحنا نحن.

وفي هذا الصدد؛ لا يوجد بديل عن سياسة الاعتماد على الذات الفلسطينية، لعدة عقود بدا نضالنا للقوى الأخرى بأنه قريب من تحقيق أهدافه، وفقط مع ايلاء اهتمام ثانوي لبناء قوتنا مؤسسيا، سياسيا، ماليا وعسكريا. وللأسف الشديد اليوم؛ أن السلطة الفلسطينية بقيادة أبو مازن لا زالت تتطلع للاتحاد الأوروبي وأمريكيا من أجل الدعم المالي والسياسي. والسلطة الفلسطينية بقيادة حماس في غزة تتطلع لإيران إلى حد كبير.

 ستة عشر عاما من "عملية سلام" فاشلة تحوي ما يكفي من الأدلة بأن الإستراتيجية الأولى لم تصل لأي مكان. ولكن ماذا عن الثانية؟ تستطيع حماس أن تجادل بشكل صحيح أن نتائج برنامجها لا زال ينبغي النظر إليها رغم أن فوزها الشرعي في الانتخابات الديمقراطية تم إحباطه بصورة مسبقة من قبل إسرائيل من خلال اعتقال ممثلي حماس في التشريعي، وعبر الدعم الغربي لمقاطعة الحركة. ولكن في المقابل ينبغي سؤال حماس: ماذا الذي كان سيحدث لإستراتيجيتها فيما لو أدت الاضطرابات الأخيرة في إيران الى إسقاط السلطة الحالية، ووضع نهاية للدعم الإيراني الرسمي؟

 والواقع، أنه انعدام للمسؤولية بالنسبة لأي كفاح تحرري، وبخاصة لحركة تدعي أنها تريد تمثيل حق فردي وجماعي هام مثل حق العودة؛ أن تضع رهاناتها على أي أحد، فالرهان يجب أن يكون فقط على الذات. والشعب الفلسطيني الذي أكثر من ثلثيه لاجئين، ينبغي أن يكون القاعدة الموجهة لنضالنا. وبدون ذلك لن نصل إلى أي مكان.
لقد فقدت القضية الفلسطينية حيويتها على جبهات عديدة جدا، فثقافة الاعتماد على الغير والانتفاع (لأننا "نحن ضحايا") قد طغت على صفوفنا. والآن هذا هو الوقت المناسب للعودة خطوة للوراء من أجل إعادة تقييم ما هي قوتنا الفعلية، وكيف نبني عليها؟

 على سبيل المثال، الشتات الفلسطيني يجرى تجاهله إلى حد كبير، أو هو غائب عن المشاركة في أي عملية لصناعة القرار الوطني الفلسطيني، ومحليا في شوارع رام الـله أو بيت لحم؛ لا يوجد شعور بالمصلحة العامة، وإنما كل شخص يهتم ويدافع عن مصالحه، وينظر لتطوير بنيتنا التحتية وحتى قدراتنا البشرية على أنها مجالات عمل مربحة من قبل ذوي المصالح الخاصة ورجال الأعمال والمنظمات غير الحكومية. أجزاء كبيرة من القطاع العام تمت خصخصتها على يد رجال أعمال فلسطينيين أو عرب. فهل حدث في أي مكان آخر في العالم جرى فيه خصخصة موارد القطاع العام، الشبكات والصناعات قبل التحرير؟

 بالطبع، يوجد الكثير من الأشياء التي ينبغي الإشارة إليها كأسباب لضعفنا، والتي يجب أن لا نسقطها من اعتبارنا؛ فالاحتلال والتهجير ليس حالة طبيعية، ولا يمكن أن يختفي بالنقاشات الذكية، ولكن النقطة المهمة هي أنه حتى الموارد التي كنا نمتلكها لحركتنا التحررية ولأولويات شعبنا يجري إهدارها؛ لأن الأولويات التي يجري الترويج لها من خلال نظمنا الخاصة فشلت في تعبئة طاقاتنا وإمكاناتنا، وفي تعزيز وحدتنا وقضيتنا الجماعية.

 وبدون تطوير دعامات المصلحة المشتركة المتعلقة بمعظم احتياجاتنا الأساسية – الصحة، العمل، التعليم، الإسكان الميسر، الأماكن العامة والمؤسسات الثقافية – تبقى هناك فرصة ضئيلة لكي نكون قادرين على الالتفاف والانتظام حول المصالح المشتركة لحقوقنا السياسية. وقضية مثل قضية تنفيذ حق العودة تتطلب مستويات عليا من الحنكة، والقدرة الكفاحية فهل نبني مجتمعا يعمل صوب هذا الهدف؟

 إن معالجة الاحتياجات اليومية ليست بديلا عن التنظيم الوطني، ولكن التنظيم الوطني بدون طرح ومعالجة الاحتياجات اليومية هو أيضا ليس تنظيما وطنيا، بل هو عملية تحويل للصراع المستند إلى احتياجات مادية حقيقية إلى شعارات، حيث ستجد في هذه الحالة، أن الناس الذين تدعي تمثيلهم سوف يتعبون ويضجرون منك، والعالم الذي تطلب منه الدعم سوف يتجاهلك.

  ---------------------------

* توفيق حداد: باحث لدى مركز بديل، وكاتب فلسطيني له العديد من الإصدارات منها: نحو أممية جديدة: قراءات في العولمة، إسرائيل والفلسطينيون وحرب الولايات المتحدة على "الإرهاب".