من أجل تجسيد حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ومن أجل سلام حقيقي: ليكن حق العودة أولاً!

 

بعد مرور حوالي عشرين عاما على مسيرة التسوية الحالية التي انطلقت من مؤتمر مدريد؛ لا بد من طرح الأسئلة الكثيرة المتعلقة بحقوق شعبنا وحياته؛ والتي كان على هذا الخيار أن ينجزها أو يتقدم باتجاهها. أسئلة للمراجعة والتقييم؛ مثل أين كنا، أين نحن الآن؟ وإلى أين نتجه أو ينبغي أن نتجه؟ وهنا نحصر الموضوع في أهم حق ثابت من حقوق الشعب الفلسطيني، وهو حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم الأصلية، وهو جزء من حق تقرير المصير ويمثل المغزى العملي الذي يجسد حق تقرير المصير؛ فماذا أنتجت مسيرة عشرين عاما في هذا الاتجاه؟

 ومن المعروف أن قضية اللاجئين تم تأجيلها لما يسمى بمفاوضات الوضع النهائي؛ شأنها في ذلك شأن المستوطنات، القدس، والحدود؛ ومن المعروف أيضا، أن أحد الانجازات التي فرضتها إسرائيل خلال اتفاقات أوسلو هو أن المفاوضات والاتفاق بين الطرفين هي المرجعية لكافة القضايا المختلف عليها، وبأن التدخل الدولي يقتصر على دعم ما يتفق عليه الطرفان، بما في ذلك مؤسسات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، الذي أصبحت مهمته إصدار بيانات التأييد لما يتفق عليه الفلسطينيون والإسرائيليون. وباتت إسرائيل تعتبر أي مواقف أو تدخلات خارجية هي مساس  بما هو متفق عليه ثنائيا وبعملية المفاوضات، وحتى النظام القضائي والمحكمة العليا الإسرائيلية وجدت في ذلك غطاء لرفضها النظر في العديد من قضايا جمع شمل العائلات وتشتيتهم بين الداخل والخارج؛ معتبرة ذلك شأنا سياسيا ينظر فيه من خلال المفاوضات الثنائية واللجان المختصة بين الطرفين؛ وحتى لو كانت مثل هذه اللجان غير موجودة أو لا يوجد هناك مفاوضات على الإطلاق. لقد بدأت السياسة الإسرائيلية تحيل كل أمر تريد التهرب من مسؤوليتها القانونية فيه إلى المفاوضات الثنائية. هكذا تجري الأمور فيما يخص القضايا الفردية والإنسانية الخاصة بحق الإقامة الدائمة في الوطن، أو حق زيارة الأسرة. فماذا عن الحق الجامع الجوهري والثابت بغض النظر عن وجود قرارات دولية أو عدمها، وهو العودة وتقرير المصير؟ لقد أصبح هذا خلال هذه المسيرة مرهونا بكثرة اللاعبين مما يتيح للإسرائيليين المزيد من حرية المناورة؛ وبخاصة ظهور قصة إقامة "دولة فلسطينية" تعيش بسلام جنبا إلى جنب مع إسرائيل!

" دولة فلسطينية" أو "كيان فلسطيني" على المقاس الصهيوني

لقد بات من المعروف في السنتين الأخيرتين أن المطالب الفلسطينية تتركز على عودة الأمور إلى ما قبل 28 أيلول 2000؛ كما أصبح التركيز بعيدا عن عناوين مفاوضات ما سمي بـ"الوضع النهائي"، والتي أهمها على الإطلاق موضوع اللاجئين؛ الذي أصبح لازمة يشار إليها عند الحديث عن إقامة الدولة بعبارة و"حل متفق علية لقضية اللاجئين وفقا للقرار 194". وأن الحالة الفلسطينية المنقسمة والمجزأة، وليس فقط جغرافيا وفصائليا – غزة والضفة وفتح وحماس – بل التقسيمات والتجزئة والانقسامات والخلافات بكل أنواعها وفي كل المجالات، فاسحة الطريق للمزيد من التدهور. لماذا الـ"دولة فلسطينية"في ضوء المعطيات الراهنة حتى وإن كانت على كامل أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، هي مصلحة صهيونية أو قل مفصلة على المقاس الصهيوني؟ أولا: لأن الصهيونية لا تقبل الآخر، ولا تريد أن تعيش أو تتعايش معه؛ فعندما أصبحت فرصة طرد الفلسطينيين بشكل مباشر تواجه صعوبات كبيرة؛ كان لا بد لبناة المشروع العنصري الصهيوني، أن يجدوا طريقة للتخلص فيها من السكان الفلسطينيين أو معظمهم مع تنازل عن جزء من الأرض، وهو الحل المتاح أمامهم في المدى المنظور. ولهذا عمل شمعون بيرس، يوسي بيلين، وعامي أيلون، ومن ثم شارون وكاديما، وحاليا نتنياهو على تبنى هذا الخيار، وإن بدون حدود واضحة المعالم، مع طموحات لبقية النخبة العنصرية الحاكمة المتطرفة بان يلحق بالكيان الفلسطيني معظم الفلسطينيين في داخل الخط الأخضر؛ ضمن عملية تبادل أراضي مع السلطة الفلسطينية. كما أن العمل من أجل الـ"دولة الفلسطينية" أصبح مرهونا بالعمل على فكرة "يهودية الدولة" أو "دولة الشعب اليهودي"؛ وهو ما يعني تحديد نتائج المفاوضات مسبقا قبل أن تبدأ الجولة الأولى، وخاصة موضوع اللاجئين، مثلما حدث في اتفاقيات أوسلو. ومن ثم فان رهن التنفيذ باتفاق الطرفين، أي بالإرادة والنوايا الإسرائيلية؛ يعني أن حق العودة يعالج في إطار "الدولة الفلسطينية" التي سوف تقام نظريا. والسؤال: هل من الممكن للدولة المقترحة ضمن حدود ما أن تكون قابلة للحياة أصلا؟ ثم هل ستكون قادرة على حل مشكلة اللاجئين؟ أو بشكل أدق، وبصرف النظر عن الرغبات أو النوايا، هل ما يمكن أن ينتج المرحلة الحالية من كيان يتفق مع مضمون الحقوق الوطنية الفلسطينية؟ 

بالتأكيد يوجد قطاع من النخبة الفلسطينية الاجتماعية والاقتصادية التي ترتبط مصالحها بإقامة مثل هذا الكيان الفلسطيني، ومهما كانت معالم هذا الكيان، المهم أن هذا الكيان يلبي مصالحها وتستطيع أن تضاعف أرباحها وتكون مطمئنة على استثماراتها، وتكون قادرة على الحصول على المزيد من عروض الخصخصة لخدمات القطاع العام، مثل المياه والكهرباء والاتصالات ...الخ. وفي أكثر المجالات حيوية لصمود شعب تحت الاحتلال، والحق أن أسعار هذه الخدمات كلها أعلى بكثير مما هي عليه في إسرائيل، رغم أن مستويات الدخل في إسرائيل هي أضعاف ما هي عليه في الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وجزء كبير من هذه النخبة الاقتصادية الاجتماعية الفلسطينية ترتبط مصالحها التجارية [معظمها تجارية] بالسوق الإسرائيلي؛ وهي نفس النخبة التي تراهن إسرائيل عليها مستقبلا لتولي السيطرة على الكيان الجديد من الناحية السياسية والأمنية، بعد أن تحكم القبضة من الناحية الاقتصادية، ثم تؤسس لقاعدة اجتماعية لمشروعها. وهي قابلة للتعامل المرن مع الأيديولوجية الدينية والإسلام السياسي المعتدل، تماما مثلما تتعامل الآن مع الليبرالية.

ولا شك أن التهميش الذي يشعر به اللاجئون في داخل الوطن وفي الشتات في الحياة السياسية الفلسطينية، بعد أن كانوا وقود الثورة وصناعها، كما حياة البؤس والحرمان مع انتشار الثقافة النفعية الفردية، والعيش على المساعدات الخارجية والخيرية، كلها تؤشر بوضوح إلى ماهية النظام السياسي والإداري المقترح للكيان الفلسطيني.

من سياسة طمس الحدود إلى الحدود المطموسة بالجدران العنصرية

أبقت عملية أوسلو الحدود بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل موضوعا لمفاوضات الوضع الدائم ومعها القدس والمستوطنات، فالأخيرة تضخمت أضعافا مضاعفة عما كانت عليه قبل مسيرة مدريد – أوسلو، والقدس معزولة تخضع لعملية تهويد عنصرية، والحدود رسمت عبر الجدار العنصري من قبل إسرائيل، وهذا الواقع يعني أن دولة إسرائيل التي حصلت خلال أوسلو على اعتراف فلسطيني بحقها في الوجود، اعتبرت أن 78% من فلسطين الانتدابية ضمن خطوط هدنة عام 1949 أمرا مضمونا لها كـ"دولة عنصرية يهودية"، يعيش فيها اليهود بأمان ويبدعون حياتهم ومستقبلهم، وأن الضفة الغربية وقطاع غزة وجزء من القدس الشرقية (رغم ضمها رسميا) وما فيها من مستوطنات ومواردها المختلفة؛ هي مجالات متنازع عليها، الأرض والموارد والسكان، وظلت بالنسبة لإسرائيل تسمى "يهودا وشمرون وعزة – يشع" خاضعة لإدارة جيش الاحتلال. وبالتالي؛ يستطيع المرء التأكيد بوضوح لا لبس فيه؛ أن المشروع الصهيوني لم يغير ولم يبدل أهدافه ولا إستراتيجياته، بالرغم من التنازلات الفلسطينية. فقد ظلت الحدود غامضة، كما أن بناء الجدار العنصري يخضع لعمليات مراجعة مستمرة في دوائر التخطيط الصهيونية. والمدن والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية تتحول تدريجيا إلى معازل عنصرية ضمن نظام لإحكام السيطرة على جميع الفلسطينيين ومواردهم وحياتهم. وكل هذا يجري في ظل استمرار السلطة الفلسطينية، كنواة للكيان الفلسطيني المستقبلي. وربما تريد إسرائيل في وقت ما، اعتبار الدولة الفلسطينية في غزة وحدها بقيادة الإسلام السياسي، وإخضاع الضفة الغربية لعمليات هندسة الجغرافيا-السكانية، باتجاه ربط ما يتبقى من الفلسطينيين فيها بالأردن؛ وكلما زاد عدد اللاعبين الفلسطينيين والعرب، وعلا صوت الانقسامات وتعددت المبادرات؛ كلما وفر ذلك المزيد من الفرص والمرونة أمام إسرائيل لإحكام قبضتها على الوضع والتطورات المستقبلية.

ممارسة الحق في العودة هو الأساس لتجسيد حق تقرير المصير

مقابل هذا التهميش والمخاطر الني تتهدد قضية اللاجئين الفلسطينيين في الداخل والخارج، على القيادة الفلسطينية أولا، وعلى حركة العودة وكل المدافعين عن حق العودة ثانيا، أن يعيدوا النظر في استراتيجياتهم؛ سواء تلك المرتبطة بالمفاوضات المستقبلية، أو بالكفاح التحرري الفلسطيني، أم بالنشاطات وبرامج العمل الخاصة بحركة العودة، عليهم جميعا أن يغيروا المنهج الذي اعتمدته مسيرة أوسلو، في مجالين: الأول المتعلق بتأجيل القضايا الجوهرية وإرجائها لمفوضات مستقبلية؛ والثاني: المتعلق برفض إسرائيل للتدخلات الخارجية والمؤسسات الدولية، وبخاصة الجمعية العامة للأمم المتحدة والمرجعيات القانونية الدولية؛ في حين تصرفت إسرائيل ولا زالت تتصرف من طرف واحد بغض النظر عن هذه الاتفاقيات؛ الأمر الذي يعفي منظمة التحرير أخلاقيا وقانونيا من الارتهان فقط بالمفاوضات الثنائية؛ حيث ينبغي لها أن تستعيد دورها على الساحة الدولية حاملة الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني. وبدلا من "غزة – أريحا أولا"، يجب أن يكون "حق العودة أولا"، فعندما يصار لتطبيق حل عادل ودائم لقضية اللاجئين، ويحصلون على فرصة ممارسة هذا الحق بحرية؛ فإن كافة المسائل الأخرى المتعلقة بصناعة سلام حقيقي تصبح قابلة للحل؛ وبذلك يمكن التوصل لنهاية للصراع في فلسطين. أما بالنسبة للدولة أو الكيان الفلسطيني الذي يجري الحديث عنه، فهو لم يكن أصلا جزءا من أجندة مفاوضات الوضع الدائم كما سميت في الاتفاقية الانتقالية؛ فليترك جانبا أو يظل جزءا من النقاش الصهيوني الداخلي في إسرائيل. فنحن نتحدث عن حقوق الشعب الفلسطيني برمته وليس عن مصالح اقتصادية – اجتماعية ضيقة لشريحة من الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وعلى حركة العودة أن تذهب بعيدا وبدون قيود من أجل حق العودة أولا، وبغض النظر عن الإطار الأمثل لتطبيق مثل هذا الحق في دولة واحدة أو مائة دولة، أو اسم الدولة أو من هي السلطة صاحبة السيادة على هذه البقعة من الأرض أو تلك، المهم أن يحصل كل لا جئ فلسطيني على حقه الطبيعي في العودة لدياره الأصلية، سواء كان قد هجر بالقوة منها، أو غادرها خوفا، أو سعيا لمجرد التخلص من أعباء حياتية ناشئة أصلا عن وجود الاحتلال، فإن ذلك لا يغير من طبيعة هذا الحق في شيء. ولتعمل حركة العودة والمدافعين عن حقوق اللاجئين والراغبين في سلام حقيقي؛ من اجل أن لا يتكرر ما حصل في أسلو مرة ثانية، ولا يكون ذلك؛ إلا إذا جُعل من حق العودة إلى الديار الأصلية معيارا لتحديد مصداقية عملية السلام وأطرافها نظريا وعمليا.  

 -----------------------------

* باحث وكاتب فلسطيني، رئيس أسبق لمجلس إدارة مركز بديل.

--------------------------------------------------------------------------------

©2003-2009