جريدة حق العودة - العدد 32-33

 

اضغط هنا لتحميل هذا الاصدار

 

يتداول الكثيرون مصطلح "الاحتلال الصهيوني"، وهذا غير دقيق، لأن أهم سمة للنشاط الاستيطاني في فلسطين منذ عام 1882 وحتى اليوم هي، الإحلالي. الإشارة إلى هذا الخطأ تضعنا أمام أزمة المصطلحات في الواقع العربي، ومنه الفلسطيني، وهي "إنتاجا واستعمالا، لا تقل خطورة عن بقية أزماته. فأزمة المصطلح عموما، وأزمة النظرية خصوصا، هي أم الأزمات، لأن تحديد المفاهيم والمصطلحات مسألة ضرورية لضبط العملية الفكرية وتنظيمها، وتحليل الفكر الاجتماعي وتأطيره في سياق منهجي بعيد عن الفوضى والشتات الذهني.."؛ هذا بالإضافة إلى ما للمصطلحات من أهمية في خلق حوار واضح وتكريس ممارسة قائمة على مفاهيم واضحة.      

أصوات لانفجارات تدفعك مرتبكا لمغادرة دفء فراشك، عند ضحى يوم  شتائي، تنظر لسماء الجنوب باتجاه المخيمات الوسطى، سماء البريج، النصيرات، المغازي، دير البلح، دخان كثيف يتصاعد، وطائرات تحتل السماء، وتلقى بأسلحتها على مقرات ومباني ومؤسسات، تتجه بنظرك تجاه الشمال، لتشاهد أعمدة دخان تتحول إلى سحب هرمية، قاعدتها بأرض غزة وقممها تحاكي سماؤها...

 

كان عام 1948 عاما للبهجة والمأساة؛ بهجة النصر بالنسبة لليهود، وعام المأساة بالنسبة لعرب فلسطين. ويربط الإسرائيليون عام 1948 بـ"حرب الاستقلال"، في حين يعتبرها الفلسطينيون عام النكبة أو الفجيعة، وكل من شارك في الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى له روايته الخاصة لما حدث في ذلك العام المشؤوم. في هذه المقالة؛ سوف ننظر حصريا في الرواية الإسرائيلية وعواقبها.

 

1- الأرض في الثقافة الفلسطينية

 1-1- الثقافة الفلسطينية:

 

قد يكون هنالك سياسة قطرية او اقتصاد قطري، او أدب قطري، ولكنه من الصعب ان يكون هنالك ثقافة عربية قطرية. اما قطر فلسطين فذو خصوصية غير نابعة من طبيعة فلسطين واهلها او من طبيعة مناخها، بل من طبيعة كونها في مواجهة عدو عنصري إحلالي طردي في فضاءات السياسة والاقتصاد والثقافة. ولذلك فان الثقافة الفلسطينية أخذت بالتبلور منذ مطلع القرن العشرين، واكتسبت خصوصيتها من موقع حارس الارض والمقاوم، ولكنها لم تكن الا نَسَغا حيويا من جذور الثقافة العربية.

 

1. توطئة:

 تمثل قضية اقتلاع وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه ودياره الأصلية في الفترة الواقعة بين قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947 وإعلان قيام دولة إسرائيل بتاريخ 15 ايار 1948، حجر الزاوية للصراع الفلسطيني- الصهيوني. يطلق الفلسطينيون على عملية اقتلاعهم من أرضهم والنتائج التي ترتبت على هذا الاقتلاع مصطلح "النكبة"، ويجمع العديد من المراقبين والسياسيين ان هذه النكبة، بما خلفته من نتائج سياسية واقتصادية واجتماعية، غيرت وجه العالم بشكلٍ عام، وخلقت عدم استقرار في الشرق الأوسط بشكلٍ خاص (موريس، 2004)، لما يزيد عن الستة عقود.

 "العقلية العنصرية التي قامت بتسويغ عمليات إبادة الشعوب الأصلية في الأمريكيتين وأستراليا، وفي أفريقيا من ناميبيا وحتى الكونغو، وفي أماكن أخرى، لها ما يضاهيها بوضوح في فلسطين".

 مع انطلاقة فعاليات الأسبوع الأممي: "أسبوع أبارتهايد إسرائيل"، للتضامن مع الشعب الفلسطيني المحاصر، أود الاقتباس عن جنوب أفريقي أكد منذ عام 1963 بأن "إسرائيل هي دولة فصل عنصري". ولم تكن هذه كلمات نيلسون مانديلا، ولا كلمات رئيس الأساقفة ديزموند توتو أو كلمات جو سلوفو؛ بل كان الذي تلفظ بها هو مهندس الأبارتهايد نفسه، رئيس الوزراء العنصري، الدكتور هندريك فيرورد.

 هنالك لحظات في التاريخ المعاصر التي شحذت فيها نضالات معينة همم ملايين البشر حول العالم للتضامن معها. لقد حدث ذلك خلال الحرب الأهلية الاسبانية، ونضال الشعب الفيتنامي ضد الإمبريالية الأمريكية، ونضالات تحرير جنوب أفريقيا. وقد حان الوقت لأن تقطع فيه الإنسانية التقدمية دابر الأضاليل والافتراءات والتعتيم، وتدعم مقاومة الشعب الفلسطيني بشكل جوهري.

مع استمرار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، والعربي - الإسرائيلي، واستمرار النظام الصهيوني الإسرائيلي في ممارساته العنصرية ضد الشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية، ومواصلة حكومات إسرائيل المتعاقبة تطوير وتعزيز نظام قانوني مزدوج (تطبيق قوانين وسياسات عنصرية إحلالية ضد الشعب الأصلي في فلسطين؛ وتطبيق قانون ليبرالي ديمقراطي على المجتمع اليهودي في إسرائيل والمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والقدس المحتلة)، ومع تزايد الوضوح في الخطاب السياسي الإسرائيلي الذي يدعو للاعتراف بدولة إسرائيل كـ"دولة يهودية وديمقراطية"، وفي هذا السياق المتسم بالاضطراب والانقسام الداخلي والاختلال الكبير في موازين القوى لصالح إسرائيل؛ يحاول هذا المقال مراجعة الموقف الفلسطيني تجاه العنصرية الصهيونية.

من الشائع أن يتم تصوير المجابهة الفلسطينية – الإسرائيلية على أنها "صراع وطني" الذي هو بالأساس إقليمي؛ وعليه فإن هذا "صراع" الذي غالبا ما يضاف له صفة "عنيف"؛ يعني تبرير أكثر الوسائل بشاعة التي تستخدم من قبل دولة إسرائيل التي "وجدت نفسها" في حالة حرب، وتصوير الصراع بأنه "وطني" يسمح بوجود مفهوم مضلل يظهر عنصرية إسرائيل باعتبارها سمة ثانوية لحالة الحرب، ستختفي بمجرد حل "النزاع" الإقليمي.

                                                           

لم تحظ دعوات التضامن مع القضية الفلسطينية في الحصول على ما تستحقه من اهتمام؛ وذلك بالرغم من الجهود العديدة التي بذلها الناس في مختلف أنحاء العالم، في تعاطفهم وتضامنهم مع قضية فلسطين على مر التاريخ وفي الوقت الحاضر، وبالرغم من الأهمية الإستراتيجية للتضامن العالمي بالنسبة لقضية فلسطين، ولدورها في تحقيق أهدافنا الوطنية. يوجد فجوة كبيرة ما بين الدعم الممكن لقضيتنا، وبين الدعم الحاصل فعليا، والدعم الملموس الذي لا زال راسخا على أرض الواقع. فلننظر كيف نرى في كثير من الأحيان أبناء شعبنا يصرخون أمام كاميرات الجزيرة، مع كل عمل وحشي ترتكبه إسرائيل، قائلين: "أين العرب وأين المسلمين؟"، وكم من المرات نسمع الشعارات الحماسية من المتحدثين العرب في البرامج التليفزيونية والإذاعية عبر الهاتف، والتي تطالبنا بالاستمرار في الصمود، وبأنهم معنا! وبالرغم من هذه النداءات، هناك شيء لا زال غائبا؛ فإسرائيل تستمر بفعل ما تفعله، ونحن نواصل الكفاح والصمود، ولكن يزداد عدد شهدائنا، وكذلك يزداد عدد المستوطنات الإسرائيلية. ومع ذلك يبدو من الصعب أن نميز إنجازاتنا السياسية، وفي بعض الأحيان يبدو أننا نتقهقر فحسب.