جريدة حق العودة - العدد 31

 

اضغط هنا لتحميل هذا الاصدار


مما لاشك فيه أن العالم وحدة واحدة مهما يشهد من صراعات وحروب، فالتواصل هو القاعدة، والانعزال هو الاستثناء. لذلك فكل التجارب في التاريخ تتأثر ببعضها سلباً وايجاباً مهما بعدت الشقة جغرافياً أو زمنياً.

 
النضال التحرري بين القطرية والقومية والعالمية

إن الشعب الفلسطيني لا يكل ولا يمل ولن يهدأ ولن يرتاح حتى ينال حريته وحقوقه. فمنذ اليوم الأول، الذي شعر فيه الفلسطينيون بالظلم نتيجة وعد بلفور المشؤوم في الثاني من نوفمبر 1917، ومروراً بكل الحروب والنكبات والمجازر والمحن التي ألمت به حتى يومنا هذا، بقي الشعب الفلسطيني صامداً مرابطاً ومواجهاً لكل المؤامرات الاستعمارية والاحتلالية التي هدفت إلى إبادته وطمس هويته وتشريده من أرضه.


عشرات الملايين من البشر، من جنسيات وعرقيات وثقافات وأديان مختلفة خرجت إلى الشوارع للوقوف إلى جانب غزة. وبمنأى عمّا يحمله هذا المشهد من رومانسية، فإنه يعيد تأكيد المؤكد الذي بدا وكأنه لم يعد كذلك، هذه "الانتفاضة العالمية" أكدت من جديد حتى إلى الداخل الفلسطيني أن: "فلسطين بالنسبة إلى العالم، ليست مجرد كوفية، إنها رمز النضال من أجل العدالة والحرية.. إنها قضية عالمية". ولكي نكون "متواضعين" في هذا التحليل، سنقول أن فلسطين، إن لم تكن الوحيدة، فهي من بين قلة قليلة من القضايا التي لا تتجاوز عدد أصابع اليد القادرة على إخراج كم كهذا من البشر الى الشوارع في آن. في هذه الشوارع، ارتسم أحد مواطن قوة المشروع الفلسطيني، عالمية فلسطين.


كان ولا زال المجتمع الفلسطيني يواجه الكثير من التحديات بسبب استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضيه وممارساته القمعية  بحق شعب فلسطين وكافة مكوناته؛ وليس هذا وحسب بل ويواجه خطر التصفية والتطهير العرقي التي كانت ولا تزال جزءا من التفكير الاستراتيجي لكثير من الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وان اختلفت فيما بينها على كيفية التنفيذ وتوقيته.


يمثل الأسبوع الممتد من الأول من آذار حتى التاسع منه هذا العام الدورة الخامسة لأسبوع الفصل العنصري الإسرائيلي والذي سيعقد في أكثر من أربعين موقعا في جميع أنحاء العالم. وتتضمن فعاليات هذا الأسبوع محاضرات وعروض ثقافية، وعرض أفلام، ومظاهرات، ومناقشات عن نظام الفصل العنصري الإسرائيلي وحملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها حتى تمتثل للقانون الدولي. كما سيشهد هذا العام زيادة في الأنشطة في جميع أنحاء فلسطين وخاصة في الجامعات ومخيمات اللاجئين في إطار الأسبوع العالمي. لذلك، يجدر بنا أن نلقي نظرة على تاريخ وتطور هذه السلسلة من المحاضرات المتواضعة التي أصبحت حدثا عالميا يمكن الشباب والطلاب من تطوير فهمهم لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي والعمل من اجل الحقوق الفلسطينية.

 


لا بد من التأكيد مسبقا على أن التغييرات السياسية الكبرى لا تحدث بدون الحكومات؛ لما تمتلكه هذه الحكومات من وسائل وسلطات في داخل دولها، وعبر الحدود وفقا لموازين القوة بين الدول المختلفة؛ وبالتالي، لا بد من الضغط على الحكومات أو حشدها وطلب مناصرتها عندما يتعلق الأمر بقضايا كبرى


يساهم الفلسطينيون في الشتات بصورة مباشرة في العمل من أجل وطنهم فلسطين؛ ومن خلال نجاحهم في مجتمعات الدول المضيفة. وفي الحقيقة، اعتمد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ومعظم فصائلها على النشطاء الفلسطينيين في دول الشتات، وقد كتبت العديد من الكتب عن الأنشطة السياسية والمقاومة المسلحة، ونجاحات المقاومة بشقيها المدني والعسكري، التي اشتملت على انتزاع الاعتراف الدولي بحقوقنا الوطنية وحشد الدعم من أجل إحراز هذه الحقوق، وللحفاظ على التراث والثقافة الفلسطينية، وتقديم الخدمات الاجتماعية وغيرها، بل أكثر من ذلك بكثير. وبينما كان من الطبيعي أن تقع غالبية أعمال المقاومة في فلسطين؛ فإن ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون في المنافي قد لعبوا دورا هاما جدا، وفي هذه المقالة الموجزة سوف نركز على نشاط الفلسطينيين في الشتات مع التركيز على نشاطهم في أمريكيا الشمالية.


في الوقت الذي يسود فيه الشعور بوجود حركة التضامن الفلسطينية في أنحاء أمريكا اللاتينية؛ هذه القارة المتعاطفة مع كفاح الشعب الفلسطيني في كفاحه ضد الامبريالية والاستعمار ومن أجل تقرير المصير، يجدر الملاحظة أن درجة التعبئة وفعالية هذه الحركة تختلف من دولة إلى أخرى من دول أمريكا اللاتينية. فقد شهدت كل من الأرجنتين والبرازيل وشيلي وجود حركة تضامن فلسطينية هامة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ثم تراجعت هذه الحركة في التسعينيات، واستعادت قوتها الآن، وأصبحت في غاية النشاط، وبخاصة خلال فترات العدوان الإسرائيلي واسع النطاق على لبنان وغزة منذ عام 2006 وحتى الآن. من جهة ثانية، يلاحظ أن الاتحادات الفلسطينية في البيرو وكولومبيا لم تعد قائمة، أما تلك القائمة في كل من هندوراس، غواتيمالا، وبنما؛ فهي موجودة من الناحية الرسمية، ولكن لا يعرف عن نشاط لها منذ التسعينيات وحتى اليوم.[1]
أما بلدان أمريكا اللاتينية الأخرى التي لا يوجد فيها جالية فلسطينية، أو لم يوجد فيها حركات تضامن فلسطينية في السابق؛ فقد جاءت النشاطات التضامنية من قبل الحكومات نفسها. وهذه هي الحال بالنسبة لبوليفيا وفنزويلا، التي قامت في كانون ثاني 2009 بطرد سفراء إسرائيل وقطع العلاقات الدبلوماسية معها. ومن جهتها ظلت كوبا رائدة من بين دول القارة الأمريكية الجنوبية، حيث أنها كانت الدولة الأولى التي لم تقم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وذلك لأسباب سياسية منذ انتصار الثورة الكوبية عام 1958. ويوجد في باراغواي والإكوادور حكومات تقدمية منتخبة حديثا، أظهرت في مناسبات مختلفة استعدادها لدعم الحقوق الوطنية والإنسانية للشعب الفلسطيني.


ما المطلوب تضامن أم مقاومة؟
                                               
حتى نتمكن من النظر في قضايا التصدي أو التضامن الدولي، لا بد من النظر اولا في معنى هذه المصطلحات. وفقا لقاموس اوكسفورد، تعرف كلمة التضامن على انها التوحد في النضال بمعني المشاركة/التشارك، الناجم عن المصالح او المشاعر او التعاطف المشترك.  وبالتالي، فان التضامن والمشاركة بهذا المعني تعدان نقطة انطلاق هامة للعمل من اجل القضية الفلسطينية، أو غيرها من قضايا النضال، وهما أي التضامن والمشاركة، تعتبران نقطة انطلاق ووسيلة وليست الهدف النهائي.
وعلى النقيض من ذلك يعرف المصدر ذاته الفعل "يقاوم"  على انه: "محاولة المنع  من خلال الفعل او الحجة".
بعد هذه التعاريف المقبولة لغويا،  يعرف "التضامن"  على انه  بناء  الوحدة بمعنى المشاركة، في حين تعرف المقاومة على أنها محاولة لإحداث تغيير ملموس. وهنا لابد من توضيح هذا الاختلاف لأهميته  البالغة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. صحيح انه ليس الآن  هو الوقت المناسب لسؤال الناس في أنحاء العالم ان فيما اذا هم يتعاطفون أو يدعمون الفلسطينيين، ولكن الأهم هو الاتفاق أن "الآن" هو الوقت المناسب، (وللحقيقة فقد كان الوقت مناسبا منذ وقت طويل) للعمل لتحقيق تأثير ملموس.ضمن سياق التضامن العالمي مع فلسطين، لا يعد التغيير الفعلي المحدث ذا أهمية بالغة فحسب؛ بل إن منهجية تحقيقه تحظى بذات الأهمية كذلك. فمثلا  إن صانعي القرارات السياسية الدولية والنشطاء  والبشر في جميع انحاء العالم لا يملكون الحق لتحديد هذا الاتجاه او ذاك للفلسطينيين.  وعليه، فان التغيير المنشود، والدرب الطويل المتبع أو منهجية التضامن، لا بد أن تأتي حسب الخطوط التي يحددها الفلسطينيون أنفسهم. وهنا يظهر المعنى الشامل للتضامن والذي يكون في دعم جميع حقوق الفلسطينيين التي تبدأ بحق العودة الكامل لجميع اللاجئين الفلسطينيين والمهجرين داخليا. فحقوق الفلسطينيين لا يجب أن تخضع  للمساومة، بل  هي غير قابلة  للتصرف لأنها تشكل العمود الفقري الثابت الذي يستمد منه التقدم في مسيرة التضامن.


في أوج حصار قطاع غزة، واستخدام دولة الاحتلال الإسرائيلية، مختلف أنواع السلاح والقطع الحربية جوا وبرا وبحرا، تداعى عشرات النشطاء في الخامس عشر من كانون الثاني لعام 2009 (وصادف ذكرى ميلاد المناضل الأمريكي مارتن لوثر كينج) للالتقاء أمام القنصلية الإسرائيلية الواقعة وسط مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، وقاموا بإغلاق بواباتها لحديدية بأقفال الدراجات الهوائية، احتجاجا على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، الذي استهدف في سلسلة متواصلة من الهجمات تدمير العديد من المساجد والمدارس ومباني وكالة الغوث الدولية (الأونروا)، وفي ذلك اليوم بالذات قتلت قوات الاحتلال على الاقل 40 فلسطينيا، جلهم من الشيوخ والنساء والأطفال، وقبل هذا الحدث بيومين وفي مدينة لوس انجلوس قام متضامنون بتقييد أنفسهم على أبواب القنصلية الإسرائيلية، وهم رافعين لافتة كبيرة كتب عليها "بسبب جرائم الحرب تم إغلاق القنصلية الإسرائيلية".