جريدة حق العودة - العدد 26

 

اضغط هنا لتحميل هذا الاصدار


من أجل تتبع انجازات مؤسسة بديل خلال عشر سنوات من وجودها؛ قمت بمراجعة ملاحظاتي ومذكراتي الشخصية، منذ بداية تعاوني  مع مركز بديل خلال عامي 1999-2000. وبغض النظر عن مذكراتي الشخصية، فقد وجدت العديد من الملفات لورش عمل، ولمقترحات، وللبحوث المبكرة حول ما نسميه اليوم إطار العمل القانوني لحقوق اللاجئين الفلسطينيين. أما الملاحظات والمواد المعاصرة فتعطي المرء شعورا عميقا بالإحباط والإثارة البالغة بين صفوف اللاجئين الفلسطينيين؛ فالإحباط كان واضحا، مع عملية أوسلو وفشل تلك العملية في الوصول لحل سياسي يحقق السلام على اساس العدل، كما أن الإثارة كانت واضحة أيضا، من حيث تنامي قوة التنظيم لمجتمعات اللاجئين، والرؤية البديلة التي يعبرون عنها بشكل جماعي لمواجهة التحدي المتمثل في وصول القيادة السياسية الفلسطينية إلى حالة تتسم بالشلل والعجز عن تلبية احتياجاتهم ومطالبهم.


يشكل عمل مركز بديل ومنظمات المجتمع المدني الأخرى عنصرا جوهريا من أجل تحقيق عودة اللاجئين الفلسطينيين. فرغم أن حق العودة حق مكفول بموجب القانون الدولي، لكن تطبيقه يعتمد الى حد كبير على إرادة هؤلاء الذين يمتلكون مثل هذا العودة، وفي حال أظهر هؤلاء عدم اهتمام بالعودة، سيصبح هذا الحق بلا معنى.
فالعودة هي حق لكل فرد لاجئ، وفي عالم مثالي يجب أن يتم تطبيقه بهذه الطريقة؛ حيث يمكّن كل فرد لاجئ بإمكانية ممارسة حقه بالعودة في دياره الواقعة تحت سيطرة إسرائيل وذلك عبر إعلام الحكومة الإسرائيلية برغبته في العودة، وعلى إثر ذلك تقوم إسرائيل بتسهيل عودته. وبالتالي لا حاجة لمفاوضات على مستوى الحكومات، ويمكن للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، أن تقوم بتيسير عملية العودة، وذلك كما تفعل المفوضية في أغلب الأحيان خلال عمليات إعادة اللاجئين إلى أوطانهم الأصلية؛ وذلك من أجل ضمان الاستقبال والتأهيل الجيدين مع اللاجئين العائدين.


دروس مستفــادة وتطلعـــات للمستقبـــل


انطلقت بدايات حركة العودة الشعبية مباشرة بعد توقيع اعلان المبادئ في اوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة اسرائيل، في ايلول 1993م، وكانت الشرارة من فلسطين التاريخية أي الاراضي المحتلة عام 1967 و1948، كرد طبيعي من الفلسطينيين على  تهميش قضية اللاجئين الفلسطينيين في سياق عملية أوسلو؛ وقد توجت النشاطات التي قادها عدد من النشطاء بعقد مؤتمرات شعبية للاجئين في كل من الناصرة، الفارعة، مخيم الدهيشة وفي غزة بين الأعوام 1993 و 1996؛ وتزامنت مع حركة في المنافي الفلسطينية وخصوصا في لبنان واوروبا، والولايات المتحدة، تلك المؤتمرات واللقاء كانت قد طرحت جميع القضايا الصعبة التي يتعين معالجتها، كما أبرزت الحاجة المتزايدة إلى إستراتيجيات جديدة وجهات فاعلة جديدة من أجل حماية حق العودة، وحفظ الكرامة والعدالة للأجيال الفلسطينية المقبلة. ومما لا شك فيه، أنه بدون هذا الجهد الشعبي، لما كانت عملية تأسيس مركز بديل ممكنة بما هو عليه اليوم. ومع ذلك، وبعد عشر سنوات على تأسيسه، ويكننا القول بان تاسيس مركز بديل ساهم بصورة فعالة وديناميكية في استدامة الجهود الشعبية وتنميتها لتصل الى ما وصلت اليه اليوم، والتي تبقى بحاجة الى تنمية وتطوير في المستقبل.


قد تكون شهادتي مجروحة عندما أكتب عن "بديل"، لأنني ببساطة شديدة أحد أعضاء مجلسه الإداري ولجنة الرقابة عليه فيه منذ ما يقارب الثماني سنوات، وأحد الذين واكبوا مسيرته منذ تأسيسه حتى الآن، ولكنني بصدق أجد نفسي منسجماً مع قناعاتي وأنا أستجمع أفكاري للكتابة عن مؤسسة فلسطينية ساهمت في نشر ثقافة حق العودة وحقوق اللاجئين بزمن قياسي، وأعادت، مع بقية المؤسسات واللجان والمراكز، المكانة المرموقة لقضية اللاجئين، والتي يحاول البعض مع سبق الإصرار والترصد شطبها من خارطة القضايا الكبيرة لشعبنا الفلسطيني.

"بديــل"، من يكون؟

احتار المتابعون في تعريف "بديل"، فمنهم من قال إنه مؤسسة ثقافية وربما اجتماعية، وقال آخرون إنه مؤسسة إعلامية، وربما مؤسسة قانونية، وذهبوا بالتحليل فقالوا إنه مركزاً بحثياً، وربما دار نشر وإعلام، بينما قال البعض الآخر إنه مؤسسة محلية تعمل في شؤون اللاجئين وقضاياهم وتدعم مؤسساتهم المحلية، ولكن الخبراء قالوا إنه مؤسسة تنسيقية للجان الدفاع عن حق العودة في كل أرجاء العالم.
 


خلال تجربتي المتواصلة على مدى خمسة وعشرين عاما في العمل مع حركات حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم؛ كان لي الشرف بالعمل مع مئات المنظمات الكبيرة والصغيرة على حد سواء، ولكل منها أساليبها وقضاياها؛ ولكن جميعها تتقاسم الأمل المشترك لإجراء تغيير جوهري من اجل تحسين حياة الآخرين. مثل هذه المجموعات والناس الذين يشكلون فرق موظفيها هم – ودون استثناء تقريبا – هم أشخاص غير عاديون ولديهم طرقهم الفريدة الخاصة بهم، غالبا ما تتحدى وتتجاوز التعاقدات والسلطات، من اجل العمل لمنفعة جمهورها المحروم الذي وجدت من أجل خدمته.وكم هي  هائلة ظاهرة وجود هذه المجموعات؛ سواء كانت تناضل من أجل حقوق سكان الأحياء الفقيرة في "سانت دومنغو" أو "مومباي"، أو من أجل حقوق المرأة في "أوغندا" أو "غانا"، أو لأجل حقوق اللاجئين في "ألبانيا" أو "جورجيا"، ولكنني نادرا – إن لم يكن في أي وقت على الإطلاق- ما أعجبت حقا، ويكون لي الشرف أن أعمل مع، وأشهد على عمل مجموعة مخلصة ومتفانية حقا مثل مجموعة مركز بديل. وخاصة بمستوى الالتزام الذي يتمتع به الطاقم الفلسطيني والدولي في دعم ما اسميه على الدوام بـ"قضية حقوق الإنسان الأصعب بالنسبة للجميع"  فمركز بديل ظاهرة استثنائية حقا عندما تنظر إليها، بموازنتها المتواضعة، وظروف العمل غير المواتية للطاقم الذي يدير العمل من مكاتب المركز في بيت لحم. إن جهود مركز بديل الرائعة لتسليط الضوء على الحقوق المشروعة للاجئين الفلسطينيين، هي جهود تستحق الثناء حقا.


حق العودة من البازار السياسي الى المنهجية القانونية

خلال مؤتمر عُقد في القدس قبل عشر سنوات بمناسبة الذكرى الخمسين للنكبة؛ أتيحت لي الفرصة للالتقاء بممثلين عن مركز بديل في المؤتمر. كانت سنتان قد انقضت من عمرنا كائتلاف حق العودة في الدانمرك، ومنذ الدقائق الأولى وجدتُ أن لدينا الكثير من القواسم المشتركة والاتفاق حول مركزية قضية حق العودة وضرورة العمل من أجل هذه القضية. تتوج هذا اللقاء بزيارة مكتب مركز بديل في بيت لحم برفقة نشطاء فلسطينيين من ألمانيا، السويد وفلسطينيين من داخل الخط الأخضر، وقد تم خلال تلك الزيارة وضع وترسيخ القاعدة المشتركة للتعاون. بعد عامين من ذلك، وتحديدا قبيل انطلاقة الانتفاضة الثانية بيوم واحد؛ قمنا بالمشاركة بفعالية في اللقاء التنسيقي الأول للمؤسسات الفاعلة في ميدان الدفاع عن حق العودة وذلك في قبرص، حيث التقى ناشطون فلسطينيون من أربع قارات للنقاش والتداول في واحدة من أهم القضايا الأساسية للصراع، ألا وهي قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة إلى ديارهم الأصلية.


في الذكرى العاشرة لتأسيس مركز بديل ومجمل النشاطات التى أقامها المركز لا يسعني في البداية الا ان اتقدم لكل العاملين في المركز والمناصرين له  التحية والثناء لكونهم المؤسسة الاولى في الدفاع عن حق العودة الى الديار التي هجر منها شعبنا الفلسطيني في العام 1948. إن امكانية التواصل مع المؤسسات الدولية لخدمة قضية اللاجئين وعقد المؤتمرات في العديد من دول العالم لتوضيح حجم الكارثة التي ألمت بشعبنا الفلسطيني جراء تهجيره من دياره الأصلية، واستضافة الخبراء المتخصين في حقوق اللاجئين والممثلين عن المؤسسات الدولية


خلال السنوات العشر الماضية، قمت بتمثيل العديد من الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن الشتات أيضا، أمام محاكم الهجرة ودوائرها في الولايات المتحدة الأمريكية. وأريد أن أغتنم مناسبة الذكرى الستينية للنكبة الفلسطينية، ومناسبة الذكرى السنوية العاشرة لتأسيس مركز بديل، لتقديم شكري الخاص للمركز بالأصالة عن نفسي، ونيابة عن موكليّ من الفلسطينيين، أريد أن أشكر مركز بديل على جهوده المتواصلة في العمل الدعاوي وفي الدفاع عن اللاجئين الفلسطينيين، وعلى المواد المرجعية الممتازة التي ينتجها حول قضايا الفلسطينيين.


الهدف البعيد المدى الذي وضعه مركز بديل له هو "تطبيق حل دائم لقضية اللاجئين الفلسطينيين وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 والقوانين الدولية ذات العلاقة يقبل بها اللاجئون أنفسهم ويرون فيه حلاً عادلاً ومجدياً". بالتالي فإن إستراتيجيته مبنية على دعم وتعزيز مبادرات اللاجئين المطالبة بحق العودة، وذلك من خلال البحث العلمي وتعزيز الشراكة المجتمعية من جهة، والعمل من مع منظمات المجتمع المدني لتبني حق العودة كحل لقضية اللاجئين الفلسطينيين من جهة أخرى.


على مدار عشرة أعوام، واكبت عن كثب مسيرة المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين "بديل". وإذ أقف اليوم لأراجع هذه المسيرة أستطيع أن أؤكد قناعتي الراسخة أن "بديل" كمؤسسة استطاعت أن تنتقل بحق العودة من الحلم والعاطفة إلى الرؤية الشاملة المستندة للحق والمشاركة وقيم العدالة والمساواة، وان تسهم بجدارة في بناء  "حركة حق العودة" من خلال  المزاوجة بين المهنية والاحتراف العلميين والمشاركة المجتمعية، المعتمدة على  مداخل العمل الشعبي  والمجتمعي التشاركي  وعلى شمولية العمل في الإطار الوطني العام.