جريدة حق العودة - العدد 13-14

 

اضغط هنا لتحميل هذا الاصدار

بقلم:غيل بولينع

خـلفيــة قانونيــــة

 مقدمـــة

 حق اللاجئين في العودة إلى بيوتهم وممتلكاتهم، مثبت في أربع مجموعات قوانين منفصلة ضمن القانون الدولي، هي قانون الجنسية كما هو مطبق عندما تحل دولة محل دولة أخرى في الحكم، والقانون الإنساني، وقانون حقوق الإنسان، وقانون اللاجئين (وهو جزء من قانون حقوق الإنسان الذي يضم أيضا القانون الإنساني). وينطبق قانون العودة على الحالات التي يمنع فيها الأشخاص عمدا من العودة بعد مغادرة مؤقتة، وعلى حالات الطرد الإجباري (على مستوى جماعي أو غير ذلك). وفي الحالة الأخيرة، فإن واجب دولة المنشأ بموجب القانون الدولي قبول عودة الأشخاص الذين طردوا بشكل غير قانوني هو واجب أشد وأقوى. تُمنع بشدة أية سياسة حكومية تسعى إلى منع العودة الطوعية للأشخاص المهجرين.

 

بقلم:هانــي المصــري

عندما توقفت أمام الموضوع الذي سأكتبه لجريدة "حق العودة" حول حقوق اللاجئين وخيار الدولة، وبعدما أمضيت التفكير قي ملف العدد، خيار الدولة الواحدة وخيار الدولتين وحقوق اللاجئين الفلسطينيين، قفز إلى ذهني بسرعة، وتوصلت الى قناعة بأن العدد سيكون ناقصاً إذا لم يتضمن مقالاً حول حقوق اللاجئين وخيار دولة الكانتونات، دولة الحدود المؤقتة، وهي الدولة الناقصة التي يراد إقامتها على جزء من الاراضي المحتلة عام 1967 لا تتجاوز 50 % من مساحة هذه الاراضي.

بقلم:د. أحمــد الطيبــي 

ليس صدفة إطلاقاً إقدام الكنيست على الموافقة على بيان سياسي يعتبر أن "أراضي يهودا والسامرة وقطاع غزة ليست أراض محتلة لا تاريخياً ولا سياسياً ولا قانونيا"ً كما حصل في العام الماضي. وليس صدفة أن يصوت الكنيست بنسبة كبيرة ضد إقتراح قانون "خارطة الطريق" لإحراج الإئتلاف ولإثبات رفض الحكومة مشروعاً يتضمن إلتزامات إسرائيلية يحتاج الى التطبيق. فالإئتلاف الحكومي الإسرائيلي صقوري ويميني متطرف إلى أبعد الحدود ويساهم في ذلك من يقود الائتلاف، النائب غدعون ساعر الذي يرفض مبدئياً مشروع خارطة الطريق ويمثل تطلعات مركز الليكود المتغطرسة. 

 بقلم:د. عبــد الفتـــاح أبـــو ســـرور

عندما وقف الرئيس الفلسطيني الشهيد ياسر عرفات في مقر الأمم المتحدة عام 1974، وطرح خيار الدولة الواحدة التي يعيش فيها المسلم والمسيحي واليهودي سواسية على قدم المساواة، كان هذا خيارا يضمن وحدة الأرض والإنسان والهوية بعد التقسيم المعقد الذي تم التصويت عليه في الأمم المتحدة- حسب القرار 181، والذي لم يدم سوى وقت قليل حتى قامت الحرب عام 1948 واستولت دولة إسرائيل الوليدة على جزء كبير من فلسطين، واحتلت 78% من الأرض تاركة 22% تحت السيطرة الأردنية والمصرية، لتعيد احتلالها خلال حرب 1967. ومع أن الأمم المتحدة أصدرت أيضا القرار 194 الذي يطالب إسرائيل تسهيل عودة اللاجئين إلى الأراضي التي شردوا منها أو تركوها، إلا أنها لم تسمح لأي كان بالعودة بل على العكس، استعملت كل قواها لطردهم مرارا ومنعهم من العودة.

بقلم:أنطــوان شلحـــت 

ليس من المبالغة الاعتقاد بأن حضور "فكرة الدولة الفلسطينية" حتى في ضبابيتها داخل السجال الإسرائيلي العام يرتبط الآن، أكثر شيء، بفكرة "الحفاظ على الدولة اليهودية"، من جهة وفكرة الانفصال عن الفلسطينيين إلى ناحية تحصين أسوار الدولة اليهودية، من جهة أخرى. ولعلّ الفكرة الأخيرة مستمدّة، بكيفية ما، من فكرة "السور" التي هجس بها ثيودور هرتسل في مؤلفه "دولة اليهود" كما من فكرة "الجدار الحديدي" التي هجس بها زئيف جابوتنسكي. وإننا نشهد في الآونة الأخيرة تأييدًا لفكرة الدولة المستقلة على خلفية خطة الانفصال أو فك الارتباط التي هجس بها أريئيل شارون.

بقلم:أميـــر مخـــول
لم يبدأ الطابع الكولونيالي لإسرائيل بعد حرب 1967. فإسرائيل كدولة هي في حد ذاتها نتاج مشروع كولونياليّ. بل هي المشروع ذاته. وهي لم "تُصبح" أكثر صهيونية بعد العام 1967. وليست الممارسات الاحتلاليّة في هذه الحقبة أكثر صهيوينة في جوهرها من ممارساتها منذ أقيمت أو في الحقبة التمهيدية لقيامها فالسيطرة على الارض العربية بالقوة من أجل تهويد الجليل، وإقامة بلدات إسرائيلية لمنع التواصل الجغرافي بين البلدات الفلسطينية في الداخل، سياستان لا تختلفان في الجوهر عن السيطرة على الضفة الغربية وإقامة مستوطناتٍ فيها.

بقلم: د. مايكــل كيجــان

في الوقت الذي لا تزال فيه قضية "حق العودة" مثيرةً للجدل في أوساط اليهود الإسرائيليين، اذ يطالب بعض المثقفين الإسرائيليين بالاعتراف بعدالة المطالب الفلسطينية من جهة، وإيجاد المبررات المختلفة لمعارضة تطبيق حق العودة بشكل كامل من الجهة الأخرى. مثل هذه الادعاءات تركزت حول تأثير حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة على اليهود ودولة إسرائيل. وتفترض معظم هذه الأدبيات مسبقاً التعارض بين حقوق الفلسطينيين والإسرائيليين اليهود. يحاول هذا المقال تطوير مسألة "الحقوق المتضاربة" من خلال استعراض "التحفظات الإسرائيلية" على حق العودة. ومع ذلك، فإن نقطة الانطلاق في هذا المقال تعتمد على أساس ان حق العودة للاجئين الفلسطينيين هو حق جوهري يجب على إسرائيل أن تتبناه من أجل الوصول إلى سلام عادل ودائم يتوافق ومواثيق القانون الدولي.  إضافةً الى ذلك، فإن هذا المقال يهدف إلى التعريف بمختلف الادعاءات اليهودية والإسرائيلية التي لا يمكنها أن تتوافق مع تطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين. 

بقلم:محمـــد بركــــة 

تنتج المفارقة السياسية المأساوية في سياق الصراع على حرية الشعب الفلسطيني وعلى حقوقه، من حين لآخر، أفكار تتدلى من تكدس المؤامرات على السلام العادل ومن مصاعب المرحلة التي تحجب الضوء الافتراضي في آخر النفق. 

وتتمطى هذه الافكار الى أبعد حدود المغالاة، بينما يتثاءب أصحابها بتثاقل خارج معادلات العطاء السياسي والنضال السياسي الملموس.. فيصبح التمطي الفكري والسياسي مطية هؤلاء للخلود الى راحة القانطين أو الطامعين بـ "فلاش كاميرا" تلفزيونية. 

لم أستطع أن أضع فكرة الدولة الواحدة للشعبين كبديل لمواصلة المعركة لإنجاز وإقامة الدولة الفلسطينية وحق العودة التي تتدحرج في ملاعبنا من حين لآخر، إلا في سياق راحة القانطين والتمطي الفكري السياسي ولاستباق اي سوء فهم فالنقاش في هذه العجالة لا يطال الذين حملوا فكرة الدولة الواحدة طوال الوقت فالنقاش مع طروحاتهم هو نقاش مختلف. 

ومن  الاهمية بمكان، أن نؤكد بأن شعار "دولتان لشعبين" لا يعني أننا بصدد إقامة دولتين الآن وغدا، فاحدى الدولتين قد قامت، لا وبل قامت وانتفخت فيما يتعدى الحدود التي وضعها خالقوها. إنما نعني بشعار الدولتين، الالحاح التاريخي والانساني والوطني لحل قضية الشعب الفلسطيني وإنهاء جريمة قذفه خارج الوطن وخارج الاستقلال والحرية. 

لقد أخطأ السيد أحمد قريع (ابو العلاء) رئيس الوزراء الفلسطيني عندما هدد اسرائيل بأن الفلسطينيين سيطالبون بدولة واحدة اذا لم تعط اسرائيل للشعب الفلسطيني حقوقه ( 8 كانون ثاني 2004). يعني اذا لم تمنح اسرائيل للفلسطينيين حقهم في إقامة دولتهم فإنهم - أي الفلسطينيين - سيطالبون بحق التصويت للكنيست (او البرلمان الموحد). 

من جهة أخرى، فقد إنبرى بعض أنصار السلام وخاصة أصحاب المناصرة الوعظية الى طرح شعار الدولة الواحدة كبديل لشعار الدولتين، كما برز ذلك في لقاء الصحفي  آري شبيط مع حاييم هنغبي (متسبين – التقدمية – كتلة السلام – حزب العمل – دولة واحدة) ومع ميرون بنفينيستي (نائب تيدي كوليك في رئاسة بلدية القدس – ميرتس – العمل الاكاديمي) في جريدة هآرتس ( 5 آب 2003). 

من كان سيعترض على إقامة دولة مستقلة ديمقراطية واحدة في فلسطين بعد إنهاء وانتهاء الانتداب؟ هل هم المسحوقون من العرب الفلسطينيين؟ ام هم المسحوقون من اليهود في فلسطين؟ فهؤلاء لم يسألهم احد. ولا شك أن مشروع الدولة الواحدة المستند الى مبادئ العدالة الاجتماعية والديمقراطية والمساواة هي حلم الانسان العاقل الذي يحكم على غيره وفق فعله وليس وفق عرقه. "الطريق الوحيد أمام السكان اليهود في فلسطين الذي يقودهم الى حياة سلام واطمئنان هو تحررهم من كل التأثيرات الخارجية وتطور فلسطين الديمقراطي"، هكذا صاغ الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي ضم الشيوعيون اليهم موقفه في العام 1944، بالمقابل نادت عصبة التحرر الوطني التي ضمت الشيوعيين العرب في العام نفسه "بانهاء الانتداب البريطاني واقامة حكومة ديمقراطية فلسطينية مستقلة". 

إن الحساب التاريخي مع الانتداب البريطاني لم ينته، لقد تولت بريطانيا انتداب فلسطين بقرار من الامم المتحدة وتحت انتدابها سلمت بريطانيا  فلسطين للحركة الصهيونية، لا بل فان الكولونيالية البريطانية اصبحت صهيونية ليس اقل من الحركة الصهيونية" (جذور القضية الفلسطينية لاميل توما). لقد عملت دوائر متعددة على اجهاض المشروع الديمقراطي الفلسطيني لصالح الحركة الصهيونية اقليميا ولصالح الامبريالية البريطانية والامريكية (لاحقا) دوليا، بفعل مسوغات عدة تمتد من غيبيات الوعد التوراتي مرورا بعقدة الذنب على جرائم النازية وانتهاء بعقدة النفط والهيمنة على الشرق العربي. 

ان انهيار المشروع الديمقراطي في فلسطين ادى  بالضرورة الى استبداله بمشروع آخر يستند الى مبادئ حق تقرير المصير لشعبي البلاد وانهاء الانتداب البريطاني، وهذا المشروع معرّف بقرار التقسيم والذي ايّده الشيوعيون العرب واليهود في فلسطين لتفويت الفرصة على المشروع الصهيوني الامبريالي الذي وطّد أوتاده لاحقا في فلسطين. إن شعار "دولتان لشعبين" في تداعياته الاخيرة (ما بعد حزيران 1967) محسوب على الشيوعيين الذين تمسكوا به على أساس المبدأ الاساسي في جوهر قرار التقسيم من العام 1947 وهو ضمان حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني بعد أن قامت اسرائيل. 

صحيح ان هذا الشعار الذي ظل يتردد خارج السرب الفلسطيني واكثر منه خارج السرب الاسرائيلي قد لاقى صنوفا من التحريف والانتحال خاصة في الاوساط الاسرائيلية وحلفاءها حتى بلغ الامر بكولين باول الى محاججة ابي العلاء غداة حديث الاخير عن الدولة الواحدة بقوله "الولايات المتحدة تسعى الى تسوية على اساس دولتين" (9 كانون ثاني 2004). بل ان الرئيس الأمريكي جروج بوش في ضماناته لأريئيل شارون ذهب الى تفصيل الشعار على مقاسه حيث اعترف بالكتل الاستيطانية واعترف بجدار الفصل العنصري وتحدث عن حق العودة الى المسخ المرسوم أمريكيا المسمى دولة فلسطينية عملا "بفهمه" لشعار الدولتين. لا بل ان شارون نفسه ذهب بعيدا في خطابه في الجمعية العامة (15 حزيران 2005) الى الحديث عن حق الشعب الفلسطيني باقامة دولة مستقلة وذلك بعد ان أكد ان القدس "الموحدة" هي العاصمة الابدية لاسرائيل وأن شعب اسرائيل يملك حقوقا على كل "ارض اسرائيل"، وتحدث عن التنازل عن رابية وصخرة بمفاهيم الاقتطاع من اللحم الحي للرواية التوراتية الاكثر تطرفا في الحركة الصهيونية. 

فهل دخل فعلا شعار الدولتين ليحلق في السرب الاسرائيلي الصهيوني؟ من يعتقد ذلك فانه يحلق في فضاء يتراوح بين البلاهة والسذاجة. لا شك ان مفهومنا لشعار الدولتين يواجه اخطارا ومؤامرات من قوى كبرى بالمفهومين الاقليمي والدولي.. ولا شك ان هذه القوى تحاول تغيير الملامح على الارض للترويج لاستحالة مفهومنا للدولتين، هكذا هو الحال فيما يتعلق بجدار الفصل العنصري وتكثيف الاستيطان في الضفة الغربية وعزل القدس جدارا واستيطانا، وقطع الضفة الغربية بين شمال وجنوب بواسطة مشروع الربط الاستيطاني بين القدس ومعاليه أدوميم. وهي (القوى المذكورة) تحاول ضعضعة اسس الشرعية الدولية لهذا المفهوم من خلال اطلاق خطط و"مرجعيات"  الى فضاء التداول السياسي: رؤية بوش وخارطة الطريق والدولة المؤقتة والحرب على الارهاب وخطة الفصل وكتاب الضمانات. لتصبح هي محور التداول، (انظر تحفظات حكومة شارون على خارطة الطريق وكأنها تجلي للشرعية الدولية). 

ان الحالتين المذكورتين (الوقائع الناجزة على الارض وضعضعة اسس الشرعية الدولية) اذا اضيفتا الى انحسار معسكر السلام في اسرائيل وهشاشة بديل اليمين في السياسة الاسرائيلية وارتفاع منسوب الاصولية في الساحة الفلسطينية والتحطيم المنهجي الذي تعرضت له القيادة الشرعية الفلسطينية ممثلة بما تعرض له الرئيس الراحل ياسر عرفات، ستؤديان بالضرورة الى مراكمة المصاعب الهائلة على طريق "دولتان لشعبين" حسب ما نفهمه، الامر الذي قاد البعض الى الهرب من المعركة الى الامام الى شعار الدولة الواحدة او الدولة ثنائية القومية وكأن هذا الهرب هو ارتقاء وحشر المشروع الصهيوني الامبريالي في الزاوية او حسب تعبير احدهم الذي تحدث عن "ضرورة التنازل عن حلم الهذيان بموضوع السيادة" تنازل من بالضبط عن السيادة؟؟ 

هناك فرق جوهري بين مصطلحي "الدولة الواحدة" و "الدولة ثنائية القومية"، ولن نخوض عميقا في ذلك الا بالقول ان الدولة الواحدة تأتي بمعنى دولة المواطنين والدولة ثنائية القومية تعني مشاركة قوميتين في تقاسم السلطة وفق مفاهيم متفق عليها. واذا كان تحقيق  شعار "دولتان لشعبين" بمعنى تصفية الاحتلال في الضفة الغربية والقطاع والقدس وحل قضية اللاجئين صعب المنال فما هو حال شعار الدولة الواحدة الذي يحتم بلوغ حلول وسط امضّ واصعب ان لم نقل ان بلوغ ذلك يجاور الاستحالة في الظرف الراهن، اللهم الا اذا اعتمدنا على فرضية ظريفة مفادها ان الصهيونية سوف تصاب بكرم اخلاق مفاجئ تتخلى فيه عن جوهرها وتعتنق نهجا مدنيا انسانيا.. أو فرضية ليست اقل ظرافة وهي زحف جحافل الثورة من المحيط الهادر الى الخليج الثائر لتفرض مجتمع العدالة والديمقراطية في فلسطين.

لكن المثير ان الاوساط التي تحمل هذه الفكرة في المجتمع الاسرائيلي تعلن عمليا عن قنوطها ويأسها من مواصلة المعركة في صفوف مجتمعها لتغيير المسار فيه وتعمد الى اقناع الفلسطينيين بملائمة انفسهم لواقع الاحتلال السرمدي لا محالة، ولذلك فالمعركة الآن وفق هؤلاء هي على تحسين شروط هذا الاحتلال وتغييب السيادة وشطب تقرير المصير والمطالبة بحقوق مدنية في الدولة الواحدة. هل يذكر أحد مشروع "التقاسم الوظيفي" للسيد بيرس ومشروع "تحسين شروط المعيشة" للسيد آرنس لتكريس الاحتلال وتحسين شروطه في الثمانينات من القرن المنصرم؟ واضح لي تماما ان الذين نعنيهم من الذاهبين -الاسرائيليين والفلسطينيين- الى شعار الدولة الواحدة لا يقصدون اطلاقا تكريس الاحتلال بصور اخرى لا بل فانهم يسوقون النموذج الجنوب افريقي للتدليل على رجاحة رؤيتهم.. لكن هل المقارنة والمقاربة مع حالة جنوب افريقيا صحيحة؟ 

مسألة تقرير المصير غير مطروحة لقوميتين في جنوب افريقيا، فالاغلبية صاحبة البلاد في جنوب افريقيا كانت خارج السلطة وعادت لتكون سيدة السلطة. صاحبة البلاد اقلية الآن في فلسطين التاريخية، فهل المشاركة السياسية في السلطة الحالية، سلطة اسرائيل و\او سلطة الاحتلال تحل مشكلتها. واكثر من هذا وذاك، فقد جرى في جنوب افريقيا حل المشكلة المدنية لكن المفاتيح الاقتصادية والهيمنة الطبقية بقيت على حالها والراسمالية ما زالت بيضاء والسود هناك يملكون حق التصويت ولكنهم ما زالوا لا يملكون مقومات الحياة الكريمة، ونحن نعلم ان التناسب الاقتصادي والطبقي (او غيابه بالاحرى) بين المجتمع اليهودي في اسرائيل والمجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع مختل كليا. فاسرائيل جعلت من الشعب الفلسطيني مختبرا لتفريخ القهر والفقر والبطالة. 

ان الاقتصاد والهيمنة والرموز ومفاتيح القوة العسكرية والعلاقات الخارجية كلها في يد طرف واحد، فهل هذه الحقيقة يمكن ان تنتج "دولة واحدة" فيما يتعدى جهازا سياسيا متفقا عليه في احسن الاحوال، وذلك عوضا على ان الاجراءات المطلوبة لاستحضار الدولة الواحدة المدنية لا تلزم بالضرورة تفاوض او تعاون مع القيادة الوطنية للشعب الفلسطيني او مع طرف فلسطيني. 

وهل هذه الحقيقة الآنفة الذكر بمقدورها انتاج دولة واحدة فيما يتعدى مجتمع الاسياد ومجتمع العبيد بالمفهوم الطبقي؟؟

وهل الحقيقة ذاتها بمقدورها انتاج "دولة واحدة" فيما قد يؤدي الى انتزاع الشعب الفلسطيني من فضاءه الثقافي والحضاري والقومي وانتزاع حق تقرير المصير من مستقبله؟ فالشعب الفلسطيني وحركته الوطنية ليسا مشروعا اقتصاديا ولا عسكريا ولا يشكل احتياطي استراتيجي كما هي الصهيونية بالنسبة للنظام العالمي الجديد حاليا والامبرياليتين الامريكية والبريطانية آنفا انما حالة اصيلة متعايشة بتناغم كامل مع التاريخ والحضارة والجغرافيا بمسمياتها الاصلية وهو حالة اختزان لذاكرة جماعية وذاكرات فردية فيما يتجاوز الاتكاء على نوسطالجيا مقهورة الى استعادة التكامل بين المكان والزمان والانسان في الكيان المستقل. 

وفيما هو اقل مما ذكر فهل حق التصويت المتساوي يعني المشاركة الحقيقية.. اذا استحضرنا نموذج "المواطنة" للعرب الفلسطينيين في اسرائيل؟ الميزان القومي في الدولة الواحدة مختلّ والميزان الطبقي ليس اقل اختلالا.. وعليه فوعد الدولة الواحدة في الميزانين لا يتعدى كونه بارق سحابة لم تمطر!! ثمة اسئلة أخرى يجري دحرجتها خارج التداول بأناقة مشبوهة مثل قضية اللاجئين؟ هل شعار الدولة الواحدة بذاته كفيل بحل قضية اللاجئين الفلسطينيين.. وهل تحقيق هذا الشعار سينتج مواصفات خارجة عن السياق الحالي للصراع.. ليصبح حل قضية اللاجئين أكثر يسرا؟؟ 

وهل قانون المواطنة فيما يتبع ذلك في الدولة الواحدة سيعطي الجواب على حق العودة (للفلسطينيين) ويلغي قانون "العودة" الاسرائيلي (الذي يمنح مواطنة اوتوماتيكية لكل يهودي بوصفه كذلك)؟ هل سيتطوع المجتمع الاسرائيلي "للتنازل" عن يهودية الدولة وعن هواجسه الديمغرافية البدائية وعن التلصص لغرف النوم واقسام الولادة عند الفلسطينيين وهل يبدو لانصار "الدولة الواحدة الآن"  ان هذا التنازل اقرب الى المنال من "التنازل" عن الضفة الغربية والقدس.. 

ولا يوجد شريك اسرائيلي لهذا الشعار "الدولة الواحدة" ولا يمكن انتاجه في المدى المنظور او المتوقع.. لذلك فان الترويج لشعار "الدولة الواحدة الآن" هو عمليا دعوة للشعب الفلسطيني للتنازل عن مطالبه وعن معركته وعن حقه في تقرير المصير بدون وعد وبدون ارض ميعاد وبدون اي ميعاد مع المستقبل!! الآن بالذات وبعد ان بانت بوضوح خطوط التصدع في شعار اليمين الصهيوني المتمثل في ارض اسرائيل الكاملة وانكسار نشيد "بيتار" ((ضفتان لنهر الاردن: هذه لنا وتلك كذلك))، هل يعقل ان تنشغل قوى سلام اسرائيلية (مع قلتها) واوساط فلسطينية باعادة اللحمة لهذا الانكسار؟ كانت الدوافع ما كانت... فان هذا الانشغال يرضع حليب اليأس من عسر المعركة وطولها. 

عسر المعركة قد ينتج تلوثات طبيعية، وهذه التلوثات قد تنتج تورّمات يمكن معالجتها على المدى البعيد او المدى القريب لكن ان يجري التعامل مع هذه التورّمات كدلائل للعافية.. فهذا المرض بعينه.. ان فكرة الدولة الواحدة من البحر الى النهر- في هذه الحقبة التاريخية من الصراع الاسرائيلي الفلسطيني بالتحديد بعد قيام اسرائيل هي فكرة الذين لا يعترفون بوجود طرف آخر في هذه البلاد (هذه لنا وتلك كذلك!!) .. ولذلك فقوى السلام في اسرائيل لا تستطيع ان تلعب في الملعب ذاته لانها الطرف الاضعف في هذا الملعب وقوى التحرر في الشعب الفلسطيني لا تستطيع ان تعد شعبها بمواصلة المعركة "لمقاتلة الناطور" دون ان تعده بالعنب ولا حتى بالحصرم.

ان فكرة الدولة الواحدة هي حلم الامميين وليست مسربا للهرب وقد تنشأ الحاجة اليها في اعقاب كارثة شاملة للاسف الشديد.. لكنها كفكرة ديمقراطية متنورة تحتاج الى بناء متكامل والى انتاج قناعات قاعدية عميقة قد تنشأ في اطار التفاهم بين دولتين مستقلتين فلسطين الحرة المستقلة واسرائيل متحررة من عقد الصهيونية. ان الشعب الفلسطيني بحاجة الى ترميم واعادة ترسيم هويته وكيانه النازف والمقهور وهو بحاجة الى تشييد اقتصاده وحضوره في مجتمع حر بعد سنين من القهر والقتل والاحتلال والتشرد. 

اداة هذا الترميم والترسيم والتشييد هي الدولة المستقلة كاملة السيادة وهي استعادة لحمته العضوية من خلال حل قضية اللاجئين. لقد ذاقت كل شعوب الارض طعم حق تقرير المصير الا الشعب الفلسطيني ومن حق هذا الشعب ان يصل اليه ولا حق لاحد ان يقترح عليه شوارعا التفافية.. هذه ليست وليمة انما ضرورة لا يجوز تبديدها في خيار غير متاح سواء اسمه دولة المواطنين او ثنائية القومية. 

___________________

محمد بركة هو رئيس مجلس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، ونائب في الكنيست الاسرائيلي ورئيس كتلة ائتلاف الجبهة الديمقراطية والحركة العربية للتغيير في الكنيست.
 

بقلم: بســام الصــالحي

منذ صدور القرار رقم 181 في تشرين ثاني من عام 1947، والذي نص على تقسيم فلسطين إلى دولتين، والشعب الفلسطيني يكافح عملياً من أجل إقامة دولته، بعد أن فشل في منع استصدار قرار التقسيم أو في منع إقامة الدولة العبرية، وتوسيع احتلالها بما في ذلك للضفة الغربية وقطاع غزة. وبرغم الجدل الطويل الذي ساد الساحة الفلسطينية، تجاه قرار التقسيم أو مبدأ القبول بحل قائم على أساس الدولتين، وهو جوهر قرار التقسيم، إلا أن الواقع الفعلي والسياسي، حسم هذا الجدل بصورة واضحة في دورة المجلس الوطني الفلسطيني التاسعة عشرة، أي دورة الانتفاضة، التي أقرت عام 1988 وثيقة الاستقلال التي استندت إلى قرار 181، وبرنامج السلام الفلسطيني الذين تقدمت على أساسه منظمة التحرير الفلسطينية تجاه المفاوضات وعملية السلام.

بقلم:داود تلحمـــي 

إزاء التعقيدات التي تواجهها المسيرة النضالية الفلسطينية من أجل إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967 (الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة)، وعلى ضوء مواصلة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بشكل محموم عملية توسيع المستوطنات ومضاعفتها، خاصة في الضفة الغربية، بما يجعل المناطق الفلسطينية المأهولة في الضفة جزراً محاصرة بالمستوطنات وطرقها الالتفافية وبجيش الاحتلال الحارس لها والمدافع عنها، عاد بقوة حديث - لم يتوقف تماماً في الماضي- عن خيار العمل من أجل إقامة دولة واحدة في كل المساحة الممتدة من البحر الأبيض المتوسط غرباً الى نهر الأردن وامتداداته الغورية شرقاً، ومن إصبع الجليل شمالاً إلى خليج العقبة جنوباً، أي في حدود فلسطين التي كانت قائمة قبل العام 1948.