BADIL

  • increase font size
  • Default font size
  • decrease font size
Home Article 74 جريدة حق العودة - العدد 36 النقب: التهجير المستمر لبدو جنوب فلسطين

النقب: التهجير المستمر لبدو جنوب فلسطين

بقلم: حازم جمجوم*

تنفيذا لأوامر الحكومة؛ دخلت قوات إسرائيلية، يرافقها عمال هدم وجرافتان إلى القرية في الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم الثامن من أيار 2007، وفي وقت كان 2فيه جميع رجال القرية في أعمالهم، ثم قامت هذه القوات بتدمير كل هيكل تقع عليه العين. وقد أجبرت النساء، والأطفال، والشيوخ الموجودين في القرية على الخروج من البيوت الثلاثين قبل تدميرها جميعا، تاركين أكثر من مائة فلسطيني بلا مأوى تحت أشعة شمس الصيف الحارقة.(1)

 لم تجر هذه الواقعة في الضفة الغربية أو قطاع غزة؛ بل جرت في قرية "طويل أبو جروال" في النقب، وجميع الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم قسريا هم من مواطني "دولة إسرائيل".منذ عام 2006، تعرض سكان قرية "طويل أبو جروال" لعمليات هدم المنازل أكثر من خمسة عشر مرة. وفي معظم هذه المرات جرى تدمير القرية بأكملها تماما. (2)وهذه القرية ليست الاستثناء، بل القاعدة في النقب، فقد حاولت إسرائيل بشكل منهجي حشر البدو الفلسطينيين في جنوب البلاد في بقع صغيرة من الأرض، بينما تقوم بالسيطرة على ما يتبقى من هذا النصف المنسي لفلسطين.

عشية نكبة عام 1948؛ كان يعيش في النقب أكثر من 100,000 بدوي فلسطيني، شكلوا أكثر من 99% من أهالي المنطقة. (3)وكان أسلوب الحياة الخاص بالبدو في هذه المنطقة الواسعة، وجزئيا المنطقة الصحراوية الخصبة، يستند إلى تربية المواشي، والتي تتطلب وجود مراعٍ شاسعة للماعز، والأغنام والإبل، وعلى الزراعة في السنوات الممطرة. تركيبة المجتمع القائمة على النظام العشائري لم تسمح بتقطيع أوصال الأرض إلى قطع صغيرة كملكية فردية خاصة، فكل عشيرة لها ملكية عرفية لأراضي محددة، وكانت حدود هذه الأراضي تحترم من قبل العشائر الأخرى، ومن قبل السلطة العثمانية (التركية)، ولاحقا من قبل السلطات البريطانية. (4)

في عام 1948 بدأت عملية التهجير القسري الممنهج للبدو الفلسطينيين والتي ترافقت مع احتلال إسرائيل لبلدة بئر السبع والتدمير الكامل والتهجير لكل التجمعات السكانية الأصلية في اللواء؛ ومع أوائل الخمسينات، كان أكثر من 90,000 بدوي فلسطيني قد أجبروا على الرحيل؛ تحول معظمهم إلى لاجئين في المناطق المجاورة في قطاع غزة، الضفة الغربية، شبه جزيرة سيناء والأردن.(5) وتعود جذور موجات التجريد من الملكية والتهجير المنهجية الواسعة إلى قرار "دولة إسرائيل" بعدم اعترافها بالحقوق العشائرية العرفية لملكية الأرض، حيث تتعامل إسرائيل مع أراضي البدو باعتبارها أراض دولة، إلا إذا كانت مسجلة بوصفها أملاكا خاصة.

وبين عامي 1948 و1967؛ تواصلت عمليات ترحيل السكان (التطهير العرقي)، التجريد من الأملاك والقمع؛ من خلال نظام الحكم العسكري الذي سيطر على العرب الفلسطينيين الذين تمكنوا من البقاء داخل حدود الدولة الجديدة، وهذه القوانين العسكرية لم يتم تطبيقها على اليهود الإسرائيليين. أما ما يقرب من 10,000 بدوي فلسطيني الذين تمكنوا من البقاء في النقب فقد تمت محاصرتهم بشكل منهجي ونقلهم قسريا، وتم حشرهم في ما يسمى بمنطقة السياج الواقعة في الركن الشمالي–الشرقي للنقب، مباشرة إلى الجنوب من الضفة الغربية، وفي مثلث واضح في المنطقة الواقعة بين مدن بئر السبع، عراد وديمونا. (6)

وقد اشترطت إسرائيل بموجب قانون الجنسية لعام 1952 منح جنسيتها للبدو الفلسطينيين في النقب بموجب تسجيلهم مع إحدى العشائر الثمانية عشر المعترف بها من قبل الدولة، وقامت السلطات العسكرية والمدنية الإسرائيلية بإجراء اتصالاتها مع السكان البدو فقط عن طريق الشيوخ أو رؤساء هذه العشائر، الذين عملوا بمثابة وسطاء. (7)وتحت الحكم العسكري، لم يكن يسمح لأي فلسطيني بمغادرة أو دخول بلدته أو قريته بدون تصريح من السلطات العسكرية.

في عام 1965، أصدرت إسرائيل قانون التخطيط والبناء لعام 1965، الذي يحدد بالتفاصيل الدقيقة سلطات الهيئات الرسمية المختلفة(8) المسؤولة عن التخطيط والتنفيذ بموجب القانون، إضافة إلى خطة رئيسية على مستوى البلاد تشتمل على خرائط لجميع المجتمعات المحلية الموجودة، وعلى مناطق التنمية العمرانية، الصناعية والزراعية، وشبكات الطرق والكهرباء، والمواقع الأثرية والتاريخية، وعلى توقعات للاتجاهات السكانية، واحتياجات الاستيطان، الخ. وأحد العناصر الرئيسة لقانون عام 1965 للتخطيط والبناء؛ هو أنه صمّم لإعاقة تنمية السكان الفلسطينيين الأصليين في إسرائيل، وأنه يميز ضدهم في الأحكام المتعلقة بالخدمات العامة وتخصيص الموارد.

على الرغم من أن معظم التجمعات السكانية الفلسطينية داخل الخط الأخضر كانت موجودة في عام 1965، بل وقبل تأسيس "دولة إسرائيل" بفترة طويلة، إلا أن العديد من القرى الفلسطينية في الجليل، وعلى الأقل خمسين تجمعا سكانيا بدويا في النقب، لم يتم إدراجها في قانون عام 1965 للتخطيط والبناء، ولم تكن جزءا من الخطة القومية الرئيسة؛ وبذلك أصبحت "غير معترف بها" أي أنها أصبحت غير شرعية بموجب القانون.

منذ صدور القانون في عام 1965، لا تظهر القرى غير المعترف بها على خرائط "الدولة"، ولا تتلقى خدمات المياه، الكهرباء، الصرف الصحي، التعليم، جمع النفايات، أو أية خدمات بلدية؛ ولم يتم إقامة طرق لخدمة هذه القرى، ولا مدارس، أو مراكز اجتماعية، باختصار شديد: هي تحصل على لا شيء.

 الحرمان من الكهرباء هو أمر صارخ بوجه خاص بالنظر إلى أن الغالبية العظمى من هذه القرى تمر من فوقها كوابل وخطوط الضغط العالي، كما أن إحدى المحطات الرئيسة لتوليد الطاقة الكهربائية، والتي تخدم منطقة بئر السبع، مقامة في وسط قرية "وادي النعم" غير المعترف بها وهي بلا كهرباء أيضا. إضافة لذلك، ولأن إسرائيل تعتبر هذه القرى غير قانونية، فإن منازلها خاضعة للهدم في أي وقت، بما فيها كذلك جميع المنشآت من أكواخ وخيام، وصهاريج مياه إلى حظائر ماشية، وهذا الوضع يمثل خوفا دائما وحقيقة واقعة بالنسبة لأكثر من 75,000 بدوي فلسطيني من مواطني "دولة إسرائيل"، الذين يقطنون في هذه القرى في النقب، ومن بينها قرية "طويل أبو جروال". (9)

وبالرغم من ان فترة الحكم العسكري قد شهدت تهجير أعداد كبيرة من البدو الفلسطينيين ومصادرة أراضيهم، إلا أن منطقة الشمال-الشرقي للنقب ظلت منطقة ذات كثافة سكانية فلسطينية عالية جدا، فكانت الخطوة الصهيونية التالية تستهدف تكديس أكبر عدد ممكن من البدو الفلسطينيين في اصغر بقعة من الأرض داخل "المنطقة المسيجة" أو منطقة السياج.

بدأت هذه الخطوة في العام 1968 عندما شرعت إسرائيل عملية الاعتراف بسبعة قرى، ويشار إليها ببلدات التركيز؛ وهي: تل السبع، رهط، عرعرة، كسيفة، سيغف شالوم، حورة، واللقية، وهي التجمعات الأكثر فقرا في إسرائيل. والمقارنة الصارخة جدا هي مع المستوطنات اليهودية المجاورة، التي تباهي الكثير منها بأن لديها المؤشرات الاقتصادية-الاجتماعية الأعلى في البلاد. والهدف الواضح من بلدات التركيز، كما يتضح من تعيينها، هو تجميع مركّز للبدو الفلسطينيين في أماكن حضرية معزولة، وفصلهم عن أسلوب الحياة البدوية الرعوية، وتحويلهم إلى عمال قابلين للاستغلال في مختلف الصناعات المملوكة لليهود في منطقة النقب.

ومع أن الأساليب التي تستخدمها السلطات الإسرائيلية تتنوع وتتغير؛ فقد ظل الغرض الرئيس للسياسة الإسرائيلية في النقب، منذ أواسط السبعينيات؛ هو التهجير القسري للبدو الفلسطينيين من القرى غير المعترف بها إلى داخل بلدات التركيز. فعلى سبيل المثال؛ جرى تأسيس المدارس في بلدات التركيز فقط، وقامت إسرائيل بتمرير قوانين التعليم الإلزامي، والتي تعني وضع الآباء في القرى غير المعترف بها أمام خيارات صعبة: إما جعل أطفالهم يذهبون للمدارس مشيا على الأقدام لعدة كيلومترات، أو الانتقال إلى بلدات التركيز، أو مواجهة العقوبات بموجب قوانين التعليم الإجبارية. (10)

وخلال أواخر السبعينات، قام أريئيل شارون، الذي كان وزيرا للزراعة آنذاك، بتأسيس وحدات عسكرية سميت بالدوريات الخضراء وكانت تتبع وزارته. (11)وكانت المهمة الرئيسة لهذه الدوريات هي مضايقة الفلسطينيين البدو في القرى غير المعترف بها، وغالبا ما خربت ممتلكاتهم. ولعل الماعز الأسود هو أهم ثروة حيوانية بدوية؛ هذه الماعز بالذات، تم اعتبارها خطرا على البيئة بموجب القانون الإسرائيلي، فقامت السلطات الإسرائيلية بمصادرة الأغنام "الضالة".

ولجعل هذه الأغنام "ضالة" كانت الدوريات الخضراء تنقض على الرعاة الفلسطينيين، محدثة أكبر قدر من الضجيج، من خلال عربات الجيب والأسلحة، لإفزاع وتخويف الأغنام ودفعها للفرار في كل الاتجاهات، وكانت الساعات التالية لهذه الهجمات تتحول إلى سباق مع الزمن؛ من قبل الراعي وعائلته لجمع اكبر قدر من الأغنام "الضالة" قبل أن تصلها الدوريات الخضراء. (12)

وحتى اليوم، فإن السياسات الإسرائيلية التي تحكم التعامل مع رعاة الماشية تقوم على تمييز مفضوح ضد الرعاة الفلسطينيين في كل مستوى من مستويات التنفيذ، فالرعاة يحتاجون لتراخيص من أجل تربية المواشي، والسلطات الإسرائيلية لا تسمح سوى بإصدار عدد محدود من هذه التراخيص؛ ولا يتم إصدار شهادات (رخص) جديدة، كما لا تصدر السلطات الإسرائيلية أية رخصة جديدة لتربية الإبل، باعتباره الحيوان الذي يعتمد عليه البدو على امتداد الوطن العربي لكسب رزقهم.

وفي سنوات الجفاف؛ يكون على الرعاة الفلسطينيين أن ينقلوا قطعانهم إلى الشمال بحثا عن المراعي، وهذه العملية تتطلب ترخيصا من الصعوبة بمكان الحصول عليه، ونفس الأمر بالنسبة للحصول على تصريح لرعي ماشيتهم في أراض يكون على البدو استئجارها من الصندوق القومي اليهودي في اغلب الأحيان.(13)

ومنذ الثمانينات، تستهدف السلطات الإسرائيلية أيضا المحاصيل الزراعية الفلسطينية في النقب، وذلك كوسيلة لإحداث التهجير القسري نحو بلدات التركيز، ويمكن للدوريات الخضراء وموظفي الدولة الآخرين، أن يستخدموا الجرافات وآليات أخرى من أجل القيام بالتدمير المادي للمحاصيل الفلسطينية، وتخريب موارد الرزق لأصحابها. وخلال سنوات 2002-2004؛ بدأ موظفو إدارة الأراضي الإسرائيلية باستخدام طريقة جديدة: وهي رش المحاصيل من الجو باستخدام مبيدات الأعشاب السامة في "محيطها".

وخلال هذه السنوات؛ تم بهذه الطريقة تدمير أكثر من 30,000 دونم من الأراضي المزروعة للبدو، كما أن الرش بالمبيدات السامة تسبب في نفوق عدة مئات من رؤوس الماشية، وفي عمليات إجهاض للنساء الفلسطينيات الحوامل، وإلى ارتفاع حاد لمعدلات الإصابة بأمراض معينة في أوساط الفلسطينيين الذين استنشقوا المواد الكيماوية، أو أكلوا من المحاصيل التي جرى رشها.(14) وقد تم وقف هذه الممارسة فقط بعد قيام فلسطينيين ومنظمات حقوق إنسان يهودية-إسرائيلية بالنجاح في معركة قانونية ضارية، وحصلوا على أمر محكمة بوقف عمليات الرش.

والأسلوب الأوضح الذي استخدمته السلطات الإسرائيلية لتشريد الفلسطينيين البدو من القرى غير المعترف بها هو هدم المنازل، ففي تمام الساعة الخامسة صباحا من يوم 15 كانون أول 2008)؛ قام أكثر من 200 من رجال الشرطة وعدد من أفراد الدوريات الخضراء باقتحام المضارب البدوية لعبدالله الأطرش، بالقرب من بلدة رهط، وعلى مدار الستة ساعات التي تلت ذلك، استمروا في هدم القرية برمتها، وقاموا بالقوة بطرد جميع العائلات العشرين التي كانت تعيش هناك، ولم تبق هذه العملية على منشاة أو هيكل واحد فوق الأرض، وجرى طرد الرجال، النساء والأطفال من أراضيهم.(15) ويعيش سكان هذه القرية في هذا الموقع لما يقرب من العشرين عاما، وذلك بعد أن طردوا من بيوتهم السابقة التي كانت في مكان أبعد إلى ناحية الغرب.

وادي النعم: الرد بالتنظيم الذاتي والصمود
ربما تكون قرية "وادي النعم" هي القرية الفلسطينية الوحيدة التي طلب سكانها نقلهم الى مكان آخر؛ فهي واحدة من أكثر الأماكن بؤسا في داخل الخط الاخضر، وسكانها الفلسطينيون الذين يقدر عددهم الآن بنحو خمسة آلاف نسمة؛ كان قد تم تهجيرهم من النقب الغربي في أوائل الخمسينيات، من أراضيهم الأصلية التي منعتهم إسرائيل من العودة إليها.

وإضافة إلى المشكلات المستمرة الناشئة عن هدم البيوت، نقص المياه، الكهرباء، الخ، والتي يواجهها سكان القرى الأخرى غير المعترف بها؛ تواجه قرية "وادي النعم" مشكلات أخرى خاصة بها، حيث توجد في وسطها محطة رئيسية لتوليد الطاقة الكهربائية، ويقع إلى الجنوب الشرقي من القرية منطقة "رمات هوفاف" الصناعية المتخصصة في صناعة المنتوجات الكيماوية. تحمل الرياح التي تهب على القرية من جهة المنطقة الصناعية انبعاثات خطرة نتج عنها معدلات عالية جدا من الإصابة بمرض السرطان، وأمراض الجهاز التنفسي، وأمراض جلدية، والعقم وإجهاض الحوامل، ومع كل ذلك؛ عرقلت السلطات الإسرائيلية بشكل صارم الجهود الرامية لتوفير طاقم وعيادة طبية في القرية.

شهد العام 1994 تعبئة واسعة للبدو الفلسطينيين من أجل استعادة بعض الأراضي التي هجروا منها في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات؛ وبين عشية وضحاها، تم نصب أكثر من خمسمائة خيمة في قرية "بئر هداج" الواقعة إلى الجنوب الغربي لمنطقة السياج. وقد تم هذا العمل في لحظة سياسية فريدة من نوعها، حيث كانت أصوات أحد الأحزاب الفلسطينية هي "بيضة القبان" في الكنيست، وتمكن من خلال بعض المناورات من وقف الترحيل القسري لمستعيدي قرية "بئر هداج". (16)وأعاد هذا الحدث قضية فلسطينيي النقب مرة أخرى إلى جدول الأعمال، ولكن ظلت استجابة السلطات الإسرائيلية، كما كانت سابقا، تستند إلى إدعائها أن البدو ليس لديهم قيادة حقيقية أو ممثلين يمكن للسلطات الإسرائيلية التفاوض معهم.

وفي عام 1997؛ شرعت مجموعة من الناشطين الفلسطينيين من النقب بالعمل لبناء قدرات مجتمعهم، وكان هذا العمل في جزء منه ردا على الادعاء بان البدو الفلسطينيين يفتقرون إلى التمثيل، وقد عملوا على تشكيل هيئاتهم المحلية من أجل توفير الخدمات الأساسية التي يتم تزويدها من قبل المجالس المحلية في أماكن أخرى، وقد اشتملت العملية على إنشاء لجان محلية منتخبة، ثم قامت بالتصويت لانتخاب هيئة تمثل جميع القرى غير المعترف بها، والتي أصبحت معروفة الآن بـ"المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها في النقب (RCUV). وخلال سنواته الثلاث الأولى، وجد المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها بأن الخدمات البلدية تتطلب توفر موارد كبيرة، وبان العقبة الرئيسة كانت في الواقع عقبة سياسية، وتنبع من حقيقة أن السياسات والممارسات الإسرائيلية تقوم على التمييز الفظ ضد الفلسطينيين.

ومنذ عام 1995، عمل المجلس الإقليمي على تثقيف وتنظيم فلسطينيي النقب حول القضايا التي تؤثر عليهم بشكل مباشر، وقد اشتملت هذه الجهود على حملات "اعرف حقوقك"، مع المساعدة في الحصول على مولدات كهرباء والوصول لصهاريج المياه، ودعم جهود إعادة بناء البيوت المهدومة، إضافة إلى العمل الدعوي على المستوى المحلي والعالمي. وفي عدد من الحالات؛ أطلق المجلس الإقليمي مواجهات قانونية ضمن محاولاته لتأمين الوصول إلى المرافق الصحية، والمدارس والمراعي، وغالبا ما كانت هذه المبادرات مدعومة من مؤسسة "عدالة": المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل.

ومن خلال هذه الجهود، تمكنوا في المجلس الإقليمي مع شركائهم من إقامة ثلاث مدارس وسبع عيادات صحية في القرى غير المعترف بها. وقد اعتمدت بعض أعمال المجلس الإقليمي على خبرة المواجهة المباشرة لقرية "بئر هداج". وفي عام 2006، منعت السلطات الإسرائيلية رعي الماشية في "أم خشرم"، وهي منطقة مراعي هامة إلى الشمال الغربي من منطقة السياج، وفي عمل منسق بشكل مذهل؛ تم نقل أكثر من 200,000 رأس ماشية إلى أم خشرم كنوع من أعمال التحدي والاحتجاج.(17) وبينما نجحت الحكومة الإسرائيلية في تضييق الخناق على مربي ورعاة المواشي، إلا أن هذه الروح من التحدي والإرادة لممارسة حقوقهم هي التي تنمو بصورة متزايدة في أوساط فلسطينيي النقب.

بذلت الحكومة الإسرائيلية العديد من المحاولات لتسوية مطالبات متعلقة بأراضي البدو، ولكنها لم تكن أبدا على أساس تطبيق حقوق المهجرين بالعودة إلى أراضيهم أو حتى إعادة الأملاك للمالكين الفعليين أصحاب الأرض. وفي الآونة الأخيرة، ليس "تقرير لجنة غولدبيرغ" سوى واحدة من هذه المحاولات الأخيرة لتسوية مطالبات بالأراضي، من خلال إنشاء المزيد من بلدات التركيز، ولإعطاء مزيد من الوقت، وتوفير مساحة أكثر قليلا لكي يجري عزل فلسطينيي النقب فيها.

وعلى الرغم من الكثافة والعنف الذي يكتنف سياسات وممارسات التهجير الإسرائيلية، إلا أن النصف فقط من بين الـ 150,000 بدوي فلسطيني من الذين بقوا في النقب يسكنون في بلدات التركيز، وهذا دليل واضح على انه في مواجهة الجهود الإسرائيلية المستمرة لتهجير الفلسطينيين، ومن ثم السيطرة على أراضيهم، سيظل الصمود المستمر للبدو الفلسطينيين في النقب، على الدوام، هو الأساس الحاسم لإفشال المخططات الإسرائيلية.

* حازم جمجوم: منسق الاتصال والتواصل في بديل/المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين.

------------------------------------------------------------------------

هوامش

 1-ايزابيل همفريز، 42,000 بيتا على قائمة الهدم، "المجدل، العدد 34، مركز بديل، صيف 2007. وللمزيد من المعلومات حول هدم البيوت وانتهاك الحقوق في القرى غير المعترف بها في النقب، أنظر/ي: هيومان رايتس ووتش، "خارج الخريطة: انتهاكات حقوق السكن والأرض في القرى البدوية غير المعترف بها في إسرائيل"، المجلد 20، رقم 5(E)، آذار 2008. وحول تاريخ النقب (لواء بئر السبع) قبل عام 1948، أنظر/ي [بالعربية]: سلمان أبو ستة، "النصف المنسي من فلسطين"، مجلة الدراسات الفلسطينية، شتاء 2008، ص ص 37-50.
2-مقابلة شخصية مع سليمان أبو عبيد، منظم حملات لدى المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها في النقب، أجريت المقابلة من قبل الكاتب في 17 أيلول، 2008.
3-كورت غورينغ، "إسرائيل وبدو النقب"، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد التاسع، رقم 1، خريف 1979، ص ص 4-6  غازي فلاح، "كيف تسيطر إسرائيل على البدو في إسرائيل"، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد 14، رقم 2، شتاء 1985، ص ص 36-38.
4-غازي فلاح، "سياسة دولة إسرائيل تجاه استقرار البدو في النقب"، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد 18، رقم 2، شتاء 1989، ص ص 75-77.
5-انظر/ي جدول رقم 2.3، "مسح الفلسطينيين اللاجئين والأشخاص المهجرين داخليا 2007-2007، المجلد الخامس، 2007. مركز بديل، ص 50.
6-مقابلة شخصية مع مراد السني، مدير مكتب مؤسسة عدالة في النقب (المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل). أجريت المقابلة من قبل الكاتب في 17 أيلول 2008. أنظر/ي أيضا: كاثرين كويلر، "بدو النقب: أقلية منسية"، مجلة الهجرة القسرية، عدد 26، آب 2006.
7-مقابلة شخصية مع مراد السني، 17 أيلول 2008.
8-للمزيد من المعلومات حول قانون التخطيط والبناء (1965)، أنظر/ي: مجلس حقوق السكن والإخلاء (COHRE) ومركز بديل، "حكم فلسطين: تاريخ مسموح فيه قانونيا لليهود الإسرائيليين بالاستيلاء على الأرض والسكن في فلسطين"، أيار 2005، ص ص 48-49.
9-أنظر/ي أم جوهل: "قرية بدوية عاجزة لا زالت تنتظر الرعاية الصحية"، منظمة صحافة عالمية، 2 نيسان 2005، على الرابط: http://www.worldpress.org/Mideast/2058.cfm. (وفيها المزيد من المعلومات حول قرية وادي النعيم).
10-إسماعيل أبو سعد، "التعليم كأداة للطرد من القرى غير المعترف بها"، رسالة عدالة الإخبارية، المجلد الثامن، كانون أول 2004، انظر/ ي أيضا، غورينغ، ص 9.
11-للمزيد حول التاريخ المبكر للدوريات الخضراء، أنظر/ي: "العصابة الخضراء"، "مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد السابع، عدد 3، ربيع 1978، ص ص 143-145، أنظر/ي أيضا، غورينغ، ص 16.
12-مقابلة شخصية مع مراد السني، 17 أيلول 2008.
13-مقابلة شخصية مع سليمان أبو عبيد، 17 أيلول 2008.
14-للاطلاع على تقرير مفصل حول استخدام الرش ضد الفلسطينيين في النقب، أنظر/ي: الجمعية العربية لحقوق الإنسان، "بكل الوسائل الممكنة – تقرير حول: التدمير على يد الدولة لمحاصيل المواطنين البدو في النقب بواسطة رش الكيماويات من الجو"، الناصرة: الجمعية العربية لحقوق الإنسان، تموز 2004.
15-"قرية بدوية هدمت – السكان طردوا"، بلاغ عن الموقف من المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها، (تم تلقيه بواسطة البريد الإلكتروني)، 15 كانون أول، 2008.
16-مقابلة شخصية مع سليمان أبو عبيد، 17 أيلول 2008.
17-نفس المصدر السابق.